الأرشيفتقارير وملفات

رجل ايقظ أمة “الحلقة الثالثة”

بقلم الكاتب 

محمد المصرى التركى

 من حسن حظ الإسماعيلية أن إستقر فيها الشاب حسن البنا تلك المدينة التى تشرف على الصحراء التى تستنشق فيها عبير البداوة وسلامة الطوية وتصلب فيها الأبدان وتقوى على تحمل معاناة الحياة وتصفوا فيها العقول من التخيلات والخزعبلات بعيدا عن خلط العقيدة بفلسفة الإنسان أوتخبطه والتى تشرف من ناحية الغرب على الدلتا حيث الحضارة التى يذيغ فيها الإيمان وتتلوث العقول بترهات وأساطير لا حصر لها ويختلط فيها الفكر الصحيح مع الفكر الزائف وتضعف الأبدان من أخلاط الهواء الفاسد ولذلك ندرك الحكمة الإلهية فى توجيه هذا الشاب الرائع إلى هذه المدينة ليتمكن من تكوين أتباع يتمتعون بصفاء القريحة ويدينون بألوهية الواحد الأحد بدون تجسيم للذات الإلهية من الجلوس أو القيام أو الوقوف أو الصعود الذى أتى به خوارج العصر الذين يدعون أنهم سلفية.

قبر_البنا

وبعد طول تفكير مع مجموعة من زملائه إستقر الرأي على تجربة نشر تلك الدعوة الصافية التى إستقاها من معين القرآن الكريم ومن السنة النبوية الشريفة التى كان والده الشيخ الساعاتى عالما بها وأن يكون النشر بين الناس فى المقاهى والمنتديات ولكن لعظم المسؤولية والخوف من الفشل تردد زملاؤه ترددا شديدا ولكن حسن البنا الذى تمتع بحماس شديد وشجاعة نادرة لإقتحام المصاعب التى رأيناها فى صباه وفى مواقفه في شبابه إستطاع أن يقنعهم بقوة حجته بقوله لهم: وما يمنعنا من التجربة !؟

 

فكانت كلمته كالسحر جعلتهم يقدمون على العمل غير مبالين بالنتيجة لأن أمامهم خيارين بحيث لو فشلوا فى أحدهما يمكنهم الرجوع عنها ليجربوا طريقة أخرى وفى هذا المجتمع البدوى الصافى إنطلق الدعاة على وجل وخوف من فشل هذه التجربة وقاموا بإلقاء عشرين خطبة في ذلك اليوم كل خطبة في حدود عشر دقائق يعني مائتي دقيقة قوبلت بترحاب كبير من رواد المقاهى من أهل الإسماعيلية مما أدخل السرور بنجاحها على هؤلاء الشباب فقد أثاروا إعجاب الناس بمظهرهم الراقى وورعهم وبلاغة أسلوبهم ومنهجهم الروحى الذى خلب الألباب فما اجمل أن تخاطب الروح كما أثار تعففهم إحترامهم فى النفوس بتصميمهم على عدم قبول طلب مشروبات من مرتادى المقاهى وتوجههم بالشكر لهم معلنين إنهم إحتسبوا عملهم وكلامهم لله عز وجل وملتمسين الأجر منه وقد دل إعتذارهم عن تناول المشروبات بالخوف من ضياع الوقت على لباقتهم فى الإعتذار وحسن سلوكهم مما أعطى فكرة عن مقدرتهم العقلية والنفسية التى يجب أن يتميز بها الداعى للقيام بدعوته وهى الصفة التى إفتقدها دعاة السلفية فى القيام بهذا العمل الذى يعتبر من أشق الأعمال على الإطلاق فصعوبته تكمن فى العمل وسط بيئات مختلفة ليست على نمط واحد فى الثقافة والعقيدة والفكر ودرجة الإيمان إنما تختلف من ييئة إلى أخرى وقد كان هذا التعفف يعطى أثرا طيبا عند الناس لأنه يترك إنطباعا بصدق توجههم ورجعوا أول ليلة سعداء بنجاح هذه التجربة لأنهم أخلصوا النية للدعوة لله تعالى وأصبحت طريقتهم نموذج يحتذى به الدعاة.

وقد حاول السلفيون نشر دعوتهم على نفس طريقة حسن البنا وزملائه ولكنهم لم يلقوا النجاح إلا فى المجتمعات العامة والمتدنية ثقافيا وفشلوا فى البيئات الثقافية العالية لأن دعوتهم كانت لأغراض سياسية ألبست ثوب الدين وهنا ندرك الحكمة الإلهية فى تعيين الشاب حسن البنا وزملائه فى هذه المدينة الصافية لأن القاهرة وضعها مزري وسيئ للغاية فقد إنتشرت فيها الأفكار العلمانية والليبرالية الممنهجة طبقا لإستراتيجية الإحتلال والتى تعمل على نشر الإلحاد والإباحية حيث كان دعاة الإسلام فيها ينشرون دعوتهم للأخلاق والإلتزام بشرع الله فى المواصلات والمنتديات وفى المقاهى، فتلقى الكثير من السخرية بل ويتم القبض على بعضهم بتهمة التسول ،وإتصفت دعوتهم بعدم القبول و الإزدراء لأن العاصمة أصبحت مستنقعا للأفكار التى تذرى بالقيم وتحض على الفساد والتحريض على الأفكار المعادية للإسلام بفعل دعايات المنظمات الصهيونية التى تُجمِّل قبائح الأعمال وتعطيها صورة جميلة جمالا زائفا وتلبس الفساد رداء التقدم والحرية فينساق لتقليدها الناس دون علم بمخاطرها عليهم وعلى المجتمع فيتحللون من كل القيم والمبادىء الدينية الراقية التى تحفظ للمجتمع تماسكه وتحفظ للدولة قوتها وبهذا تمكنت المنظمات الصهيونية من نشر القيم والعادات والتقاليد السيئة لإضعاف الشعوب تمهيدا للهيمنة عليها وإحتوائها كالتدخين مثلا الذى ثبت علميا أنه يؤدى إلى تلف الحويصلات الهوائية فى الرئتين ويعمل على ضيق الشريان التاجى وهو ما أدركه العالم فأخذ يحذر من مضاره الخطيرة ومنعوه فى الأماكن العامة أو الدعاية له بل وكتبوا على كل علبة تحذير بمضارالتدخين الجسيمة على صحة الإنسان وكذلك نشروا عادة تناول الخمور والحانات التى تقدمها والتى ثبت علميا أنها تؤدى لتلف المخ لإحتوائها على مادة الغول التى تعمل على تصلب الشرايين مما يمنع تدفق الدم فيها وخاصة فى شرايين المخ الدقيقة وكالمخدرات التى تؤدى إلى عطب الخلايا فى جسم الإنسان فيميل إلى الكسل والخمول فلا يدرى مايدور حوله ولا يهمه أن يعلم ما يدور ولهذا قامت الصين بحملة إعدامات ضد مروجى المخدرات فاستيقظ الشعب من غفوته ووجد قادة الثورة آثار التخلف والتدمير فى كل شيىء فشمروا عن ساعد الجد وقاموا ببناء بلدهم فأصبحت القوة الثالثة فى العالم لأن نظامها الحاكم وطنى بينما إستمر تعاطى المخدرات فى العالم العربى والإسلامى وزاد إنتشاره إنتشارا كبيرا بمعاونة الشرطة والعسكر لأن النظم فيه عميلة للنفوذ الصهيوغربى الذى يعمل على القضاء على حيوية الشعوب وقوتها لتصبح جثث متحركة لا تعى ولا تفكرولا تصد عنها إحتلالا او ظلما او طغيانا . أصبح عالمنا العربى والإسلامى تحت وطأة الإحتلال عرضة للتغريب الذى نمى وشب عن الطوق وألبسه الإحتلال ثوب التقدم فإزداد قوة وفتوة وأضفوا عليه من الجمال الزائف الكثير فازداد نشاطا وحيوية وأصبح تيارا جارفا ودعمه الإحتلال البريطانى بالمال والجهد فجذب له الكثير من الأنصار حتى أصبح تقليدا معترفا الإنحلال والإحتلال الجارف وتقاعس المجتمع عن الوقوف معه فإستراتيجية الإحتلال البريطانى هى العمل على غمس الشعب فى مستنقع الفساد ليعيش فى فقر ومرض دعما لإستراتيجيته ليظل نائما فلا يستيقظ أبدا من هذه الفواجع وهذا بالطبع سيؤدى إلى إعلان الإحتلال الحرب عليه بواسطة عملائه من القصر والمرتزقة دفاعا عن إستراتيجيته التى عمل هذا الشاب وزملائه فيها معاول الهدم لأنه رأى أن الشعب فى الحقيقة مسلم بالفطرة ويفيض إيماناً ولكنه قوة مهملة وتحتاج للوعى الغائب بفعل التضليل الإعلامى لأبواق النظام وأدوات الإحتلال من الملحدين والإباحيين وبجرائدهم ومجلاتهم الرخيصة الصفراء التى تنشر الفجور والتى رأى حسن البنا أن لا قيام لها إلا في غفلة هؤلاء العلماء إذ قال للعلماء: لو تنبهتم لدخلوا جحورهم وهذا طبعا رأى صدر عن فهم قاصر لأن هؤلاء أدوات للمحتل ولن يدخلوا جحورهم أبدا طالما أن المحتل يدعمهم بالمال والقوة وتساندهم النظم العميلة لهذا الإحتلال ولكن الجهاد بالكلمة والتوعية ضرورة لإيقاظ الشعب ليكونوا قوة دعم للدعاة فى التصدى لهم وأداة ضغط على السلطة العميلة لكى تكف عن دعمها للفساد ولكنه مع قصور هذه النظرة كان بعيد النظر قوى الحجة بمنطقها العظيم حين قال : إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلونه فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر وضاع العلماء فلا تجدون ما تأكلون ولا ما تنفقون فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام وإعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم وتكشف الزمن فعلا عن صحة هذا الكلام كأنه إستشف حجب الغيب فهاهو الأزهر يتدنى علما وسلوكا ووطنية تنفيذا لإستراتيجية النفوذ الصهيوصليبى لأن مشايخه وعلماءه لم يعملوا لأجل الله وتقاعسوا عن التضحية من أجل المحافظة عليه كمؤسسة إسلامية عالمية حتى رأينا شيخ الأزهر يساند الإنقلاب وبجلس على مقعد أدنى من مقعد بابا روما وما ذلك إلا لأن مكانته تدنت حتى أصبح سفير زور للإنقلاب لإلتماس عونه فى قضية مقتل الفتى الإيطالى ريجينى على يد المخابرات المصريصهيونية وتدنت منزلة العلماء والمصلحون وأصبحوا من فقراء الشعب طبقا لهذه الإستراتيجية . كان الأسى قد ملأ قلب حسن البنا ابن العشرين عاماً على أحوال المسلمين وطغت عليه مرارة الواقع التي أرقته الليالي الطوال في شهر رمضان المبارك والتي إنطلقت من أعماق فؤاده وترجمها لسانه ممزوجة بحماس الشباب وقوة الإيمان ومع ذلك إنقسم الحضور في مجلس الشيخ الدجوي إلى مؤيد للشيخ ومدافع عن آرائه وضعفه وقلة حيلته وبين مؤيد للشاب المتحمس مدافع عن ضرورة البحث عن حل لاستنهاض الأمة ولذلك حرص الشاب حسن البنا على مرافقة الشيخ الدجوي حينما أنهى المجلس بسبب حرصه على زيارة أحد مريديه فى منزله وأصر على أن يجلس بجواره ليحثه على العمل وفق فكرته وليكون تأثيره كبيرا حتى أبكاه وبلل لحيته بدمع غزير وأبكى الحضور معه من شدة التأثر فدل على قوة تأثيره وهى صفة لازمة لأى داعية فإن إفتقدها لا يصلح للدعوة أو العمل الإرشادى وتلقى الشيخ الدجوى حماس الشاب حسن البنا وقسوته في ألفاظه بقبول حسن ولم يعنفه على جرأته في الكلام أو مبالغته في وصف الواقع بدعوى أن الشاب لا يزال صغيرالسن قليل التجربة لكن الشيخ الجليل كان شجاعاً يخضع للحق ويقبل الرأي الآخر مادام حقا فهكذا يكون العلماء لهم قدم صدق فى مواقف الحقيقة ولا ينكصون على أعقابهم فطلب منه الشاب أسماء من يتوسم فيهم الغيرة على الدين من ذوي العلم والوجاهة والمنزلة ليفكروا فيما يجب أن يعملوه ويصدرون ولو مجلة أسبوعية ليكتبوا فيها ردوداً على ماتنشره جرائد الإلحاد والإباحية والفجور من أضاليل ومفاسد كما يؤلفون الكتب للتصدى لهذه التيارات الإباحية الجارفة التى عملت على تجذير الفساد فى البيئة المصرية وكذلك ليفكروا فى العمل على تأليف جمعيات ينضم لها الشباب عماد النشاط الدعوى ولينشطوا حركة الوعظ والإرشاد لعلمه أن للشباب حماس قلما يتوفر عند الكهول فإستراح الشيخ الجليل لهذا الرأي وأملى عليه أسماء العلماء والدعاة والوجهاء،

2

وكان منهم أصحاب الفضيلة: الشيخ محمد الخضر حسين والشيخ عبد العزيز جاويش والشيخ عبد الوهاب النجار والشيخ عبد العزيز الخولي والسيد محمد رشيد رضا وكلهم قمم فى عالم العلم والمعرفة ومن الوجهاء أحمد باشا تيمور ونسيم باشا وأبى بكر يحيى باشا ومتولي بك غنيم وعبد العزيز بك محمد وعبد الحميد بك سعيد وكلهم اصحاب أسماء لامعة لها مكانتها بين الناس ومؤثرة فى المجتمع وإتفق الشيخ الدجوي مع حسن البنا أن يمر كل منهما على من يعرف من أصحاب الفضيلة والوجهاء ثم يكون اللقاء بعد أسبوع لإستعراض حصاد جهديهما وكان من نتيجة إصرار هذا الشاب المتحمس الذى يتقد وطنية وحماسا فى بذل جهوده أن تكونت نواة جمعيات الشبان المسلمين وعقب الاجتماعات بعد عيد الفطر من عام 1344 هـ ـ 1926 م صدرت مجلة الفتح الإسلامية تحت رئاسة الشيخ عبد الباقي سرور وترأس تحريرها السيد محب الدين الخطيب الذي تولى إدارتها وتحريرها بعد ذلك فنهض بها خير نهوض وكانت مشعل الهداية والنور لذلك الجيل من شباب الإسلام المثقف الغيور على وطنه ودينه وصدر العدد الأول منها يوم الخميس 29 من ذي القعدة عام 1344 هـ الموافق 10 من يونيو 1926 هـ واستمرت تؤدي رسالتها لمدة 24 عاماً حتى توقفت عام 1368 هـ ـ 1949 بعد وفاة هذا العالم الإسلامي الكبير السيد محب الدين الخطيب واستشهاد الشاب الثائر الإمام المجدد حسن البنا برصاص الغدر في الثاني عشر من فبراير عام 1949. ونستطيع أن نتبين ثمرة جهد هذا الشاب الثائر والمبدع فى دخوله فى معارك حقيقية ضد غفلة الشعب المصرى وتمكن أن يوقظ المجتمع من غفوته عندما حول الحماسة التي تفور بداخله والعاطفة المتوقدة في نفسه ووجدانه إلى طاقة إيجابية فاعلة فلم يكن يبكي على الواقع المر دون أن يفعل شيئاً كما يفعل اليوم قادة ثورة 25 يناير المصرية ضد الإنقلاب بل إتجه بهذه الطاقة الإيجابية الفاعلة ليضعها أمام الرجل المسؤول المؤثر في أوساط الإسلاميين والذي له صلات بغالبيتهم وله مكانته وقدره بينهم ولم يتجاهل في طرْق باب صاحب الشأن وحثه على العمل والحركة ولم ينته اللقاء إلا وكان هناك إتفاق واضح على عمل محدد وتقديم إقتراحات عملية يمكن تنفيذها وهو ما أثمر عن بدء تأسيس جمعيات الشبان المسلمين التي ظلت تعمل في الساحة الإسلامية حتى سيطر عليها النظام العسكرى بتعيين قيادات من الحزب الوطنى الصهيونى الفاسد الذى تمكن من تحويلها إلى كافتريات ومقاهى ونوادى ألعاب ونقل إليها الفساد ..

1

 ولم يتوقف الشاب الجرىء عن وصف الواقع المؤلم للأمة الإسلامية ووجوب البحث عن مخرج للأزمة التي تعيش فيها هذه الأمة وعن حل عملي عاجل لمواجهة هذه الموجه الإلحادية والإباحية التي كادت أن تعصف بمصر قلب الأمة الإسلامية النابض وقلب الأمة العربية وأملها في النهضة والتقدم وقد كشف خوض هذا الشاب فى خضم هذا الصراع عن تمتعه بإرادة قوية وعزيمة فتية وإيمان لا يتزعزع وهو لم يكن يعمل طبقا لحماسه وغيرته على الدين كيفما إتفق أو تدفعه رياح الصراع من مكان لمكان أو تلقيه الأمواج من شاطىء لشاطىء بل كانت خطواته طبقا لإستراتيجية كشف عن تفاصيلها والوسائل التي أعدها لتحقيقها موضوع إنشاء كتبه كواجب دراسي قبيل تخرجه من دار العلوم 1345 هـ 1927 م كما كشفت هذه الإستراتيجية عن عقليه قيادية تجيد التخطيط وضح منها أن العمل على إصلاح المجتمع كان أعظم آماله وهو العمل الذى صمم على القيام به بعد إتمام دراسته ووضح أيضا منها أن هذا العمل ملك عليه روحه إذ يقول : تعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة والجهاد في الحق والهداية على الرغم من توعر طريقهما وما فيه من مصاعب ومتاعب راحة ولذة وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها وتتغلغل في مظاهر المجتمع فتتعرف على ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم وما يزيد في هذا الصفاء ويضاعف تلك المسرة لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان وعطف عليهم ورغبة شريفة في خيرهم فتحاول أن تُبْرئ هذه القلوب المريضة وتشرح تلك الصدور الحرجة وتسر هذه النفوس المنقبضة لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدي أو المادي وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة كذلك يوضح لنا انه يرى العمل من أجل الله أعظم غاية لشخصه ولا يريد منه ظهورا أو شهرة أو نفوذا إذ قال:وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها وأعظم ربح يربحه . و رأى أن هذا العمل نابع من القرآن الكريم :[ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] التوبة 122 . وقد أدرك الشاب بعقليته المتميزة التى تنظر إلى عظائم الأمور فتضعها فى موضعها الصحيح أن الشعب المصرى مر بأدوار سياسية ما بين الحكم الديكتانورى إلى الحكم الإقطاعى إلى حكم الإحتلال الذى صاحبه مؤثرات إجتماعية صاخبة متعددة ما بين مدنية غربية يفعل فيها الإنسان ما يشاء بدون قيود ولا يتدخل الدين فى توجيهه باسم الحرية الشخصية التى هلل بها العلمانيون وعدوها قمة التطور الإنسانى فى الحرية الشخصية وما بين إلحاد صنع الفلسفة المادية التى كان من نتيجتها نظرية الشيوعية التى قامت حنقا على النظام الطبقى الذى تستأثر فيه طبقة ما بكل المميزات وتدع الطبقات الأخرى فى فقر وعبودية والذى عضده التقليد الأعمى لكل ما يأتى من الغرب دون أى تدبر فى صلاحيته لتقاليد الشرق كل هذا أبعد المسلمين عن مقاصد دينهم والتبس عليهم أهداف القرآن الكريم وهو ما عمل الإحتلال عليه جهده فى إبعادهم عن القرآن الكريم حتى بدا لكثير من الناس كتابا غريبا يصعب فهم مراميه ونسب إليه ظلماً وجهلاً دعوته للإرهاب وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء وتعاليمه الحقيقة السمحة بحُجُب من الأوهام يحسر دونها البصر ويقف أمامها الفكر فوقع العوام في ظلمة الجهالة وتاه المتعلمون في بيداء حيرة وشك أورثا العقيدة فساداً وبدلوا الإيمان بتقاليد وعادات سيئة نهى عنها الله ونسوا مجد آبائهم وآثار أسلافهم فكشف هذا عن طبيعة تكوينه النفسى والعقلى الذى هيأته الطبيعة له ليكون مصلحا إذ قال : أود أن أكون مرشداً معلماً إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام وقضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم تارة بالخطابة والمحاورة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى