ثقافة وادب

“سباق المسافات الطويلة”.. الرواية التي تنبأت بفشل الثورات العربية وتلاعُب المخابرات بنا قبل 35 سنة

كلما قرأتُ مقالاً عن الروائي
المرحوم عبدالرحمن منيف لم أرَ هذه الرواية بين ما تتم الإشارة إليه من أعماله
الأدبية، حتى كدتُ أنسى اسمَها، رغم أنَّها ظلَّت في ذاكرتي أهمَّ ما قرأتُه له من
أعمال. 

أذكر أنها عند قراءتي لها في مرّتي
الأولى عام 1983 كانت تتحدث عن صراع أجهزه الاستخبارات على إيران، لاستعادة البلد
الذي جاءت ثورة مصدق لتعيده إلى أهله. بالطبع الروائي الداهية لم يُشر إلى البلد
صراحةً، لكنه استخدم أسماء وملابسات تجعلك تتنبأ بمواقع الأحداث، وما أذكُره أنني
كنتُ أتجاوز الرواية لأقارن بين ثورة مصدق التي أخفقت وثورة الملالي التي نجحت
لأنها تعلّمت من الأخطاء.

 كان الملالي أذكى من يساريي
مصدق وملاليه، فقد حيّدوا الجيش، وتركوا لأجهزة المخابرات الأجنبية رسائلَ محيّرة،
استطاعت أن تؤجل فعلَهم. وحين انتصروا افترسوا الجيش القديم، الجيش الذي علّمتنا
التجربة أنه لا بد أن يعمل لاستعادة النظام الذي أسّسه، والذي اشتُري ولاؤه
بالسلطة وبالمال، الجيش الذي يضم عادةً بين جوانحه عناصرَ ترى خلاصَ بلدها في
تعامله مع القوى العظمى، وترى من الحنكة أن توفر لأجهزة الاستخبارات الأجنبية
مجالاً للتخطيط، وأدوات للتنفيذ، متحالفةً في ذلك مع رجال المال الذين يفرزون رجال
السلطة، وهؤلاء يعتمدون في التمويل على شركات النفط أو الشركات متعددة الجنسيات،
التي أصبحت تشغل لديها أجهزة الدول.

 وكنت كلما أخذتني تفاصيل
الرواية آنذاك -التي بدا للبعض أنها طالت عما يجب وبدا لي أنها أقصر مما نحتاجه
لفهم لعبة المال والسلطة والجيش والجمهور-  أعود لأتأكد من تاريخ كتابتها،
لأجد أن الكاتب قد استغرق في كتابتها أربع سنوات، انتهت عام 1978، أي قبل بداية
ثورة الملالي بقليل. 

ولعل كاتباً عبقرياً كالمنيف اضطر
لمراجعة آلاف الوثائق حتى يحوّلها إلى عمل روائي ماخر في عباب الفن، باقتدار لا
يُجيده إلا القليل. 

عدتُ إلى قراءة الرواية مؤخراً، كان للرواية
اسمان؛ أحدهما “رحلة إلى الشرق”، والآخر “سباق المسافات
الطويلة”، والسباق هو بين الاستخبارات البريطانية والأمريكية، فالراوي رجل الاستخبارات البريطاني بيتر ماكدونالد،
الذي استطاع أن يستثمر علاقات الإمبراطورية ببقايا السلطة التي أنشأتها ليخطط
للانقلاب على العجوز، لكن إمبراطوريته بأجهزتها العتيقة كانت أكثر اطمئناناً إلى
دهائها من أن تتصرف بأقدام الأمريكيين وقدراتهم متعددة الأوجه، التي تتمظهر في
الثقافة والمساعدات الغذائية والتحالفات السرية مع الجيش ومع الصحفيين والفنانين
وحتى رجال الدين.

وبينما كان ماكدونالد يحذر رؤساءه
من التنافس الأمريكي، كانت تأكيدات لندن أنّ لنا مصلحة مشتركة، وأنّ المسألة ليست
في القدرة فقط، بل في التراكم الحضاري وإرث الخبرة. ترى هنا كيف تعمل أجهزة
الاستخبارات، وكيف تدع الكادحين يتظاهرون ويهزون السلطة ويفرضون رجالَهم، بينما
تتحرك أجهزة الاستخبارات للانقلاب المضاد، وأيضاً بالأدوات نفسها، أي بتوظيف
الكادحين، وتحريضهم، وضرب وحدتهم بالتلاعب على الاختلافات بين المتدينين
واليساريين، وتترك الأمور تجري على مَهَل، وتُغير من وجه السلطة التي تواليها،
وهنا تضحّي ببعض رجالها، وتستبدل وجوهًا بوجوه، وتقوم الجماهير الكادحة بالتظاهر
ضد ممثليها الحقيقيين، بل ولمصلحة أعدائها.

أنهيتُ قراءتي
الثانية للرواية بعد قراءتي الأولى بخمسة وثلاثين عاماً، لأكتشف أن عبدالرحمن منيف
قد كتب سيناريو للثورات العربية التي أُجهضت، وللجماهير الكادحة التي انقلبت على
نفسها، ولأجهزة الاستخبارات التي تتلاعب بنا، وتتناقل أماكن النفوذ بينها بالتنافس
(الشريف) على مقدراتنا، وبتزوير إرادتنا، ونبقى نحن شعوباً ترى كل شيء وتتصرف في
النهاية كـ “شاهد ما شفش حاجة”.

ولا يتركك المنيف حتى يحرِقك
الألم، فالمخابراتي البريطاني يتوقع القتل حين تحيط به الجماهير، يظنها قاتلته لا
محالة، لكنها ببراعة تحمله على الأكتاف وترفعه فوق الثائرين، وفي النهاية تفهّمه
أنها تريد منه الدولار، لا يدري كم دفع ولكنه نجا، وكان يتوقع أن يموت، وارتفع على
الرؤوس وكان يتوقع أن تدوسه الأقدام، بينما السياسي العجوز الذي كان مطمئناً إلى
شعبه، والذي يجري الانقلاب عليه تخرجه الجماهير التي انقلبت عليه لتضربه بالعصي
والسكاكين، مشهد يجعل رجل الاستخبارات يُرثى حالُه، للحيوانية التي عاملته جماهيره
بها، التي سارت تهتف خلف الذين أعدموه، تهتف للقتلة، مشهد مأساوي يذكرني
بتراجيديات الثورات العربية.

كيف تسنّى للمنيف أن يكتب هذا
العمل البارع، ليكتب لنا مستقبلنا، قرأت روايته وأنا حافل بالآمال في شبابي، وها
أنا ذا أقرأها وأنا في خريف العمر وقد تسربت آمالي على مهل، أما لهذا الليل من
آخر؟!…

رحم الله المنيف، السعودي الأصل،
العراقي الثقافة، الأردني النشأة، السوري العمل والأمل والزواج والموت، مهندس
البترول الذي أصبح أحد أهم روائيينا الذين يكشفون عواراتنا وخيباتنا، لكننا نبقى
كما كنا عصيين على الفهم… وفي النهاية نغير سادة بسادة، وأجهزة استخبارات بأخرى،
ونُبقي العبيد.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى