ثقافة وادب

ضمت مصر، وانهارت على يد الإسكندر الأكبر.. الإمبراطورية الأخمينية في إيران القديمة

عند البحث عن دوافع النظام الإيراني لبسط نفوذه بمنطقة الشرق الأوسط ورغبته في استعادة أمجاد الماضي، يغمز المحللون عادةً لاستدعاء النظام الإيراني إرث الدولة الصفوية التي مثَّلت قوةً لا يُستهان بها بين عامي 1501 و1736.

إلا أن ما يجهله البعض، هو أن لإيران تاريخاً إمبراطورياً كبيراً يعود لآلاف السنين قبل الميلاد، نجح ببعض مراحله في مناكفة أعتى القوى العالمية؛ مثل الإغريق والدولة الرومانية، حتى إنهم هزموا أهمَّ 3 قادة رومانيين، وأسروا إمبراطوراً رومانياً ظل أسيراً لديهم حتى وفاته.

في هذه السلسلة نقدِّم لكم صورةً عامة عن تاريخ إيران، بدايةً من الإمبراطورية الأخمينية والسلوقيِّين والبارثيِّين وصولاً إلى الدولة الساسانيَّة الكبيرة وسقوطها على يد المسلمين، وحتى الدولة الصفوية الشيعية والقاجاريِّين، وصولاً إلى الخميني والنظام الإيراني الحالي. كما سنعرِّج على أهم الشخصيات في هذا التاريخ الإيراني، مثل قورش الثاني، وابنه قمبيز الثاني، وأبو مسلم الخراساني، والشاه إسماعيل الصفوي.

بحسب موقع ancient.eu البريطاني، أنه عندما انتفضت مصر ضد الهكسوس عام 1570 قبل الحقبة العامة، اندفعت موجةٌ من القبائل الرعوية من شمال بحر قزوين إلى هضبة مرتفعة في اتجاه الهند تمتد شرق جبال زاغروس بإيران وصولاً إلى الهند.

وبحلول الوقت الذي بنى فيه الآشوريون إمبراطوريتهم الجديدة، غطت موجةٌ ثانيةٌ الامتداد الواقع بين جبال زاغروس وكوش الهندية بالكامل. استقرت بعض القبائل، واحتفظ آخرون بنمط حياتهم شبه البدوي. كان هؤلاء هم الشعب الإيراني.

مثل جميع الشعوب ذات الطبيعة القبلية أو البدوية لم تكن هناك محاكم ولا قانونٌ ولا شرطةٌ، لكن كانت القبائل الإيرانية تحكمها أعراف الشرف، واختلفت معتقداتهم الدينية عن معتقدات المزارعين. وفيما حول فلاحو مصر وبلاد ما بين النهرين آلهة الطبيعة إلى حماةٍ للمدينة، لخصها الإيرانيون في بضعة مبادئ عامة.

وكان زرادشت الذي قال إنّه تلقّى «وحياً إلهيّاً»، وعاش تقريباً قبل 1000 عامٍ من الحقبة العامة، هو أول من أعطى هذه المبادئ. بالنسبة له كان الإله الوحيد هو الخالق أهورا مزدا الذي أوجد النظام، والحق، والقانون أو المنطق الذي بُني عليه العالم. حتى هؤلاء الذين لم يمارسوا الزرادشتيه نشأوا على ثقافة تقدير الأفكار الأخلاقية البسيطة مثل قول الحقيقة.

في بعض المناطق، كانت تتمكن قبيلةٌ من لم شمل القبائل الأخرى تحت قيادتها. ومن بين تلك القبائل كانت قبيلة الميدز الذين بنوا عاصمةً في إكباتان «وتعني مكان الاجتماع» في شرق زاغروس ومن هناك وسعوا دولتهم. 

في عام 612 قبل الحقبة العامة، اقتحم سياخريس، زعيم قبيلة الميدز -التي اشتق منها اسم الميديين- مدينة نينوى مع الكلدانيين، بعد ذلك تقدم إلى الشمال الغربي. وفي عام 585 كان الميديون يقاتلون قبيلة أخرى تعرف باسم الليديين قرب نهر هاليس، ولكن أثناء الحرب حدث كسوف للشمس دفع كلا الطرفين لوقف الحرب واضطرهم إلى السلام. بعد ذلك بفترةٍ وجيزةٍ توفي سياخريس زعيم الميديين تاركاً ما يشبه الإمبراطورية لابنه استياجيس الذي حكمها في الفترة ما بين عام 585 إلى عام 550. 

بحسب المصادر التاريخية، قورش كان حفيد أستياجيس لوالدته، لكن هذا لم يمنعه من الرغبة في التخلص من قبضة قبيلة الميدز. بحلول عام 552، كان قد جمع القبائل الفارسية في اتحادٍ وبدأ سلسلةً من الانتفاضات.

عندما حانت المواجهة الحتمية مع جده عام 552 قبل الميلاد، تمرد الميديون وانضموا إلى قورش في الزحف إلى إكباتان؛ إيذاناً بقيام الإمبراطورية الأخمينية.

حصل قورش على لقب شاه «ملك» بلاد فارس وبنى عاصمةً في موقع انتصاره، وأطلق عليها باسارغاد، تيمناً باسم قبيلته التي نشأ فيها. غير أن انتصار قورش على الميديين توّجه على إمبراطوريةٍ غامضةٍ مترامية الأطراف من شعوبٍ مختلفةٍ لا حصر لها. فواجه التنوع الثقافي والشك والعداء الصريح. واضطرت ممالك مجاورة مثل  ليديا وبابل الكلدانية إلى عقد اتفاقاتٍ مع الميديين خشية زحفه عليهم.

ولكن قورش فاز بليديا لأنه لم يلتزم بالقواعد. بعد معركةٍ غير حاسمةٍ بالقرب من نهر هالي في أحد فصول الخريف، عاد الملك كرويسوس (560 – 546) إلى سارد، متوقعاً استئناف القتال في الربيع وفقاً للعُرف وقتها. لكن قورش تبعه إلى موطنه واستولى على سارد نفسها، عاصمة ليديا وأغنى المدن الأيونية. وكانت قبل ذلك بقرنٍ من الزمان قد سكّت ليديا العملات الأولى، وجعلت من إيونيا مركزاً للتجارة. لكن كل هذا بات في قبضة قورش بعد ذلك.

أما بالنسبة إلى كرويسوس نفسه، فقد عفا عنه قورش، وبعكس كل التوقعات مرةً أخرى. بنى قورش سمعةً بعتق الحكام المهزومين، حتى يتمكن من طلب مشورتهم بشأن أفضل طريقةٍ لحكم أراضيهم. 

على النقيض من ذلك، فقد رأى قورش التعاون قوةً، خاصةً عندما يتعلق الأمر بضمان الفوز بالجائزة الكبرى: بابل. بدلاً من محاولة الاستيلاء على أكبر مدينةٍ في العالم بالقوة، خاض قورش حملةً دعائيةً لاستغلال عدم شعبية ملكها، نَبونيد. كانت رسالته الإعلامية تقول إن تقاليد بابل ستكون أكثر أماناً مع قورش. فُتحت البوابات ووضع سعف النخيل أمامه عند دخوله المدينة.

وبمجرد دخوله بابل أقام قورش المراسم الدينية التي أهملها نَبونيد، وأعاد ايقوناتها الدينية المُصادرة إلى معابدهم في أنحاء البلاد. هذه الأفعال مكنت قورش من الحصول على الحكم الشرعي في بابل، وبدا كأنه حكم باركته الآلهة البابلية. وبدا للجميع أن قورش يرسي مبادئ جديدة للإمبراطورية الناهضة، الرعايا سيدفعون الضرائب، وسيكفل هو للجميع حرية عبادة آلهتهم والعيش وفقاً لعاداتهم.

سمح لليهود المنفيين بالعودة إلى ديارهم ومنحهم أموالاً لبناء معبدٍ جديدٍ في القدس. منح هذا لقورش ذكراً متوهجاً في العهد القديم، كما وفر له منطقةً حدوديةً عازلةً بينه وبين مصر.

التعددية الثقافية جعلت السلام الدائم إمكانيةً حقيقيةً أخيراً في إمبراطورية قورش، وكانت هي أيضاً الطريقة التي سعت بها الإمبراطوريات في وقتٍ لاحقٍ لتحقيق حكمٍ مستقر. 

كان من الواضح لقورش أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يأمل أن تمكنه من الاحتفاظ بما حققه من فتوحاتٍ، لكن تلك كانت رؤيةً لا يُمكن أن تستمر في الفترات اللاحقة، إلا من خلال المعاناة.

بعد وفاة قورش الكبير عام 529 قبل الحقبة العامة، تمكن من أن يضيف قمبيز الثاني نجل قورش وخليفته 529-522 مصر إلى الإمبراطورية الفارسية بعد غزو عاصف، ولكن بعده كانت قد اندلعت ثورةٌ في أراضي الإمبراطورية والتي كان محركّها وقائدها كاهنٌ من قبيلة الميدز يدّعي أنه شقيق قمبيز، ولكن  قمبيز المنتشي بالنصر أرسل طلباً بقتله سراً، ولكن لم يفلح الأمر على الأرجح وظل الكاهن يقود ثورته.

وهرع قمبيز عائداً للإمبراطورية، لكنه مات في الطريق تاركاً الحكم لأحد جنرالاته وقريبه من بعيدٍ. وكان اسمه دارا. الذي صار لاحقاً دارا الأول «ينطق أيضاً دارا وداريوس وداريوش»، فعاد دارا ونجح في قتل الأخ المزعوم المطالب بالعرش، غير أن الثورة كانت قد انتشرت في كل مكان، ووجد نفسه مضطراً للقتال لاسترجاع الأراضي التي فتحها قورش الكبير من جديد. 

وتمكّن دارا، المدعوم من الجيش ومن القبائل النبيلة لبلاد فارس، التي اغتنت من الحكم الإمبراطوري، أن يستعيد الإمبراطورية ويوسعها في منطقة وادي السند، وكانت تلك بالنسبة للإمبراطورية جائزة أكبر من بابل.

أدرك دارا أن الإمبراطورية تحتاج لتنظيمٍ فعالٍ لتدار. فقسمها إلى 20 إقليماً أو محافظةً، كلٌ منها يدفع جزيةً محددةً لفارس. كل إقليمٍ يديره حاكمٌ أو والٍ مركزيٌ معينٌ، غالباً ما يكون من أقارب دارا. وليمنع الولاة من تأسيس مراكز قوةٍ عين دارا قائداً عسكرياً مستقلاً يتبع له مباشرةً.

واستطاع الجواسيس الإمبراطوريون المعروفون باسم «آذان الإمبراطور» تكميم الأفواه، ورفع التقارير إلى دارا عبر خدمة الرسائل المنظمة التي تشبه البريد اليوم. وكانت الإمبراطورية مرتبطةً بشبكةٍ من الطرق التي استطاع الرسل عبرها تغيير أحصنتهم في محطاتٍ تفصل كل واحدةٍ منها عن الأخرى مسيرة يوم.

استوحى دارا أغلب تلك البنية من الآشوريين، مطبقاً إياها على مقياسٍ أكبر، غير أن استخدامه للجزيرة كان جديداً. قبل ذلك كانت الجزيات بالأساس حمايةً في صورة أموالٍ تُدفع مقابل تجنب المشاكل، غير أن دارا تعامل معها معاملة الضرائب. استخدمها لإنشاء قواتٍ بحريةٍ ولإطلاق العديد من برامج الإنفاق العام الكبيرة، فضخ الأموال في أعمال الري، واستكشاف الثروات، وشق الطرقَ وقناةً بين نهر النيل والبحر الأحمر.

شهدت الحقبة المتأخرة من حكم دارا اضطراباتٍ عند البحر المتوسط. وقع تمردٌ إغريقيٌ عام 499 في إيونا. وبعد سحقه في نهاية المطاف أبحر أسطول دارا لمعاقبة أهل أثينا لدعمهم التمرد، ليشهد هزيمةً مفاجئةً. ولولا أن منظومة الإدارة الفارسية كانت تبدو ضعيفةً إلى حدٍ خطيرٍ لكان الإغريق قد تلقوا درساً قاسياً. لكن دارا أثار القلاقل في أماكن أكثر أهميةً مثل مصر برفعه الضرائب لتمويل حملته العسكرية.

كانت الإمبراطورية التي بناها قورش ودارا قويةً كفايةً لتحكم لنحو 200 عام، لكنها انحلت تدريجياً. استقلت الولايات بأراضيها عن الإمبراطورية. ضرب التضخم الإمبراطورية باستمرار الضرائب في الارتفاع. حتى التعددية الثقافية للإمبراطورية التي كانت سر قوتها في البداية قد انهارت: كان الجيش الضخم عبارةً عن كتائب من الجنود المدربين والمسلحين كلٌ وفق تقاليده، ويتحدثون لغاتٍ مختلفةً.

بعد موت داريوش الأول، أعقبه نجله خشايارشا الأول الذي يُقال إنّه حشد أكبر جيشٍ في التاريخ الإنسانيّ حتى انتهى به المطاف إلى غزوته الفاشلة لليونان عام 480 ق.م، فقد أراد أن يضمّ عدوته الأوروبيّة اللدودة لحكمه -اليونان-، وبعدما فشل انشغل خشايارشا الأول ببناء المشاريع، وأضاف الكثير إلى مدينة برسبوليس، وفعل خلفه الأمر نفسه.

وجاءت النهاية عام 401 عندما قاد قورش الأصغر، والي ليديا، وفيرجيا، وكابادوكيا انقلاباً فاشلاً ضد أخيه أرتحششتا الثاني -الإمبراطور حينها وحكم من 358 إلى 404 – بمساعدة 10 آلاف من المرتزقة الإغريقيين الذين عادوا لوطنهم بعد فشل الانقلاب. ولكنهم عادوا إلى بلادهم محملين بمعلومات مهدت الطريق أمام نهاية الإمبراطورية الأخمينية على يد الإسكندر الأكبر عام 334.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى