تاريخ وحضاراتكتاب وادباء

صناعة طاغية ” الحلقة الثانية “

من روائع الكاتب والمؤرخ الكبير 

عبدالفتاح المصرى k

دكتور عبد الفتاح المصرى

 لا يتأله حاكم ويصبح طاغية إلا بحكم تربيته فى القصور فلا يرى إلا والديه يحيطهما الناس بآيات الإحترام والتقدير ويملى الفرعون الأوامر ويتلقفها المحيطون به وينفذونها دون إدراك من جانبه عن سر هذا الإحترام والتوقير ولا المعنى الحقيقى له  بسبب عقليته الصغيرة       فقد إكتسب والده هذه الثقة من خدمة الشعب بأمانته وحسن خلقه وحكمته وبرأيه السديد من علمه وتجاربه وحنكته حينا ومن مستشاريه أحيانا أخرى فينطبع فى عقل الفتى الصغير معنى الإستبداد دون أن يحمل صفات والده أو حنكته كما أنه لا يدرك أن الشعب ليس كما مهملا فهو لا يفهم إلا معنى الأنا وإعجابه الشديد بذاته ولا يدرك أن القوة الحقيقية فى هذا الشعب الذى يتفاعل مع قرارات الحاكم فإذا كان القرار قويا فهو يعكس إرادة الشعب لا إرادة الحاكم لأن الشعب سيجد له صدى فى نفسه فيعمل على تنفيذه ليصنع الحياة  على وجه مصر ويبنى  حضارتها ويكد ليطورها وإلا فإن القرار سيولد ميتا إذا ما الشعب لم يلق له بالا ولدينا شواهد من  النقوش التى على المعابد والمقابر وعلى المسلات ترينا كيف يكون الشعب مصدر القوة والتطور وهو الدعامة الرئيسية للفرعون وللإدارة والحكم والجيش بالإضافة إلى الكهنة والمعابد والتى تفصح  عنها المناظر التى تعبرعن الحياة  على  جدران المعابد أو المقابر لقدماء المصريين كما يمكن أن نرى  نظرة الحب للحياة والسرور التى تملأ العيون والسعادة مرتسمة على الوجوه فى أعيادهم وحفلاتهم وصيدهم ومعاملاتهم ليس فيها تشاؤم أو جمود لأنهم صنعوا من حولهم حياة ومن حقهم أن ينعموا بها .

1

وكل الذين نقلوا لنا إنطباعاتهم عن الشعب المصرى لم تتجاوز هذه الإنطباعات  النظرة السطحية له ولذلك صوروه على أنه شعب سلبى نظر للحباة نظرة تشاؤم وحزن ولم يتجاوز إهتمامه عالم الموت . والحقيقة أن هذه النظرة القاصرة لم تدرك فلسفة الحياة عند قدماء المصريين التى صورت أن دنياهم عمل وجهاد لدفع الأخطار المحيطة بهم من البيئة والمتربصين بهم حيث الماء الوفير والأرض السوداء ـ كيما ـ محط أنظار وطمع بدو الصجراء والقبائل المتنقلة  مع جهد المصريين القدماء  المتواصل لتطوير الحياة لكى ينعموا مع أسرهم وأطفالهم بالحياة التى رأوا أنها تتميز بالقصر لكنهم فهموا أن الحياة الحقيقية هى الحياة الأخرى حيث الخلود مع الآلهة فبنوا مساكنهم من مواد قصيرة الأجل طبقا لهذا المفهوم ولأن الحياة الثانية خالدة وتدوم  إهتموا ببناء مقابرهم التى صنعوها من الأحجار لتتحدى الزمن إلى يوم البعث من الموت حيث الثواب والعقاب ووضعوا فيها متطلبات الشخص من ماء وطعام وأدوات ليجد متعلقاته التى يحتاجها عندما يستيقظ  أو يعود للحياة  وقد وجدنا  كثير من هذه  المتعلقات فى المقابر والتى سيستخدمها فى حياته الأخرى وهذا وحده دليل على الحيوية فنظرة المصرى وإهتماماته بالحياة الثانبة فاقت إهتماماته بالدنيا لأنه أحب آلهته وآمن بالخلود  لكنه عرف قيمة الدنيا وتمسك بإعمارها وتطويرها وصور مئات المناظر عن الصيد وعن الحصاد وعن النزهة فى النيل وعن الإحتفالات بالأعياد لكى ينغموا بحياتهم وليثبتوا أنهم شعب مرح تمسك بالحياة .

مصريون

ولذلك كان الأجدر بمن يرث الحكم من أبناء الفرعون أن يخرج إلى الشعب ليتخلق بمبادىء العزيمة والقوة ويتدرب على الفكر من  شعب يعشق الحياة فيمتلىء قلبه بحبه فيخلع رداء عشق الأنا ويعمل من أجل الشعب بعد أن رأى بعينيه الشجاعة الفائقة والقوة فى أبناء مصر وإصرارهم على الحفاظ على مصر مستقلة وقوية وعظيمة وليست تابعة لأى دولة مهما كان شأنها والتمسك بالحياة والتنعم بمباهجها إلا أن الفراعنة شأنهم شأن أى أسرة مصرية تريد أن ترى أبناءها بجوارها تنعم معها بحياة القصور دون أن يفكروا فى المخاطر التى ستنتج عن هذا ولذلك عندما يتولى الفرعون الصغير الحكم يجد نفسه فى مأزق حقيقى لأنه فارغ العقل من أى تجربة سابقة أو حنكة أوإحتكاك بالشعب فيخرج غير سوي  يحيط به مستشارو السوء والمتملقين الذين يجعلون الفتى ينظر إلى نفسه نظرة إعجاب يدعمها من حوله من المنافقيين والمتسلقين فيزداد كبرا وعتوا ويظن نفسه فوق الخلق أو مصنوعا من طينة أخرى وخاصة عندما يصاحب ذلك نظرة التقديس الذى ينظر بها الشعب إلى الحكام فيعتقد أن أسرته هى التى حازت هذه القداسة وليست منحة من الشعب فيبدأ العد التنازلى لإنهيار الأسرة الحاكمة لتدنى الصفات فى الشخص الحاكم وأسرته وذلك لتناقص المزايا العظيمة التى كانت فى المؤسس الأول للأسرة من جيل إلى جيل وهى التى إكتسبها الحاكم الأول من صميم الشعب المصرى.

2

فهذا الشعب  إختاره من بينهم وأحاطه بالحب والقداسة والإحترام اللائق  لكى يرعى مصالحه ويحافظ على المكتسيات التى حارب من أجلها وضحى فى سبيلها فهذا الشعب هوالذى إختزن الحضارة فى عقله وروحه وفى وجدانه فبهر العالم بذكائه وعلمه وإبداعه فنال الحاكم كل الإحترام والتعظيم من العالم بفضل هذا الشعب الذى إستمد الحاكم عظمته منه ويظل الحاكم فى عرفان كبير لفضل هذا الشعب حتى ينتهى فى آخر الأمر إلى فتى غر لا يعرف شيئا عن سياسة الشعب ولا أصول الحكم فتنهار هذه الأسرة الحاكمة على يد الشعب أو على يد قوة خارجية ظلت متربصة بالوطن تنتظر وجود مثل هذه الدمية على كرسى الحكم الذى إنفصل عن هذا الشعب الذى كانت تمثل قوة  له لتهجم عليه وهى تعرف أن الحياة فى جميع المؤسسات  فسدت بفساده حتى أن الفساد توغل فى القائمين على أمور الدين من الكهنة  ففى بردية ترجمها جارونز وضح إختلاسا هائلا إمتد لقترة أكثر من عشر سنوات لضابط سفينة يدعى خنوم نخت ـ عابد الإله خنوم ـ إختلس قمح معبد الإله خنوم المقام فى داخل حصن الفنتين ـ أسوان حاليا ـ بعد أن تآمر مع الكتاب والمفتشين والزراع على أن يستولى لنفسه على كل الحبوب وأظهر الكاهن بنعنقت الذى كان فى خدمة الإله خنوم تفننا فى إرتكاب الجرائم فى بيعه عجول منفيس .

3

 هكذا تفسد المؤسسات  بفساد الكهان وتفسد الكهان   بضعف الحاكم ـ الفرعون ـ وتدنى خدماته ولين قبضته على حاشيته والمقربين منه وعلى الفساد الذى إنتشر إنتشار النار فى الهشيم   وصمته على الفساد وقصر نظرته للحياة و أنه يسعى إلى نهايته سعيا حثيثا طبقا لقانون الحياة ذاتها الذى يقول : أن الأرض تلفظ الفساد وتتواءم مع الإصلاح وأن البشر من طينة واحدة تمقت الفروق بينها كما تمقت الظلم والطغيان.

4

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى