الأرشيف

((سلاماً شباب النيل في كل موقفٍ على الدهر يجني المجدَ أو يجلبُ الفخرا ))تابع “المصيدة”

بقلم الأديب

محمد عبد الله زين الدين

المتحدث الإعلامى للمنظمة فرع مصر 

تابع المصيدة

————————————

(8) شرخ الشباب

——————————————————

((سلاماً شباب النيل في كل موقفٍ على الدهر يجني المجدَ أو يجلبُ الفخرا ))

حينما سمع صلاح هذا البيت للشاعر ابراهيم ناجي لمعت عيناه بمزيج من مشاعر حضور الذات و يقظة من ضمير وحس وطني حي , ولم لا وهو شاب قد تخرج منذ خمسة اعوام في كلية العلوم قسم كيمياء وهاهو يعمل بشركة بتروكيماويات تدر عليه دخلا يحسده عليه اقرانه في مثل ذلك العمر من أهل قريتة ام المحسنين , ويا لها من مصادفة ان منزله الصغير الرشيق يجاور دار ام المحسنين وتقع نافذته بالطابق العلوي حيث ان هذا منزل اسرته والمكون من طابقين فقط يعيش فيه مع اخته سعاد وهي فتاة محتشمة ورائعة الحسن مثل امها الحاجة ام صلاح التي لم تتجاوز منتصف الاربعينيات ووضعت فلذتي كبدها بين ذراعيها وقاطعت مجرد التفكير في زوج بديل , ومن ثم اصبحت اما وابا في آن واحد بعد وفاة الزوج في حفر الباطن , يأتي لها من يريد الاقتران بابنتها الا ان الاخ كان لايريد لاخته الا من يستحقها فهي قد تخرجت في كلية طب الاسنان واصبح لها عيادتها الخاصة بها في نفس بيت الاسرة ومن ثم فلا سبيل الا بزيجة تتناسب ومكانة الفتاة الاجتماعية والعلمية اما الاب قبل ان يتوفاه الله في حرب الخليج في موقعة عاصفة الصحراء!! ذهب بكل اريحية لتلك الحرب , ليزود عن بلد عربي واهي مهيض الجناح لم يستطع رجاله ان يزودوا عن شرف ارضهم واستحالوا كمثل نسائهم الى لاجئين تائهين في منازل الكرام على نحو ( اكرموا عزيز قوم ذل !! )

—————————————-

(9) فذلكة تاريخية مختصرة

—————————————————————————————

و من ذا الذي اذل هؤلاء الرجال وهتك سترهم وكشف عوراتهم ؟ !! انه جارهم في ذات الوقت , ومن ابناء جلدتهم و ابن من ابناء العمومة , انه ذلك الحاكم الصلب المنيع صدام حسين والذي قد خاض حربا مصطنعة من الخلايجة المدفوعين من اسيادهم الغرب الصهيوصليبي ضد ابناء الفرس الصفويين كي يتم ضرب الراديكالية التقدمية لصدام حسين والراديكالية الدينية للامام الخوميني ونظامه ببعضهم البعض للخلاص منهما في أن واحد , الا ان صدام قد اكتشف اللعبة الخبيثة واستخدم تلك الحرب في تكوين جيش عربي قوي , ثم انتصر على خصومه , وقد تم تحجيمهم وخسر الفرس شط العرب التي كانت منشأ الصراع بين البلدين , ولقد اظهرت الايام بعدها انه بعد خروج صدام من الحرب الخليج الاولى اقوى مما ذي قبل دفعت الصهاينة ان يحيكون خطة مدروسة لاستدراج الوحش ليخرج لحرب ثانية تعمل على الايقاع به هذه المرة ومن ثم سقوطه وجيشه القوي المنيع الخطرعلى الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة في شرك لايستطيع الخروج منه, ومن ثم القضاء عليه والى الابد !! وهذا ماحدث بالفعل, ولكن قراءة المشهد وقتها اختلف عن الحقيقة !! فيومها اعتقد العالمين ان هؤلاء القوم قد عادوا من جديد الى عصر البداوة وتصحر الاخلاق وغياب الضمير ومجرد صراع قبائل عربية متناحرة لعربدة عسكري الخليج المنتصر واستقواءه على جيران مسالمين , ويحتاج الى تجريدة من الانكليز ليعيدوه الى صوابه !! وذلك طبعا كان مغايرا للواقع , لكن هذا على الاقل كان اعتقاد الانهزاميين من ابناء العرب من غير المثقفين ولم يدر بخلدهم ان قوة صدام كحاكم عربي اقلقت الغرب الاستعماري باسره واخافتهم على ممالكهم التي اسسوها على الكذب والخداع والاستقواء على الحضارة العربية والتي اضمحلت بفعل العمالة والخيانة الى ان اصبح الفساد فيها له رائحة كريهة تزكم الانوف , كما لم يدر بخلد رجل الشارع المغيب ان المسألة عبارة عن خديعة كبرى قام بها اطراف خونة وعملاء للاستعمار التقليدي وكل طرف قام بتقمص دوره الذي لعبه بكل براعة الى ان وقعت العراق وتم اعادة الكيان الكويتي المصطنع وعاد تقسيم سايكس بيكو من جديد , ولكن في وقت الازمة لم يدر احد بتلك المقدمات على حقيقتها الا من وقفوا يعملون جاهدين في صنعها لتحقيق محق العراق وجعله يجثو ذليلا هو وحاكمه صدام حسين , تلك مشاعر قد حملها الجندي الشهيد صابر عبد الكريم ولم يدر بخلده حقيقة الامور الا ان ضميره كجندي له من موفور الرجولة ما يجعله غيور على مكارم الاخلاق والنخوة والنجدة فهب واثقا من نفسه وفرح ايما فرحة يوم ان كانت كتيبته ضمن من سافروا من كتائب النظام وقتها للذود عن المستجير !! ومن ثم قد تم توريث المشاعر مثلما يتم توريث الملامح تماما ورثها الى امتداده صلاح وسعاد , ابناء الشهيد صابر عبد الكريم.

————————————————————————————————————-

(10) دراب بن نباش آل رعديد ومخراب بن زعيتر آل عفانا

—————————————————————————————————————————–

جلس العريس بمقعده بالطائرة , وبجواره عروسه الفتاة ذات الملامح التي تقترب من ملامح الغجر فهي واضحة المعالم وتضاريس جسدها ينم عن انوثة طاغية فهي فارهة عريضة المنكبين ذات وجه كبير يتصف بالجمال بالرغم من ضخامته خصوصا اذا ضحكت بصوت خفيض مكتوم , تضع على وجهها مساحيق فجة متناقضة الالوان , ترتدي لباس العرس بروائح عطرية نفاذة تزكم الانوف !! وفي المقعد المجاور جلست العروس الاخرى والتي كانت على نفس النهج , ونفس الملامح ,انهما اذن نفس الفتاتان الاختان : هدى ومنى ابنتا عم عبد الناصر عامل في مكتب بوستة في قرية ام المحسنين والذي قد وافق من فوره من ذي قبل على اتمام تلك الزيجة التى اراحت نفسه من وعثاء طريق الكفاح لاجلهما فاختصر الطريق لهما وهاهو قد باع الاوزتين لاول شخص اعتقد انه ثري يطلبهن للزواج , وقبض مال وفير مقابل تلك المقايضة !! بتسليم فوري , وهاهم الجميع يتجه الان الى الرياض مباشرة في فرح وسرور , فالاول هو دراب بن نباش آل رعديد ويعمل فراش في معهد علمي حكومي , جاوز العقد الخامس مقتربا من السادس , ذو جسد بدين مترهل يعلو وجهه سواد وعيناه غائرتان داخل وجه مستدير , ولا يأتيك الارتياح حين تراه , له زوجة وابناء غلاظ شداد من زوجتيه بالرياض , والثاني هو فراش مساعد آخر في نفس المعهد العلمي وصديق دراب الحميم وهو , مخراب بن زعيتر آل عفانا قارب الخمسين عاما وقصير الطول وغير متناسق الاعضاء حجم رأسه صغير على منكبيه-

———————————————————————-

(11) وعند وزغ بن محجور العرياني تتم صالحات الاعمال !!!!

——————————————————————————————-

صاحب دار ام المحسنين المالك الجديد , وهو الصديق الثالث لدراب ومخراب , جاوز الثمانين من عمره , صاحب تجارة ورق وادوات مكتبية و من فرط ماله تحول الى الاستيراد وتجارة الجملة وهي تجارة واسعة ورائجة في الرياض , واصبح ينمي ماله الى ان وصل لكامل البشم , بعدما قد بدت حياته مؤلمة في السابق الاليم الا ان انفتاح بلاده وتحولها الى الثراء من وراء النفط استحال من مسغبة ومخمصة الى بشم وارتواء الى حد الثمالة, ثم تبدلت احواله واصبح مولع بالجنس بكل صنوفه يصرف من ماله وحاله على متعته بلا حدود او تنظيم ومن ثم فان له صاحب من الرياض يلازمه في كل رحلاته وهو نواس ابن ملجم آل خنيث وهو صغير السن لم يتجاوز عقده الثالث ذو وجه طفولي املس مثل جسده تماما رقيق الصوت لم يسمع له رأيا بل ان وجوده على هامش اي لقاء لم يتخذ له زوجة فهو لايحب ان يتزوج و يشك في رجولته فهو في الغالب من الجنس الثالث من عشاق اللواط و ذلك صديقه الحميم والجميع يعلم تلك الامور ولا احد يعنيه هذا لانها في اعين هؤلاء جميعا امور حياتية ليس فيها مايضير احد اخر كما ان الشيخ وزغ لم ينس صاحبيه دراب ومخراب وقت الاملاق والذين يعرفونه حق المعرفة بل و يشاركونه حياته العابثة ومن ثم تتم عنده الصفقات المشبوهة ,وبالرغم من ان لديه ذرية عريضة الا ان (هذه نقرة وتلك اخرى كما يقول هو ذات نفسه ), ثم تحول الى البناء والمعمار فازداد ثراء وازداد منعة ونفوذا , ومن هنا جاءت معرفته مع مخيون , واللذان قد توافق هواهما سريعا ويستمرئ مخيون ان يقوده الى مخادع الساقطات الباغيات او الى من يطأه او العكس ولا يألو جهدا في الوقوف على خدمة صاحب العمل الذي اخذ يجزل له العطاءات كلما رآه , ويمد له يد السخاء ذهابا ايابا فربح منه اموالا طائلة وبورك في ماله الحرام وهاهو الان يأخذ معه تهامي لانه وجد فيه التشابه والتطابق في اشياء كثيرة , لكن الاخير بالرغم انه من البلاطجة ومن ارباب السوابق الاانه يخر منحنيا ويخاف من غضبة مخيون حيث يتأبط ذراع كل منهما الاخر ويذوبون في خدمة صاحب المال المرسل الشيخ وزغ !!

—————————————————————————————————————

(12) لاتحبس نمرا في دارك

—————————————-

جلس محمود عبد الحي من شبين القناطر في محافظة القليوبية مصر القرفصاء على اديم الارض الملتهبة جراء شمس يونيو يندب حظه العاثر الذي اوقعه في طريق عمل مقترنا بشذوذ وكيف يفعل ذلك وهو يطيل قراءة القرآن الكريم في صلاة الفجر , انه ذلك الشاب الثلاثيني المفتول العضلات القوي الامين الذي عمل عند الشيخ وزغ في مصنع يملكه للطوب او الطابوق يغذي به انشاءاته وقد لفتت فتوته انتباه الشيخ وزغ الذي قد اخذ رويدا رويدا يزحف ويتلوى تجاه محمود الذي بدا يشعر بخطر يحدق به , فما كان منه انه رفض ان يتمم اجراءات الاقامة مع ذلك الكفيل الشيخ وزغ , بل واصر على العودة الا ان الشيخ وزغ لم يحب ان يخرج من الصفقة خاوي الوفاض فاحب اذلال الفتى , وضن بيده لاماكل ولا مشرب ولا مال يبتاع به طعام يقيم اوده الا ان الفتى تفتقت الى ذهنه فكرة ان يذهب للعمل عند الغير !! كي ياكل وتستمر الحياة , وبالرغم من استحالة ذلك الامر الا ان الله يرزق من يشاء بغير حساب وبالفعل استطاع ان يتخطى حدود المصنع كي يرتزق ويعود للنوم دون ان ينسى مطلبه الاساسي الرحيل من الارض الظالم اهلها , وتمر الاسابيع وهو على نفس الحال , فاستشاط الشيخ وزغ غاضبا, لما رآه اخذ يحرق الارم جاحظا عينيه نحوه , وكان قد اتفق مع عمال هنود يعملون عنده ان يقومون بتأديبه على طريقة الاخضاع وكسر النخوة لديه الا ان محمود امسك بعامود من حديد واخذ يذود عن نفسه وقام بكل الهنود بضربات ساحقة لم يقوى عليها ذوات المناكب المنحدرة وفروا من امامه ولم يتبق الا الشيخ وزغ الذي , اخذ يولول مثل بغايا النساء وهو يهرول من امام محمود قائلا ( يابوووي يامييي) ووقتها تذكر نصيحة الغير من ابناء جلدته: بالا تحبس نمرا في دارك !! ابلغ الشرطة التي جاءت للمكان وتم ترحيل المصري بعد ان رفض الشيخ وزغ ان يدفع ثمن التذكرة , فدفعها محمود من ثمر عمله شاكرا الله على سلامته من ايدي ذلك الثري الشاذ.

—————————————————————-

(13) يد واحدة لارضاء الشيخ

—————————————————————————-

ينتقل بنا المشهد من داخل دار ام المحسنين (( الذي استحال اسمها في لافتة رخامية على بابها الحديدي الخارجي الحديث الى فيللا الامير )) وقد جلس في حجرة الامن المكيفة , ثلاثة اشخاص للاشراف على امن الدار , ابرزهم من في منتصف العقد الرابع طويل رشيق قوي البنية مفتول العضلات يضع نظارة سوداء على عينيه يعمل حصة من وقته بشرطة السياحة بوزارة الداخلية ( امين للشرطة المصرية ) وفي وقت فراغه يجلس على مقعد امن فيللا الامير لصاحبها الشيخ وزغ الذي يجزل له المنح والهدايا في مقابل تأمينه و تسهيلات أخرى يقوم بها له !! ولم لا وهو الامين فؤاد الشناوي واسع المعارف بالوزارة ووسيط مصالح مرسلة (رشوة ) من اولي العطايا والهبات الى ذوي النفوذ والسلطان , وكم قام يعاضد الشيخ وزغ كما انه يعلم عن الشيخ الكثير الكثير واحيانا يسهل له متعتة الحرام بكل طواعية مستغلا موقعه بالوزارة ويأتي له ايضا بالوسائل المساعدة من عقاقير و مخدرات من نصيبه وحصته من احراز القضايا , بل وفي احايين كثيرة يشعل له النرجيلة ويحمل له المنشفة وهو واقف ديدبان وهو يقضي حاجته لو احتاج الشيخ لذلك , انه بالفعل يقوم بدور مخيون على اكمل وجه , الامر الذي يجعل مخيون يحرق ارمه كلما رآه يحل محله الامر الذي ادركه فؤاد , ففكر في مرات عديدة ان يدبر مكيدة او يوغر صدر الشيخ للتخلص منه الا انه حقيقة يخاف من تبعات ذلك لان مخيون قد استفحل امره ودان له المال الذي يذلل الصعاب في رد قد يطيح بمن في مكان رجل امن في حجم الامين فؤاد الشناوي , حتى ان مخيون يعلم بذلك ولا يخشاه لانه ببساطة هدف ضخم وسهل بالرغم من نفوذه ان يطيح به بكل بساطة بوشاية الى رؤسائه بالوزارة , لانه ببساطة يعمل بمكان حساس يتأثر بأي تجاوز,فارتضى كل من الرجلين بمسافته من الشيخ وزغ , بل وكان احيانا يتم التعاون بينهما على ارضاء الشيخ نفسه , والشيخ يعلم مايدور حوله وسعيد بذلك التعاون الذي قد استحال الى تشكيل عصابي اجرامي, في الوقت الذي تتراكم الثروات للشيخ وزغ فأخذ يفكر ان يقتني خط نقل بحري بعد ان اشترى ناقلتي حبوب كل ناقلة لها اربع روافع من ميناء دبي ثم ارسلهما الى ورش البصرة ليتم عمل الصيانة اللازمة لهما وتشغيلهما لنقل الحبوب والحاويات عبر خط ملاحي اوكل عليه صديقه القديم دراب الذي جعله يترك عمله كفراش بالمعهد العلمي بالرياض ليتحول الى مساعد للشيخ بميناء جدة يقوم على ماله ويعمل على تشهيلات البضائع !! وفي النهاية كلها اعمال ولم لا وهو الذي قد قام بلانفاق على عرسه ( من هدى ابنة عم عبد الناصر ساعي مكتب بوستة ام المحسنين ) ,طواعية فلا يستطع ان يرفض له طلب فقبل بكل ارتياح , اما مخراب فكان له شان اخر للعودة في زمرة فيللا الامير يقوم على مصالح الشيخ هناك نيابة عنه حيث يتحالف الجميع في خدمة صاحبهم بكل اخلاص .

————————————————————-

(14) جسد بلا روح

———————————————————————

توسطت الشمس سمت السماء , وتراقص الضوء المبهر على مسافات و ابعاد شاسعة ونائية من سراب , وهجعت الدار في حلتها الجديدة وقد اصابتها رياح الحداثة بزخارف حديثة وطلاء داكن حتى زجاج نوافذها فهي جديدة تعكس المرئيات وكأنها كائنات مضافة تعمل على اتساع المكان بالرغم من حقيقتها كمرايات عاكسة لها , فمن بالخارج لا يرى من بالداخل وعلى عكس من هم بالداخل يرون كل من هم بخارجها بكل التفاصيل الظاهرة , واستطال سياجها وارتفع بمكوناته الممزوجة بخلطة خرسانية وكأنها مصنوعة من فولاذ , وعلت عليه وخلاله الزخارف المقتبسة من عصر الرينيسانس النهضة واعلى جدرانه مصابيح مضاء ليلا ونهارا ويهبط ضوءها حول هذا السياج في باطنة ماللدار من مشهد مثير لعين الرائي التي قد تحولت الى الداخل للفيللا التي اصبح لها مدخلا مزدوجا تمر به السيارات من خلال افريز من الجانبين الايمن والايسر , يصعد بالتواء مع سور ملتو هو الاخر محمول على برامق ومقرنصات فريدة في الشكل يتوسط المشهد في الاعلى باب حديدي ملون بالاسود اللامه واللون الذهبي , فمن ثوب مهمل ذري في الشكل والهندام الى ثوب قشيب حديث فهو في النهاية يصيب الحداثة بكل جزئياتها, ففي ظاهر السياج الشاهق ارض قاحلة نهارا , وتغوص في ابعادها الشاسعة حيث الافق الرحب في ظلمة حالكة تتبدد باضواء تلك المصابيح ليلا , لكنها اصبحت في باطنها خاوية لايسكنها مالكها الجديد فيبدو انه مشغول عنها لادارة اعماله , الا انه في النهاية اوشك ان يسترق لحظات من المتعة خلال ايام ويدعو قرناء السوء من ذوات النفوذ والاموال بالرياض والقاهرة معا!! ولذلك فكل من يقوم عليها والموجودون بها الان هم من زمرة الخدم وارباب التشهيلات والتسهيلات , وهم جميعا على أهبة الاستعداد لاستقبال مالكها الجديد ( الشيخ وزغ ) وضيوفه في فيلته فيللا الامير وهي في ابهى صورة لكنها بلا اطيار وبلا زروع وبلا شرفات تلتقط نسمات اريج الياسمين والورد البلدي والفل المجوز انها وللحق تبدو باكية على ماضيها التليد فلقد استحالت الى جسد بلا روح ..

————————————————————

(15) ذكريات منسية !!

امواج مرسلة تترامى امام شاطئ مرتبط بفيافي شاسعة تتواصل مع ارض قاحلة وشراذم بشر يلبسون اسمال حيث بيوت القى عليها البؤس رداءه وهي شاحبة شبه مقفرة متشحة باحزان السنين , كان الحرمان و العوز ينهشا القلوب والارواح كمثل ماكان الجوع يقطع في البطون والامعاء الخاولية , وهناك على مرمى حجر حيث المياه المتلألئة تصل سفينة تتطلع الى اليابسة في شوق وحنين وهي تلهث ظمآنة جائعة وقد نفذت المؤونة من بحارتها المشرئبة اعناقهم الى الساحل المترامي الاطراف , وهنا تنشق الارض وتسفر عن اشباح من كل حدب وصوب مع جلبة تتعالى معها صيحات الرهط لتصل الى عنان السماء , ثم يلتقي الحزبان , وتجري عمليات المقايضة , طعام وماء عذب مقابل بعض المال وبعض السلع والمنسوجات , وهناك جلس شيخ القبيلة امام خيمته المضروبة في الارض بأوتاد مشدودة بعناية وبعض من نسائه متواجد بالداخل ينتظر اوبته بصبر نافذ , وهو بالخارج يفرك في يده وينتظر الحصول على ماتجود به الايادي المعطاءة بضع نقود مجيدية معدودات , فكل سفينة او مركب او حتى قارب صيد يمر عليهم يجد مبتغاه مقابل ثمن خدمة يحصل عليها في ذلك الثغر , واحيانا تاتي البركة والوفرة مع قدوم اهل الخير والصلاح من اصحاب التكايا والانشطة الخيرية التي تحيط اهل ذلك الثغر بعناية قد ارسلها الله لهم دون حول منهم او قوة , تلك كانت الحياة وهكذا كانت تمر الايام طويلة ورتيبة , كانت الحياة بدائية قحة وكان الحشد فيها كأنه يحيا بعيدا عن عجلة الزمن وعلى هامش الحياة اشبه بانواع من قردة يتقاطرون ويلتفون حول اي انسان يتواجد بالصدفة البحتة بينهم , وفي يوم فارق وساعة ليس كمثلها ساعة تصل سفن هائلة ضخمة وقفت في عرض البحر هناك وارسلت قوارب سريعة قوية تشق عباب الامواج في قوة وانتظام , ياالهي انها ليست كمثل تلك التي كانت تصل من قبل , انها هذه المرة زوارق من صنف آخر تتطلع الاعين من وراء الآكام ويختبئ افراد القبيلة الا ان شيخها يأبى وينبري للزائر الدخيل وسمته متصلب تتنافر نبضات قلبه الذي يكاد يقفز من فيه وهوينتظر وصول تلك الزوارق من بعيد الى ان تصل بالفعل حيث كان يقف , شخوص ليس بمنطقهم سالف معرفة او فهم ينطق لسانهم بماهو ليس بمعلوم لديه ثم ينبري كبيرهم والذي يغادر الزورق ومعه شخص آخر يبدو من ملامحه القريبة الشبة من اهل تلك القرية , بينما رجاله المدججين بالسلاح يطأون بأقدامهم اليابسة وهم محتاطين للامر في حذر بالغ ومعهم ذلك الكبير الذي يوجه كلامه في حزم واقتضاب للشيخ ببضع كلمات غير مفهومة , ويقوم مرافقهم الشديد الشبه بأهل تلك القرية بدور المترجم , وينم الكلام عن فحوى صفقة ارتاح لها قلب الشيخ طربا وبدل ان تتنافر نبضات قلبه من الخوف اصبحت تتنافر من الغبطة والسرور , وشعر كبير الحشد الدخيل بارتياح الشيخ فارتاح هو الآخر وانفرجت اساريره , وبدأ يتحدث بأريحية , والمرافق يترجم للجانبين , وبالفعل بدأت العيون الصغير تظهر من وراء الآكام وهي ترى شيخها يتقاسم حديث ودودا مع الدخيل فتتقدم الاقدام الحافية بحذر الى ان التقى الجمعان باشارة من الشيخ بالترحيب والتحم الجمع في ود ذلك اللقاء الذي تم في حفاوة من اهل القرية شبه العراة , وياله من لقاء , تبع ذلك وصول زوارق تصل الى العشرات الى الشاطئ وفي لمح البصر و بعد موافقة الشيخ تم اقامة مخيمات حديثة لاقبل لاهل القرية برؤيتها في سالف الذكر والاطفال يحملقون الى تلك الكائنات الفضائية التي هبطت عليهم من السماء والتي سوف تؤدي بهم الى حال السعد والوعد الطيب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى