طريق التقدم ليس سهلاً.. ماذا يمكن أن يتعلم العالم الإسلامي من تجارب الدول المشاركة بقمة ماليزيا؟

هناك شيء مشترك بين أغلب الدول المشاركة في القمة الإسلامية بكوالالمبور بماليزيا، وهو أنها حققت تجارب اقتصادية وتنموية ناجحة  ورائدة مقارنة ببقية العالم الإسلامي والدول النامية، فكيف يستفيد العالم الإسلامي من تجارب الدول المشاركة بقمة ماليزيا الإسلامية؟ وما شروط نهضة الدول الإسلامية كما تظهرها هذه التجارب. 

في هذا التقرير نرصد تجارب أغلب الدول المشاركة في القمة الإسلامية، وشروط نهضة الدول الإسلامية التي يمكن استخلاصها من تجارب هذه الدول التي عانى بعضها من الانقلابات، وهيمنة العسكريين على السلطة والنزاعات الأهلية والفساد، قبل أن تستقر أحوال  هذه الدول وتبدأ في الانطلاق في مسيرة تنمية أوصلت بعضها لنطاق الدول المتقدمة، فيما اقتربت أخريات من حافة هذا التصنيف.

لا يمكن اعتبار إندونيسيا دولة متقدمة حالياً، ولكنها إحدى أهم الأسواق الناشئة في العالم برمته، واقتصادها السابع من حيث الحجم عالمياً وفقاً للحسابات بالقدرة الشرائية لعملتها.

والأهم أنها مرشحة في حال استمرار نموها الاقتصادي لتصبح قوة كبرى أو عظمى بفضل عدد سكانها الضخم (الرابع عالمياً) واقتصادها المتنامي.

لم يكن طريق إندونيسيا لهذه المكانة معبّداً.

فالبلد بدأ مسيرته  بعد الاستقلال بكم هائل من المشاكل.

فأولاً إندونيسيا ليست أمة واحدة ولم تكن دولة موحدة من قبل، فالمفارقة أنها توحدت تحت راية الاستعمار الهولندي الذي استمر قروناً.

والبلاد هي أكبر دولة جزيرية في العالم، مما يمثل خطراً ماثلاً دوماً على وحدة البلاد، كما تعاني من تباين حاد بين الكثافة السكانية الكبيرة لجزيرة جاوة (أكبر جزر العالم سكاناً) وبين الكثافة السكانية القليلة لبقية الجزر، بما فيها جزيرة بورنيو التي تعد واحدة من أكبر جزر العالم.

وتعاني إندونيسيا من التناقض بين الأغلبية المسلمة في جاوة وسومطرة مقابل الأقليات الدينية (أغلبها وثنية) مثل جزيرة بالي ذات الغالبية الهندوسية.

بل حتى بين الأغلبية الإسلامية في جاوة وسومطره ليس هناك قومية أو إثنية تمثل أغلبية السكان، وليس هناك لغة وطنية سائدة.

حتى إن إندونيسيا عندما حصلت على استقلالها لم تكن لديها لغة منتشرة تصلح كلغة رسمية، ورفض الإندونيسيون اتخاذ الهولندية، لغة المستعمر السابق، لغةً رسمية، واختاروا نسخة من لغة الملايو الخاصة بماليزيا المجاورة، لتكون لغة رسمية بحكم استخدامها في إندونيسيا في التجارة وارتباطها بالثقافة الإسلامية في  جنوب شرق آسيا، وأطلق الإندونيسيون على هذه النسخة من لغة الملايو اسم «بهاسا إندونيسيا» (Bahasa Indonesia).

التناقض امتد داخل الأغلبية الإسلامية بين سكان جاوة الأكبر سكاناً والأقل تديناً والمتأثرين بالعقائد القديمة بالبلاد، مقابل سومطرة التالية في عدد السكان، والذين يتسمون بأنهم أكثر تديناً وارتباطاً بشكل التدين الماليزي  التقليدي المحافظ القريب للإسلام العربي، وهو إسلام يبدو اختلافه واضحاً في إقليم اتشيه الذي تمرد من أجل تطبيق الشريعة.  

وزاد المشكلات تحول إندونيسيا إلى ساحة للصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية ضمن الحرب الباردة.

ودفعت إندونيسيا وشعبها ثمناً باهظاً عبر مذابح ضخمة استهدفت الشيوعيين المؤيدين لبطل الاستقلال سوكارنو.

وحسم الصراع لصالح الولايات المتحدة بتولي سوهارتو المناهض لليسار الحكم.

وتحت حكم  سوهارتو بدأت جاكرتا انطلاقتها الاقتصادية التي جعلتها نمراً آسيوياً مشهوداً له بالنجاح عبر تأسيس بنية صناعية تعتمد على الأيدي العاملة الرخيصة.

ولكن ثمن هذه النهضة كان باهظاً، قمعاً وفساداً وفوارق اقتصادية وطبقية وعلمانية متطرفة.

وسرعان ما انهارت تجربة سوهارتو خلال الأزمة الآسيوية، وتداعت عملة البلاد واقتصادها.

وبعد خروج سوهارتو من السلطة، دخلت إندونيسيا في مرحلة انتقالية مضطربة مثلما حدث في دول الربيع العربي كمصر.

ولكن الساسة الإندونيسيين بما فيهم فلول نظام سوهارتو وكذلك الجيش الإندونيسي القوي أصروا على استكمال التجربة الديمقراطية.

والآن استقرت البلاد وأجرت مؤخراً واحدة من أكبر انتخابات العالم، في ظل ديمقراطية تراعي تنوع البلاد ولا تدخل في صدام مع الدين.

كما تحسن اقتصاد البلاد بشكل ملحوظ؛ فعلى سبيل المثال، حققت صناعة السيارات بها  مؤخراً نمواً كبيراً.

وتتبع البلاد نموذجاً رأسمالياً ليس متوحشاً كنظام سوهارتو، نموذجاً يعتمد على التصنيع بشكل أساسي ومحاولة تحقيق استقلال اقتصادي وتكنولوجي يمتد للصناعات العسكرية، حيث تعد جاكرتا شريكاً في برنامج كوريا الجنوبية لتصنيع طائرة شبحية من الجيل الخامس.

وأدت الديمقراطية إلى تحجيم دور الجيش في السياسة (مازال له تأثير)، ولكن أصبح أكثر احترافية واستفادة من ثمار النمو، كما قللت الديمقراطية من اللوم الذي يتحمله الجيش في الأزمات الداخلية باعتباره لا يتحمل  مسؤولية عن القرارات السياسية التي تتخذها السلطة المنتخبة.

كما نجحت إندونيسيا في إنهاء تبعيتها في المجال العسكري عن واشنطن، بعدما لجأت جاكرتا لتنويع مصادر التسليح عبر شراء أسلحة روسية مثل الطائرات السوخوي.

من المهم الانتباه إلى أن إندونيسيا راعت تنوع مطالب سكانها، فأبرمت السلطة المركزية على سبيل المثال اتفاق سلام مع المتمردين في إقليم آتشيه، تضمن إجراء انتخابات تسمح بتطبيق الشريعة في الإقليم إذا أراد سكانه ذلك.

الخلاصة من تجربة إندونيسيا هي أن طريق النجاح هو الديمقراطية التي تقبل التنوع الإثني والديني مع مراعاة الهوية الإسلامية لغالبية المجتمع، بشرط أن تكون ديمقراطية تفاوضية وقوية في الوقت ذاته.

يتضافر ذلك مع رأسمالية تنموية تقوم على التصنيع والزراعة والتصدير مع مراعاة العدالة الاجتماعية.

ماليزيا يجب أن تكون دولة فاشلة من الناحية النظرية.

فهي كانت واحدة من أكثر الدول تناقضاً في تركيبتها الإثنية والدينية والطبقية.  

طبق المستعمرون البريطانيون في ماليزيا أسوأ سياسات الاستعمار.

فقد جلبوا للبلاد أعداداً هائلة من المهاجرين الصينيين والهنود لمساعدتهم في التحكم على البلاد ومواردها.

والنتيجة عند الاستقلال كان أقل قليلاً من نصف سكان البلاد من المهاجرين الصينيين والهنود الذين يتحكمون في مقاليد اقتصاد البلاد، بينما الملايو الذين أصبحوا يشكلون أغلبية ضئيلة مهمشين اقتصادياً، إذ يشكل الملايو وباقي سكان البلاد الأصليين نحو 67.5% من السكان.

كان يمكن لماليزيا بعد الاستقلال أن تفعل مثل معظم بلدان العالم الثالث ومنها دول عربية وتقوم بطرد الأقليات التي خلفها الاستعمار والتي تحتكر الثروة.

ولكن قادة البلاد كانوا يعلمون أن التأميم وطرد الأقليات من شأنه إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد.

وبدلاً من ذلك لجأت ماليزيا لسياسة فريدة.

أتاحت هذه السياسة للأقليات الصينية والهندية الإبقاء على دورها الاقتصادي، مع اتباع سياسات تشجع على تحسين وضع الملايو اقتصادياً وتعليمياً.

وفيما يتعلق بالهوية لم تخجل ماليزيا من هويتها الإسلامية، مع التأكيد على احترام هويات الأقليات واعتبار التعدد جزءاً من طبيعة البلاد، وهو أمر يتجسد في اسم البلاد ماليزيا، المشتق من الملايو، أغلبية السكان  واسم آسيا باللغة الإنجليزية، باعتبار أن معظم الأقليات هي آسيوية.

والديمقراطية الماليزية تشبه الديمقراطية اليابانية، حيث يحكم حزب واحد في الأغلب عبر فوزه في الانتخابات مع سلطة مركزية قوية تراعي تنوع البلاد واختلاف طبيعة الأقاليم، من دون التفريط في وحدة البلاد.

وفي الاقتصاد تشبه ماليزيا اليابان أيضاً، عبر الاعتماد على رأسمالية وطنية محدودة الفساد، تركز عبر تشجيع من الدولة على التصنيع، مثل صناعة الإلكترونيات والسيارات، مع تعزيز المكون المحلي وتدريب العنصر البشري الوطني، والاستفادة من موارد البلاد في الزراعة والسياحة.

ومن ناحية الدين  تتمتع البلاد بوضع فريد، إذ تعتبر من أكثر دول العالم الإسلامي وجنوب شرق آسيا تقدماً وتديناً في الوقت ذاته.

تعلم النخبة الماليزية أن التدين المستنير عامل للتقدم عبر دور الدين في تعزيز التماسك الاجتماعي والادخار، وتعزيز قيم العمل والاستقلال ومحاربة الفساد، والتقليل من آثار التغريب والتحديث الاستهلاكية.

وفي هذا الصدد فإنَّ النخبة الحاكمة لا تنتمي للإسلام السياسي الحركي إلا أنها محافظة ومتدينة وتعلم أهمية المكون الاسلامي في هوية البلاد، ولذلك تتمتع الأحزاب الحركية الإسلامية بحرية العمل السياسي، وتحكم بعض الولايات، كما يوجد بالبلاد محاكم شرعية.

فالحزب الإسلامي الماليزي هو تيار الإخوان المسلمين في ماليزيا، يرأسه عبدالهادي أوانج، وهو أيضاً رئيس حكومة ولاية ترغكانو في ماليزيا، وسبق أن شارك الحزب في الحكومة الائتلافية المركزية، ويحكم عدة ولايات في ماليزيا.

كما تتخذ كوالالمبور مواقف قوية من القضايا الإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ولماليزيا تجربة فريدة أخرى في معالجة الأزمات الاقتصادية، تحت قيادة رئيس الوزراء الحالي مهاتير محمد.

فقد تضرَّرت عملة البلاد واقتصادها خلال الأزمة  المالية الآسيوية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، ولكن مهاتير محمد رفض شروط صندوق النقد الدولي التقشفية، وأصرَّ على طريق للحل يعتمد على تقييد تداول العملة وتنشيط الاقتصاد، لتكون البلاد أولى دول آسيا في الخروج من الأزمة، بينما تدهورت أوضاع الدول الأخرى، وخاصة إندونيسيا المجاورة.

منذ انتصارها في حرب الاستقلال التي خاضتها في الثلث الأول من القرن العشرين ضد دول كبرى، فإن تركيا تخبّطت لعقود بين حالة الانتماء للعالم الأول أو العالمين الثاني والثالث، وبين أوروبا والعالم الإسلامي.

أدت حرب الاستقلال إلى تأسيس دولة قوية ومتجانسة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ولكنها في الوقت ذاته نتج عنها حكم عسكري يحاول فرض هوية معينة على البلاد، تجمع ما بين العلمانية المتطرفة التي يجب أن يعتنقها أغلبية مسلمة يفترض أنها تتحدث التركية حتى لو كان جزء منها يتحدث لغات أخرى.

وبعد ذلك واصلت تركيا تخبطها بين أنظمه ديمقراطية أو شبه ديمقراطية تحكمها في الأغلب أحزاب ضعيفة وفاسدة، وبين أنظم عسكرية جاءت عبر انقلابات تحرَّك خلالها الجيش التركي للإطاحة بالحكومات المدنية، بسبب مشكلاتها أحياناً، أو بسبب ما اعتبره تعدّياً على الطابع العلماني للبلاد أو وحْدتها.

والنتيجة عقود من القيود على الحريات بالنسبة للمتدينين والأقلية الكردية وحتى بعض العلمانيين الليبراليين واليساريين.

وأدى ذلك إلى أن فئات كبيرة من المواطنين فُرضت عليهم قيود تتعلق باللغة، أو الشعائر الدينية مثل ارتداء الحجاب، وحتى بعض العلمانيين واليساريين فُرضت قيود على قدرتهم على التعبير عن بعض أفكارهم، التي تختلف عما اعتبرته المؤسسة العسكريه ثوابت الدولة التركية.

وأُضيفت إلى ذلك فوارق اجتماعية وثقافية ومادية وحضارية بين النخب العلمانية الثرية المتركزة في غرب البلاد، والطبقات الأفقر والأكثر محافظةً الموجودة في الأناضول وإسطبنول.

كما عانت البلاد عل مدى سنوات، أزمات اقتصادية، كان من أبرز مظاهرها موجات التضخم الهائلة التي وصلت بالليرة التركية الى أن تصبح أدنى عملة سعراً في العالم، حيث بلغت قيمتها مقابل الدولار، في نهايه التسعينيات، مليوناً و650 ألف ليرة للدولار الواحد.

وعقب دخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة، تدخَّل صندوق النقد الدولي؛ لإنقاذ اقتصاد البلاد، ثم وصل إلى الحكم حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية، بعد سنوات من محاربة المؤسسة العسكرية للأحزاب السياسية الإسلامية.

وبدأت تجربة اقتصادية مهمة، قامت على محاربة الفساد والتركيز على الاقتصاد الإنتاجي.

وكانت النتيجة أنه في بداية عهد حزب العدالة والتنمية، استطاعت العملة التركية أن ترتفع في مقابل الدولار، وأن تستقر بما سمح للحكومة بإزالة 6 أصفار من قيمة العملة عام 2005، وأصدرت البلاد عملة جديدة.

ومنذ ذلك العهد، حققت تركيا معدلات نمو اقتصادية كبيرة رغم الأزمات التي تجاور البلاد، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي مجال الحريات، منح الأكراد عديداً من حقوقهم التي كانوا ممنوعين منها من قبلُ، كما بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني؛ لإنهاء الحرب بين الجانبين والتي استمرت عقوداً، وأبرمت هدنة معه، سرعان ما فضَّها حزب العمال.

ولكن رغم ذلك أدت السياسات الإيجابية تجاه الأكراد إلى إعطاء جزء كبير من ناخبي المناطق الكردية أصواتهم لحزب العدالة والتنمية.

وخلال العام الماضي (2018)، واجهت العملة التركية أزمة، كان أحد أسبابها الرئيسية، الخلافات مع الولايات المتحدة حول عدة قضايا.

ولكن سرعان ما تمكنت البلاد من تجاوز هذه الأزمة، وعادت الليرة إلى الارتفاع مجدداً والاقتراب نسبياً من مستوياتها السابقة قبل الأزمة.

ومن الأمور اللافتة في هذه الأزمة، الخلاف بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومحافظ البنك المركزي، الذي كان يرى ضرورة الحفاظ على سعر الفائدة على الليرة مرتفعاً، وهو أمر من شأنه إضعاف معدل النمو في البلاد.

ولكن كان يرى أن هذا الإجراء سيؤدي إلى وقف تدهور الليرة وتقليل التضخم، وهو الرأي الذي كان يتفق معه أغلب الخبراء والمحللين الاقتصاديين في العالم.

غير أن أردوغان كان يريد تخفيض سعر الفائدة؛ من أجل تعزيز النمو الاقتصادي.

وبالفعل أقال أردوغان محافظَ البنك المركزي التركي، وخفض البنك سعر الفائدة بشكل ملحوظ.

والمفاجأة أنه عكس توقعات الخبراء الاقتصاديين، فإنَّ رفع سعر الفائدة أدى إلى زيادة قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، وكان ذلك تعبيراً عن ثقة المستثمرين الحقيقيين وليس مستثمري الأموال الساخنة، بآفاق نمو الاقتصاد التركي.

وقالت وكالة بلومبيرغ الأمريكية إن الليرة التركية أفضل عملة أداءً خلال يوليو/تموز 2019. 

لمنطقة الخليج عامة وضع خاص يرتبط بعدد سكانها المحدود مقابل مواردها الهائلة من النفط والغاز.

فدول دول الخليج، ومن بينها قطر، لديها واحد من أعلى معدلات الدخول والأجور في العالم، ورغم ذلك فإن أياً من دول الخليج لا تصنَّف باعتبارها دولة متقدمة بالمعنى التقليدي؛ نظراً إلى أن هذه الثروة جاءت بالأساس نتيجة للموارد الطبيعية، وتحديداً النفط والغاز.

ولكن حتى في ظل هذا النموذج الخليجي، فإن الدوحة لديها تجربة خاصة جديرة بالتأمل.

فقطر، التي تعد أقل دول الخليج سكاناً، كانت لديها تجربة اقتصادية خليجية تقليدية تعتمد بالأساس على تصدير النفط وهي ليست عملاً في مجال إنتاج النفط.

ولكن بعد تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق، الحكم عمِلت البلاد على التركيز على الاستفادة من ثرواتها من الغاز، وهي عملية أكثر تعقيداً من استخراج النفط، وتحتاج عملاً مؤسسياً يعتمد بشكل كبير على قدرات إدارية وتكنولوجيا رفيعة، والدليل على ذلك أن هناك بعض الدول التي لديها كميات كبيرة من الغاز ولكن لا تستطيع استخراجها كإيران.

وبفضل هذه المشروعات تحولت قطر إلى عملاق في مجال تصدير الغاز، وأصبح لديها أعلى متوسط لنصيب الفرد من الناتج المحلي في العالم.

كما أصبحت لاعباً إقليمياً بفضل انفتاحها وتنوُّع علاقاتها السياسية، ودورها الإعلامي.

واللافت أنه رغم الحصار الذي فرضته على قطر أربع دول عربية بقيادة السعودية والإمارات، فإن أداء الاقتصاد القطري يبدو أفضل من أداء اقتصاديات محاصِريها.

إذ إن الدوحة في مواجهة هذا الحصار وفي مواجهة التقلبات المالية التي تعانيها الدول النفطية، لم تنفّذ الإجراءات التقشفية نفسها التي اتخذتها المملكة العربية السعودية المجاورة والتي أدت إلى إخراج ملايين من المهاجرين والعمال المغتربين من البلاد، وهو ما أثر بالنهاية في التجارة والاقتصاد، وتمضي البلاد قدماً في خططها لاستضافة كأس العالم لكرة القدم القادمة.

لدى إيران القليل مما يمكن أن تتعلمه بقية الدول الإسلامية.

فالبلاد تعد واحدة من أكثر بلدان العالم عزلةً، كما أنها متورطة في مشكلات مع جيرانها، وينظر إليها كثير من سكان العالم العربي على أنها تتدخل في شؤون الدول العربية، وأنها تعتمد على مؤيديها في أوساط الأقليات الشيعية لبسط نفوذها بشكل يهدد الوحدة الوطنية في كثير من البلدان العربية.

كما تعاني البلاد حصاراً أمريكياً خانقاً زاد ترامب من قسوته، بحيث أصبح يؤثر بشدة في اقتصادها الذي كان يعاني أصلاً مشكلات متعددة قبل تضييق الحصار.

والأهم، تعاني البلاد أزمة كبيرة في الحريات السياسية، وبالأكثر الاجتماعية.

ولكن لا تُعدم إيران من بعض الأشياء التي يمكن الاستفادة منها ولو جزئياً، من قِبل بقية دول العالم الإسلامي .

فرغم أن البلاد شبه محاصَرة منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، فإنها حققت تقدماً كبيراً في مجال التعليم والبحث العلمي، ولكن المشكلة أنه تقدُّم لا يوازيه نجاح في مجال النمو الاقتصادي، وهو ما يجعل البلاد تعاني درجات مرتفعة من البطالة.

كما تعد إيران من أكثر دول العالم اعتماداً على الذات في مجال الصناعات العسكرية، حتى لو كان مستوى تقدُّم الأسلحة التي تنتجها أقل من دول إسلامية أخرى مثل باكستان وتركيا وإندونيسيا.

تخبرنا هذه التجارب بشروط عديدة للتقدم، لكن الأهم أنها تخبرنا بمحاذير يجب تجنَّبها، منها:

الاستبداد والحكم العسكري مهما كانت واجهنا من مشكلات للديمقراطية.

وتخبرنا هذه التجارب كذلك بأن الاستقلال الوطني لا يعني الاشتباك في مواجهة مع الدول العظمى كما فعلت إيران.

وأن الانفتاح لا يعني الخجل من الهوية، وأن الحداثة لا تعني التخلي عن الماضي أو نبذ الدين.

المشترك الغالب في التجارب الناجحة لهذه الدولة هو مزيج دقيق من التدين المتنوِّر والحفاظ على الهوية دون تعصُّب، وتقبُّل التعدد عبر ديمقراطية قوية ومرنة، وتحقيق التنمية عبر رأسمالية إنتاجية بالأساس، مع محاولة محاربة الفساد، وتحقيق الاستقلال عن القوى العظمى دون التورط في مشكلات.

والأهم من كل هذا هو ضرورة الصبر على الديمقراطية، فثمارها ستأتي ولو بعد حين.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى