الأرشيف

سمك مملح

بقلم المتخصص فى الشئون القانونية والسياسية
حاتم غريب
رئيس فرع مصر لمنظمة إعلاميون حول العالم
…………..
لكل شعب عاداته وتقاليده التى ترسخت فيه منذ اّلاف السنين بعضها مأخوذ من الدين والعقيدة مثل الاحتفالات بأعياد المسلمين وأعياد غير المسلمين كالنصارى واليهود وكذا أصحاب الديانات الوضعية الاخرى كالهندوس والسيخ والبوذيين وغيرهم وبعضها اكتسب مع مرور السنين بفضل اختراعات الانسان وتنظيم شؤون حياته ولا علاقة لها بالاديان انما هى مجرد طقوس نشأت من البيئة المحيطة بالانسان مثل عادة أكل السمك المملح ( الفسيخ) فى شم النسيم أو عيد الربيع لدى المصريين والتى يقال انها عادة فرعونية قديمة ابتكرها قدماء المصريين كأحد طقوس الاحتفال بهذا اليوم لاستقبال فصل الربيع…اردت أن أبدأ بهذه المقدمة ليس استفاضة فى هذا الموضوع بالذات ولكن اسقاط على الواقع الذى يعيشه الشعب المصرى والذى أصبح فيه الشعب أشبه مايكون بالسمك المملح.
……………………………………………….
الشعب المصرى يعانى منذ عشرات السنين من حالة تفسخ ليس مجتمعى فحسب انما تفسخ ذاتى فالمواطن المصرى مع الفارق فى التشبيه أصبح مثل السمكة المملحة فقد تعرض لشفط الدماء ثم ثم الغسيل ثم التجفيف ووضع فى اناء زجاجى او من البلاستيك لافارق بينهما ورش عليه الملح بكميات كبيرة واحكم عليه الغطاء حتى لايتلف بفعل الهواء ثم ترك لتتم عملية التفسخ ويصبح معدا للاكل هكذا تمت معاملة المواطن المصرى ولا يزال يوضع على مائدة الاكلة كلما اشتهت انفسهم اكل الفسيخ فالمواطن هو المأكول دائما بلا هوادة او رحمة لم يحاول مرة واحدة ان يكون احد الجالسين على المائدة بدلا من الموضوعين فوقها.
……………………………………………..
لقد تم تعليب مصر بكاملها ارضا وشعبا وثروة فى معلبات خاصة لحساب الاكلة من الذئاب والاسود البشرية لتصبح طعامهم المفضل على موائد الاحتفالات الخاصة والعامة الاقليمية والدولية تفرقت معلبات مصر بين الموائد داخليا وخارجيا الكل يحاول ان يأخذ نصيبه من تلك المعلبات قبل انتهاء مدة صلاحيتها ومن ثم القائها فى صناديق القمامة ليجتمع عليها الذباب والقطط والكلاب الضالة والفئران اكلة الجيف لقد وكل المواطن المصرى أمره وحياته وحريته وانسانيته لاصحاب الانياب القوية يمزقوه اربا اربا لا يتركون لحما ولا عظاما الا التهموها حتى يفنوه عن اخره.
………………………………………………..
اذا اردنا التحدث عن التفسخ المجتمعى فحدث ولا حرج فالمجتمع المصرى يمر الان بحالة من السيولة قد تصل الى الذوبان ومن ثم التبخر فى الهواء بعد ان فقد صلابته وقوته فالصلابة والقوة التى كان يستمدها من عقيدته واخلاقه فى مرحلة ما بدأ يعتريها الضعف والهوان بعد القيام بحملات شرسة من التشكيك فيها فكل شىء الان اصبح على الهامش لاقيمة له الدين والاخلاق والعلم والحكمة والعقل والمعرفة كادت ان تصبح هذه القيم والاسس والمبادىء من الماضى السحيق وحلت محلها الارتداد والكفر والشرك والانحطاط والجهل والرزيلة .
أما التفسخ الذاتى للمواطن المصرى فهو لايختلف كثيرا عن تفسخ مجتمعه فقد وصل به الحال الى ان أصبح يعانى من التمزق والتشرزم الداخلى حيران مهموم حزين يشعر بالوحدة والانفصال عن الواقع فقد الاهتمام بما يدور حوله وبمن حوله ترك مصيره للذئاب القاتلة واستسلم لها دون ادنى مقاومة وكأنه يدعوها لافتراسه بعد ان غلبه الضعف وقلة الحيلة وكراهية الحياة بعد ان اصبحت لامعنى لها عنده .
………………………………………………
الستم معى اذا اننا لانفرق كثيرا عن السمك المملح فى شىء سواء وضعنا فى اوانى زجاجية شفافة او بلاستيكية سميكة او معلبات من الصفيح فالغرض فى النهاية واحد المواطن المصرى لايمثل اى قيمة انسانية فى الحياة ولا يضيف اليها بل على العكس تماما يمثل عبء ثقيل على الحياة الانسانية فلم يعد له مكانا بين العلماء والمخترعين والمكتشفين والعباقرة والاخيار وكأنه لاينتمى لعالم البشرية فى شىء وفضل على نفسه ان يعيش حياة البهائم وان شئت فقل كالسمك المملح على موائد الاّكلين.
……..
حاتم غريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى