ثقافة وادب

صراع امتد 500 عام على «ساحة الشهداء» في بيروت.. تعرَّف على تاريخ الساحة التي امتلأت بالمتظاهرين

من شتى المناطق اللبنانية، توافد اللبنانيون في أكتوبر/تشرين الأول 2019 إلى ساحة الشهداء في بيروت، للاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل حتى الطائفية للطبقة السياسية في لبنان.

كانت ساحة الشهداء في بيروت الميدان الذي جمع مئات الآلاف في كل يوم من أيام احتجاجاتهم التي اختلفوا في تسميتها ثورة أو حراك شعبي.

تجمعوا
تحت نصب تاريخي يحمل تاريخاً مليئاً بالدم والأسى.

تعد ساحة
الشهداء أكبر ساحة في بيروت والمركز التجاري للعاصمة، والتي شهدت على مر العصور
أحداثاً تاريخية مفصلية.

لم يكن
اسم الساحة بدايةً ساحة الشهداء، إذ كانت تُعرف بـ «بستان فخر الدين»، الذي كلَّف
مهندسين إيطاليين بناء قصور من حجارة قصور خصومه آل سيفا وحكام عكّار، فشيد قصراً
في ضاحية بيروت الشرقية. 

لكن
الخلافات السياسية دفعت أحد ورثة آل سيفا فيما بعد، إلى أن ينتقم فيهدم القصر
ويشيد مكانه أملاكاً خاصة.

وبحسب المصادر التاريخيّة، لم تكن الساحة القائمة إلى اليوم
على شكلها الحالي، لأن الأمير فخر الدين المعني الثاني (1572-1635م) حرص على أن يجعل من الأراضي
المحيطة بقصره حديقة عامرة بأنواع الأشجار المثمرة. 

كما حرص على أن يجعل فيها مرابط لخيله، وأفرد في جانبها ناحية للأنواع المختلفة من الحيوانات الأليفة والمفترسة، مما هو متبع عادة في حدائق الحيوانات الأخرى بالعالم.

ولكن في
أواخر القرن الثامن عشر، حكم بيروت أحمد باشا الجزار، الذي استطاع أن ينفرد
بالسلطة على المدينة بعد أن استخلصها من حاكمها السابق وسيّده السابق أيضاً الأمير
يوسف الشهابي.

والأمير
يوسف كان حاكم المنطقة المعروفة يومذاك بجبل الدروز، محافظة جبل لبنان اليوم،
وكانت بيروت من جملة أملاك الأمير.

تحصّن بها
الجزار وامتنع عن تقديم الولاء للأمير يوسف الشهابي، وهو ما اضطر الأمير يوسف إلى
أن يُوسّط أحد الإقطاعيين ظاهر العمر الزيداني، المتسلط على منطقة الجليل في
فلسطين، ليقنع أصدقاءه القراصنة الروس المرابطين بأسطولهم في البحر، لكي يسترجعوا
بيروت من الجزار مهما كان الثمن. 

وبالفعل،
استجاب قائد الأسطول الروسي لطلب ظاهر العمر الزيداني وقذف بيروت بقنابله، ولكن
المحاولة باءت بالفشل، لأن الجزار كان قد حصّن بيروت جيداً، ورمَّم قصر الأمير فخر
الدين واتخذ منه برجاً لردّ غارات المعتدين.

اضطر
الأسطول الروسي بعد ذلك، إلى أن يُنزل جنوده في ضواحي بيروت، ليضرب البرج من كثب
بالمدافع التي نقلها إلى البر، ووضع هذه المدافع في الساحة التي تقع قرب البرج.

ومنذ ذلك
التاريخ بدأ الناس يطلقون على الساحة اسم «ساحة المدفع»، وعُرفت عند
الأجانب باسم Les Place des Canons.

وفي عام
1831م، دخلت قوات إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا إلى لبنان واتخذت من هذه الساحة
معسكراً لجيوشه المصرية، ورمَّم البرج القديم وزاد طوله وعرضه، فسمّي «البرج
الكاشف».

لكنّ أهل
بيروت سمّوه «برج الكشاف»، ومنهم من سمّوه «برج الكشاش»،
لاستعماله في «كش الحمائم» أي طردها باللهجة البيروتية. وسميت الساحة
«ساحة البرج». 

لكنّ
الحدث االمفصليّ في تاريخ هذه الساحة كان في عام 1916، عندما أعدم جمال
باشا، الذي عُرف بالسفاح، 14 وطنياً لبنانياً وسوريّاً في الساحة، إثر خسارة
الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، متهماً إياهم بمساعدة الأعداء. 

كان جمال
باشا والي بغداد العثماني وأحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي، والذي اشترك في ثورة
«تركيا الفتاة» عام 1908 والتي أطاحت بحكم السلطان عبدالحميد الثاني. 

وقتها،
أمر جمال باشا بإعدام نخبة من المثقفين العرب من مختلف مدن سوريا ولبنان، بعدما
ساق لهم مختلف التهم التي تتراوح بين التخابر مع الاستخبارات البريطانية والفرنسية
للتخلُّص من الحُكم العثماني، إلى العمل على الانفصال عن الدولة العثمانية.

أحال جمال
باشا ملفاتهم إلى محكمة عرفية في عاليه بجبل لبنان، ومن دون تحقُّق أدنى معايير
المحاكمات العادلة والقانونية، صامّاً أذنيه عن جميع المناشدات والتدخلات التي سعت
إلى إطلاق سراحهم، خصوصاً تلك التي أطلقها الشريف حسين بن علي، شريف مكة.

أرسل
وقتها حسين بن عليّ البرقيات إلى جمال باشا وإلى السلطان وإلى الصدر الأعظم، وأوفد
ابنه الأمير فيصل بن الحسين إلى دمشق، وقابل جمال باشا ثلاث مرات؛ في مسعى لإيقاف
حكم الإعدام، لكن دون جدوى.

نُفذت
أحكام الإعدام شنقاً في 6 مايو/أيار 1916، بساحة البرج في بيروت، فسميت ساحة
الشهداء.

حين دخل
الفرنسيون إلى بيروت عام 1920 بعد إقرار ما سمي الانتداب، أنشأوا قوساً ليخلّدوا
ذكرى الشهداء. وأمر الجنرال غورو بتسمية المكان «ساحة الشهداء»، ثم بنى
نصباً قام به النحّات يوسف الحويك من الصخر اللبناني، يمثل امرأة مسلمة وأخرى
مسيحية يندبان على قبر.

لكن تم
هدمه إبان الاستقلال، لما اعتبره اللبنانيون رمزاً للخنوع والذل.

تعاظم دور الساحة الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في عهد الانتداب الفرنسي، ثم في عهد الاستقلال، الذي بالمناسبة أُعلن من سراي الحكومة الموجود في الساحة عام 1943.

أخيراً في
عام 1950م، أمر رئيس الوزارء الراحل رياض الصلح بهدم السراي، لتوسيع الساحة وإنشاء
مناطق تجارية حديثة، فأصبحت ساحة الشهداء قلب بيروت التجاري.

وفي عام
1952م أواخر عهد رئيس الجمهورية السابق الشيخ بشارة الخوري، خصصت الحكومة جائزة
دولية لوضع تصميم جديد لنصب الشهداء، وتم اختيار تصميم المهندس سامي عبدالباقي،
وهو عبارة عن قوس بارتفاع 27 متراً وعرض 24 متراً، وتحته مسلة بارتفاع 8 أمتار،
تعلوها مصطبة على جانبيها شعلتان دائمتا الاشتعال. 

إلا أن
التوترات السياسية بين المسيحيين واللبنانيين في عام 1958 حالت دون إتمام العمل.
إذ شهد ذلك العام توتراً مع مصر، إثر تداعيات العدوان الثلاثي على مصر. 

ابتدأ التوتر مع مصر في عام 1956 عندما رفض الرئيس اللبناني
كميل شمعون، المسيحي الموالي للغرب، قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية
التي هاجمت مصر أيام أزمة السويس والعدوان الثلاثي، وهو ما أثر في الرئيس المصري
جمال عبدالناصر. 

زادت حدّة هذا التوتر عندما أعلن شمعون تقرُّبه من حلف بغداد،
الذي اعتبره عبدالناصر تهديداً للقومية العربية. وعند قيام الوحدة بين مصر وسوريا
باسم الجمهورية العربية المتحدة، دعم رئيس الوزراء اللبناني السُّني رشيد كرامي،
جمال في 1956 و1958. 

طالب اللبنانيون المسلمون الحكومة اللبنانية بالانضمام إلى
الوحدة، في حين أراد المسيحيون التحالف مع الدول الغربية.

وحصل تمرد إسلامي مسلح بتمويل من الجمهورية العربية المتحدة؛ دفع كميل شمعون إلى تقديم شكوى لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وطلب المعونة من الولايات المتحدة. 

بعد أحداث
1958، كلف مجلس مدينة بيروت البلديّ النحاتَ الإيطالي مارينو مازاكوراتي نحت نصب
جديد للشهداء. 

وأنهى
العمل بعد 30 شهراً بإنتاج تمثال يرمز إلى الحرية، تمثلها امرأة ترفع مشعلاً بيد
وتحيط بيدها الأخرى شاباً وعلى الأرض أمامها ووراءها شهيدان، ليتم تدشين النصب
رسمياً عام 1960، برعاية الرئيس الراحل فؤاد شهاب. 

وخلال
الحرب الأهلية الأخيرة (1975-1990م)، أصبحت الساحة خط

 تماس
بين المتصارعين مدة 15 عاماً، وهو ما حولَّها إلى منطقة دمار رهيبة. وبعد انتهاء
الحرب في عام 1991م، وإنشاء منطقة سوليدير كمشروع ضخم لإعادة إعمار وسط بيروت،
أُعيد تأهيل وبناء الساحة بحسب مخططات حديثة.

وأُنشئ
مسجد محمد الأمين الضخمُ غرب الساحة، ورُمم نصب الشهداء، وعادت الساحة قلب العاصمة
بيروت من جديد. وأُقيمت فيها عديد من الاحتفالات والمهرجانات الثقافية والفنية
التي جذبت ألوفاً من الجماهير.

ولكن إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ودفنه قرب جامع محمد الأمين الذي أنشأه على حسابه الخاص، قرر مجلس الوزراء تسمية الساحة باسم «ساحة الحرية»؛ تكريماً للرئيس الشهيد.

ساحة رياض الصلح ساحة تقع في قلب وسط بيروت وعلى مقربة جداً من
ساحة الشهداء.

سميت على اسم أول رئيس وزراء للبنان المستقل، رياض الصلح، حيث
يوجد نصب تاريخي له على مقربة من مقر الحكومة اللبنانية أو السراي الحكومي.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى