الأرشيفتقارير وملفات

سائق التوكتوك والمشهد المقلق …!؟

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* يقول الشاعر الحكيم :

إذا أراد الله نشر فضيلة طويت… أتاح لها لسان حسود .

لولا اشتعال النار فيما جاورت…ماكان يعرف طيب عرف العود . والحق أقول أن سائق التوكتوك الذى حرك مشاعر الملايين فى ثلاث دقائق مؤثرة لم يكن حسودا ولا متكلفا للأشياء غير طباعها , أو متطلب فى الماء جذوة نار , أوكان يرجو المستحيل ويبنى الرجاء على شفير هار كما يقول الشاعر . وإنما هو شاب احترق بنار الأزمات والنكبات والنكسات التى أصابت وطننا . مثله فى ذلك مثل معظم المصريين الفقراء البؤساء المستضعفين الذين لايجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا كان الشاب يتحدث بانفعال وحرقة معبرا عن رأية بانسياب وسرعة وطلاقة وعدم تكلف عن الأوضاع المتردية داخل مصر , راجيا أن تصل رسالته واضحة غير منقوصة ولامشوهة إلى من يهمه الأمر . والحق أن هذا الشاب قد تفوق على كل الخبراء والمفكرين والكتاب والصحفيين فى عرض وتشخيص الأمراض التى يعانى منها الوطن . وكالعادة , فالناس انقسموا فى البداية إلى فريقين : الأول يقول أن الفيديو تم فبركته وطبخه وإخراجه لهدف ما . أما الفريق الآخر فيقول أن هذا الفيديو هو عفوى تلقائى لم يسبق له إعداد أو إخراج من جهة معينة , حتى شبهوه بلاعب الكرة الذى يحرز هدفا فى فريقه عن طريق الخطأ فيحتسبه الحكم للفريق المنافس . لقد اخترق هذا الفيديو الحاجز الحديدي الذى يحيط بالإعلام الرسمي ,والذي يود أن يعتقل الشعب فى زنزانة أسمنتية صلبة لا ينفذ إليها شعاع شمس ولا ضوء قمر …!

توك

* والحق أنني أميل إلى الفريق الثاني الذى يعتقد بأن هذا الفيديو جاء عفويا تلقائيا غير مدبر بعد مشاهدته أكثر من مرة متفحصا ومدققا فى وجه الشاب وهو يتحدث منفعلا وغاضبا ومنتقدا سوء وتردى الأوضاع السياسية والاقتصادية والإعلامية فى مصر . حتى أن هذا الشاب وجه سهاما غير خاطئة للإعلام الذى يصور مصر وكأنها ” فيينا “ وإذا نزلت إلى الشارع تجدها بنت عم الصومال ..!. وهو بهذا يتهم الإعلام الرسمي بالغش والتزوير والخداع وعدم نقل الحقائق , والانحياز الأعمى غير المبصر للحكومة والسلطة بالحق والباطل . ثم يصب هذا الشاب جام غضبه على المشاريع التى تم تنفيذها ولم يشعر بها المواطن البسيط الفقير ولم يكن لها مردود اقتصادي سريع يشعر به الفقراء والمحتاجون والمعدمون من أبناء هذا الشعب المطحون والمدهوس تحت عجلات الفقر والفاقة . فى يقينى أن هذا الفيديو وهذا الشاب أكثر مصداقية من طوابير الخبراء والمفكرين والإعلاميين الذين يلوثون أسماعنا كل ليلة بما لذ وطاب من قمامة أفكارهم ليقنعونا بأنه الحال على مايرام وأنه ليس فى الإمكان أحسن مما كان . وأبطل فكرة أن الشعب راض عن دور الحكومة فى حل مشاكل الشعب .

* والذي يهمنى فى هذا المقال هو التركيز على أن الشعب لن يكون بعد اليوم أسيرا ومعتقلا فى زنزانة الإعلام الرسمي الحكومى كما كان الحال فى خمسينات وستينات العصر البائد . وأن إعلام التليفزيون الأبيض والأسود الذى كان سائدا ومهيمنا فى عصور الظلام لم يعد له وجود فى عصر الفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والسماوات المفتوحة من جميع الاتجاهات , شرقا وغربا وشمالا وجنوبا . وأنه لم يعد مقبولا ولا ممكنا أن نحجب رأيا حرا أو مقالا جريئا أو وجهة نظر تغرد خارج سرب الحكومة . ولم يعد مقبولا أيضا تأميم الإعلام ومصادرة الآراء الحرة وسجن واعتقال الأفكار , لأن الأفكار لا تسجن ولا تعتقل ولا تقتل . لأن أى شاب اليوم يستطيع أن يدخل على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي ليقول مايشاء , وينتقد من يشاء حين يريد دون استئذان من أحد صغيرا كان أو كبيرا , فالعصر عير العصر , والزمان عير الزمان , والحال غير الحال , وثقافة عصر الحجارة الصماء لم يعد لها موضع قدم فى عصر الحضارة والانفتاح .

* إن هذا المقطع سبب قلقا كبيرا وتوترا عظيما لدى الجهات الرسمية لأنه من وجهة نظرهم قد تعدى الخطوط الحمراء المسموح لها للتنفيس . وأنه ماكان يجب أن تقوم قناة فضائية محسوبة على النظام بإعداد وإخراج مقطع فيديو بهذا المستوى الجرئ الذى أقلق الجميع . والمقلق فعلا إن هذا الشاب لايعبر عن نفسه فقط , بقدر مايعبر عن ملايين من الشباب الذين لايجدون عملا يرضيهم ,ولامسكنا يأويهم , ولاراتبا يكفيهم , ولا علاجا يداويهم , ولا وطنا يحميهم من مصيرهم المحتوم من الغرق فى العبارات , أو الموت فى الحوادث تحت عجلات السيارات أو تحت أنقاض العمارات , تعددت الأسباب والموت واحد .لكن الحقيقة أن هذا الشاب لم يكن متكلفا أو مبالغا لأنه ذكر الحقيقة التى قد تغضب الكثير . وسيظل تأثير هذا المقطع قائما على أصوله فى نفوس وعقول وقلوب المصريين حتى يتم اختراع حدث أكبر منه , فينسى الناس أو يتناسوا لينشغلوا بما هو جديد . وهكذا يراهنون على ذاكرة الشعب وكأنها ذاكرة الأسماك …!.

* نريد الإعلام الوطني الحر الجرئ المتجرد من الهوى والزيغ والانحراف والتشويش والتزوير والتدليس وإلباس الباطل ثوب الحق . نريد الإعلام الذى ينحاز لمصالح الشعب قبل أن ينحاز لمصالح الحكومة والسلطة . نريد الإعلام الحر الذى ينقل نبض الشارع للحكومة , قبل أن ينقل للشعب أوامر الحكومة . نريد الإعلام الذى يعمل لحساب الشعب ولايعمل لحسابه الخاص أو لحساب جهات خارجية أو داخلية تمارس عليه كل أنواع الضغوط ليكون مثل خيال المآتة يهش العصافير من على وجوه أصحاب المقامات والمليارات . نريد الإعلام الذى لايجد حرجا فى أن ينقل مثل هذه الفيديوهات على الهواء مباشرة دون خوف أو استئذان أو جبن أو إذعان لأحد مهما كان شأنه . فالحق فوق القوة , والأمة فوق الحكومة , والشعب هو الأصل ,والسلطة هى الفرع , لان الشعوب لاتتغير , وإنما الذى يتغير ويتبدل ويتحول هى السلطة . نريد الإعلام الذى يخشى غضبة الجماهير ولايخشى بأس وزير أو أمير , لان الأصل أن الجماهير هى النبض الحى الذى يدق فى قلب وسائل الإعلام , فان توقف النبض توقف القلب , أليس كذلك…؟

* الحكومة التى تخشى الإعلام أو إن شئت فقل مقطع فيديو بسيط , حكومة ضعيفة وبيتها أوهن من بيت العنكبوت . إن الحكومة التى تخشى الكلمة الحرة , لابد وأن على رأسها بطحة فلتتحسسها قبل فوات الأوان ومرور الزمان . الكلمة تواجه بالكلمة , والرأي يواجه بالرأي , والنقد الصريح يواجه بالتوضيح . هل يعقل أن تحجب الحقائق عن الشعب ..؟ فهل يستطيع أحد أن يحجب شعاع الشمس أو ضوء القمر عن الأرض ..؟ هل يعقل أن نمارس مهنة الكذب والتضليل لطمس الحقائق وتغيب الوعى ..؟ هل يعقل أن نعيش عصر الفضائيات بعقول عصور متخلفة ولت وأدبرت ..؟ إن الموطن البسيط اليوم الذى لا يقرأ ولا يكتب لديه تليفون محمول أحدث موديل , وله بنين وبنات فى كليات القمة . ويشاهد مالذ وطاب من البرامج ولاتستطيع أى سلطة أن تمنعه أو تحجبه عن ذلك . من فضلكم أعيدوا التفكير فى أمركم فالقلوب تغلى غليان القدور . قد ينكر الفم طعم الحلوى من سقم , وقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد . لكن لايستطيع أحد أن ينكر أن سائق التوكتوك قد عبر عن ملايين من هذا الشعب المطحون فى ماكينة المعاناة اليومية . فاعتبروا يا أولى الأبصار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى