منوعات

رغم الحظر.. “المهرجانات” لون فرض نفسه على أغنياء وفقراء مصر!

“وتجيني.. تلاقيني لسه بخيري” لا بد أن هذه الكلمات مرت على أذنك، أو تراءت إلى عينيك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وما هي إلا كلمات أغنية من أغاني المهرجانات، هذا النمط الغنائي الذي بدأ في مصر منذ سنوات، ويبدو أنه باقٍ بعض الشيء، وإن كره الفنانون. 

وانتشرت “أغاني المهرجانات” محققة نجاحاً كبيراً ونسب استماع ومشاهدات قياسية، وباتت جزءاً أساسياً من الأفراح المصرية، سواء المقامة بالشوارع أو داخل أفخم الفنادق والقاعات.

لكن هذا الانتشار الواسع صاحَبه
جدال مجتمعي أوسع في الأوساط الفنية والشارع المصري. وفي الوقت الذي يرفض البعض
تصنيفه فناً ويعتبره خطراً على الذوق العام المصري وتهديداً لتاريخها الفني
العريق، ينظر آخرون إليه كنوع من الفن الشعبي الرائج. 

بدأ هذا الجدل باستغراب وتهكم
على المهرجانات، ثم الدعوة إلى تقنينها، والتي آلت إلى منعها مؤخراً بقرار صدر من
نقيب المهن الموسيقية الفنان هاني شاكر، الأحد 16 فبراير/شباط 2020.

لكن هذه القرارات لم تحُل دون
انتشارها وتحقيق قاعدة جماهيرية كبيرة، والوصول إلى مسامع كل شرائح المجتمع (داخل
مصر وخارجها)، رغم النظرة الدونية لهذا اللون من الأغاني.

فما هو السبب وراء توغل
“أغاني المهرجانات” في المجتمع المصري بهذا الشكل الكبير ولم يتجاوز
عمره العقد؟ 

يقول محمد عبدالمجيد (37 سنة)،
طبيب صحة مهنية في شركة بترول إنجليزية، والمحب لأغاني المهرجانات، إن بداية
استماعه لهذا النوع من الأغاني كانت منذ عام 2010 مع أوكا وأورتيجا وشحته كاريكا،
وما جذبه إليها حبه في الأصل لأغاني الهيب هوب الأمريكية، التي يرى أنها  لا
تبعد كثيراً عن أغاني المهرجانات. 

ويضيف عبدالمجيد أن أكثر ما يحبه
في هذا النوع من الغناء -ورغم تحفظه على الكثير من كلماته وعدم تفضيله لسماعه لمن
هم أقل من 18 عاماً- أنه يرى أنه يحاكي الواقع، ويعكس ما وصل إليه حال المجتمع
المصري. 

ظهر هذا النوع من الغناء مع أوكا
وأورتيجا، وصولاً إلى صراعات شاكوش وبيكا وعمر كمال، وقرار من نقابة الموسيقيين
بوقف مطربي المهرجانات بمن فيهم الفنان محمد رمضان، مع ردود أفعال متضاربة. 

ورغم قرار النقابة فإن رمضان
أصدر أغنية جديدة بعنوان “إنت جدع”، حصلت على أكثر من مليوني مشاهدة في
أقل من يومين على طرحها، تبعه حسن شاكوش بأغنية مهرجان “عود البطل”،
التي حققت أكثر من 1.5 مليون مشاهدة في أقل من 24 ساعة.

وفي بحث
للكاتب والباحث السياسي المصري أحمد عبدالحليم تحت عنوان “أغاني المهرجانات
في مصر: الانتقاد اللاذع والانتشار الكبير”، تبين أنها ظهرت في عام 2007 في
“دار السلام”، أحد أحياء القاهرة الشعبية، على يد “عمرو حاحا”
و”السادات” و”فيفتي” الذين قدموا أغنية سموها “مهرجان
السلام”.

وموسيقى
المهرجانات هي
خليط من موسيقى الراب والتكنو، أو موسيقى الكترو-شعبي بصبغة محلية وعادة ما تتكون من إيقاعات شرقية، يقطعها صوت
المغني.

بانفعال
شديد رفض الدكتور رضا رجب، المايسترو الشهير والعميد الأسبق للمعهد العالي
للموسيقى العربية، تصنيف المهرجانات على أنها أي لون من ألوان الغناء.

ولم
يقبل رجب أن يُطلق عليها “فن شعبي”، موضحاً في حديثه لـ”عربي
بوست”: “نجوم الفن الشعبي الذين تعرفهم مصر هم أمثال محمد عبدالمطلب
ومحمد رشدي ومحمد العزبي وعدوية، ومن بعدهم جيل حكيم وسعد الصغير ومحمود الليثي
وأمينة وبوسي وغيرهم، ومن نسمع بهم مؤخراً لا يصنفون كأي شيء سوى مدمرين للذوق
العام”.

وتابع
قائلاً: “هذه الأغاني التي تخاطب الغرائز وتتحدث عن الجنس والمخدرات وتُسهم
في تدمير أجيال بأكملها لا يمكن أن تصنف في بلد رائد في الفنون كمصر على أنها
فن!”.

وأيد
رجب قرار نقيب الموسيقيين بمنع مطربي المهرجانات، الذي جاء بعد حفل عيد الحب الذي
أقيم باستاد القاهرة، بما فيهم محمد رمضان، الذي يعتبره سبباً رئيسياً في انتشار
مثل هذه الأغنيات.

وناشد
الجهات المعنية بالضرب بيد من حديد لتنفيذ قرار النقابة، حتى يتم القضاء على هذه
الظاهرة نهائياً “حتى لو وصل الأمر لسجن هؤلاء”، على حد تعبيره. 

لم يكن مستغرباً أن تجد
المهرجانات قبولاً بين الكثير من أبناء المناطق الشعبية أو العشوائيات، لأنها خرجت
في الأصل منها.

ولكن هذه الأغنيات لم تتوقف عند
هذه الطبقة، وانتقلت إلى كل شرائح المجتمع بما فيها A CLASS أو
الطبقات الراقية، ويتجلى ذلك بوضوح في نفاد تذاكر حفلات محمد رمضان وغيره من مطربي
المهرجانات، التي تقام في منطقة الساحل المخصصة للأثرياء كل عام. 

ويرى خالد حماد -مؤلف موسيقي
وملحن- أن انتشار أغاني المهرجانات بهذا الشكل الكبير يعود في الأصل إلى غياب
أنواع الفنون الأخرى، وبالتالي وجدت طريقها للانتشار والوصول إلى كل الناس.

أما رجب فألقى باللوم على الدولة
في انتشار المهرجانات بهذا الشكل، والمساعدة على انحدار الذوق العام منذ أن رفعت
يدها عن الفنون، وألغت لجان الاستماع التي كانت توجد قديماً في الإذاعة
والتلفزيون، والتي كانت مسؤولة عن الموافقة المباشرة للمغنّين. 

وتابع رجب في حديثه لـ”عربي
بوست”: “ثم جاء دور اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي التي لا تحكمها
أي معايير فنية أو رقابية، وانتشرت هذه الكارثة بما تحمله من معانٍ سوقية وإيحاءات
لم تقبلها معايير المجتمع بما يفسد الذوق”. 

وفي تحليل عبدالمجيد فإن تقبل الطبقات الراقية لأغاني المهرجانات “أمر طبيعي، لأنها تشبه ثقافتهم”.

واعتبر أن “النظرة
المتعالية من هذه الطبقة للمهرجانات في البداية كانت نظرة عنصرية، وعدم اتساق مع
الذات لمجرد أنها تُغنَّى بالعربي، فأصبحت “لوكل” أي محلية، ولكن اللغة
الإنجليزية تضفي عليها بُعد الشياكة”، حسب رأيه. 

أما نهال حسام، المصرية التي تقيم في هولندا، فقالت لـ”عربي بوست” إنها تسمع المهرجانات وتعتبرها لوناً من ألوان الغناء، خاصة “في وقت الهيبرة والتنطيط”. 

فرضت أغاني المهرجانات نفسها
بقوة على الساحة الغنائية، حتى إن بعض الموسيقيين خرجوا للدفاع عنها وعن استمرارها
ضد قرار الرقابة، مؤكدين على عدم الوصاية على الناس فيما يسمعون، ومنهم الموسيقار
الكبير هاني شنودة، وفق فيديو نشرته Identity Magazine

وعلق رجل الأعمال المهندس نجيب
ساويرس على الانتقادات الموجهة إلى أغنية “بنت الجيران” وأغاني
المهرجانات عموماً، عبر حسابه على “تويتر”: “بنت الجيران.. مزعلاكم في إيه؟ دي حتى دمها خفيف
وضحكتها شربات.. وبام بام برضه مالها وإحنا رايحين نسهر.. شكلها غيرة ومريسة
وفذلكة وتحكم.. إحنا الجمهور أحرار نسمع اللي نحبه!”.

وهذا ما أكده الموسيقي حماد
قائلاً: “إن المنع حالياً ليس قراراً صائباً، بل على العكس سيزيد من الإقبال
على المهرجانات، لأن الممنوع مرغوب دائماً عند المصريين، والمقاومة تكون بالتوازن
وطرح جميع الفنون وعلى المتلقي الاختيار والتمييز”. 

وأشار حماد إلى أن ظاهرة
المهرجانات ستنتهي يوماً ما، لأنها ليست بالأنماط طويلة الأجل، ولكنها تتوافق مع
ما يحدث عادة بعد الثورات الكبرى والحروب من تخبط على كل المستويات.

وهذه الظاهرة تعد عالمية، على سبيل المثال ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، إذ ظهرت مدرسة في الفن التشكيلي تعرف باسم “المدرسة الدادية”.

في هذه المدرسة، يقوم مثلاً الفنان برسم لوحة جميلة كالموناليزا ولكن يضع لها “شنباً”.

ويُعد
هذا نوعاً من أنواع التخبط والتناقض الناتج عما تعرض له بلد كان يدعم الفن ثم شهد
حرباً مدمرة، ولكن بطبيعة الحال لا يستمر.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا أن
الفراغ الذي خلّفه الفن الحقيقي فتح المجال لانتشار هذا النوع من الأغاني، فما هو
سبب هذا التغيّب؟

 يقول حماد إنه شيء صادم
ومحبط جداً، “بل ومصيبة كبيرة” حين لا تتاح الفرص لدارسي الموسيقى
وأصحاب الأصوات الجميلة أن يقدموا الحفلات في المناسبات الرسمية كحفل عيد الحب في
استاد القاهرة وتتاح الفرصة لمطربي المهرجانات.

كما عول حماد أيضاً على انتشار
المهرجانات كذوق موسيقي في مقابل أنماط المزيكا الأخرى إلى اعتمادها في إعلانات
التلفزيون.

وطالب حماد بفرض الرقابة، وترك
مساحة ومناخ للإبداع بجانب الإسفاف ليتوفر لدى المستمع كل الأنماط فيختار ما يشاء.

وألقى اللوم أيضاً على اهتمام
البرامج الحوارية و”التوك شو” باستضافة مؤدّي المهرجانات للحاق بالموضة
الرائجة وتحقيق نسب عالية من المشاهدة.

وبعيداً عن اللغط الدائر بشأن
تقبل هذا اللون من الغناء أو ترك الحكم لآذان المستمعين، ما تحمله هذه المهرجانات
للمجتمع رسالة تطلق بوق الإنذار سواء لناحية المستوى الأخلاقي، ولغة الحوار،
والمصطلحات، وحجم الإبداع الذي نقف عنده. 

ونستعرض فيما يلي بعض الجمل
المثيرة للجدل، التي استخدمت في هذه الأغنيات ليرددها الشباب والشابات:

“هاتلي
فودكا وشيفاز ملعون أبو الجواز” مهرجان فودكا وشيفاز

“تلاتات سبعات مظبوطه كارتله مش بسكوته”

“نص
حتة ربع كيس.. اجري يالا قفش يا بوليس”

“عيال
كلاب النخوة سابوها مكلتش على طبلية أبوها أهم حاجة الفركة يجيبوها”

“خد
بشرطة وخبي حشيش” في مهرجان وداع يا دنيا وداع

وبالتوازي
مع هذا الجدال والحوار الذي تشهده الساحة المصرية الفنية، يواصل فيديو أغنية
“بنت الجيران” على موقع يوتيوب حصد مشاهدات عالية جداً، حيث وصلت
الأغنية إلى ما يزيد عن 154 مليون مشاهدة عبر القناة الرسمية للمطرب حسن شاكوش (حتى كتابة هذه السطور).

وبات
لها مدافعون عنها في كل مكان، حتى عن الجملة «أشرب خمور وحشيش» لم يجد فيها الكثيرون ما يستحق
كل هذا الهجوم، مقارنين ذلك ببعض من أغاني الزمن الجميل كأغنية «الدنيا سيجارة
وكاس» لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، و”الحشاشين” لسيد درويش وغيرهم. 

ومن
أبرز أغانى المهرجانات التي لاقت نجاحاً كبيراً:

“بلعب أساسي”، “رب الكون ميزنا بميزة”، “جود بوي”، و”جواب اعتقال”، و”عايم في بحر الغدر”،  و”وداع يا دنيا وداع”، وغيرها. 

أرقام قياسية عبر “يوتيوب”

1-
مهرجان “بنت الجيران” لحسن شاكوش وعمر كمال  حققت مشاهدات 155 مليوناً.

2-
“وداع يا دنيا وداع”  لحمو بيكا وحسن شاكوش، تخطى عدد المشاهدات 121 مليوناً.

3-
مهرجان “عايم في بحر الغدر” لعلي سمارة وأحمد عزت وصل عدد المشاهدات إلى
أكثر من 109 ملايين

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى