الأرشيفتقارير وملفات

رجل أيقظ أمة من ثباتها “الحلقة الرابعة”

بقلم الباحث 

محمد المصرى التركى

هناك مدينة يفصلها عن القاهرة فضاء فسيح من رمال الصحراء الشرقية أنشئت بإسم الخديو إسماعيل فى شرق الدلتا ليس لها قيمة إستراتيجية أو إقتصادية تُذكر لأنها بنيت على بحيرة التمساح المتصلة بقناة السويس مما يعنى أنها منتجع لصائدى الأسماك ومحطة لقوافل التجارة القادمة من آسيا إلى ميناء العقبة ثم إلى سيناء عابرة هضبة التيه  لتكون كمعسكر للعمال المصريين الذين يخدمون فى شركة قناة السويس التى تهيمن عليها القوات البريطانية وسكانها خليط من بدو الصحراء مع المهاجربن من جنوب صحراء البحر الأحمر من قبائل البجة الأحمر أو من شبه الجزيرة العربية وإستوطنوا مصر وأصبحوا جزءا أصيلا من شعبها هذه المدينة الهادئة التى قبعت فى الصحراء كانت كمنفى للوطنيين بعيدا عن العاصمة ذات الضجيج السياسى وكان على وزارة المعارف أن ترسل بالشاب حسن البنا إليها بعد أن ظهرت عليه سمات المناضل القوى الذى وقف على أرض الجهاد بصلابة قولا وعملا منذ أن انشأ جمعية الشبان المسلمين يريد أن يغير المنظومة الإجتماعية التى باتت لا تهتم كثيرا بالدين ويصنع على عينه مجموعة من الشياب تكون نواة لدولة قويه شعارها التوحيد وهدفها الجهاد ضد الإحتلال والرقى بالأمة الإسلامية من غرب الصين إلى المحيط الأطلنطى ومن أوغندا فى افريقيا إلى جبال القوقاز فى آسيا لكن عناصر الفساد وعملاء الإحتلال فى المجتمع وقفت له بالمرصاد وسارعت بتعيينه فى الإسماعيلية فى يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر سنة 1927 قبل ان تؤتى فكرته ثمارها فهى بلد نائية مجتمعها من العاملين لدى الإحتلال البريطانى توقعوا أن لا يكون له فيها نشاط دعوى أو سياسى أو إجتماعى ومن باب التعزية له عمل له أصدقاؤه حفلة وداع قبل سفره إلى هذا المكان النائى ليتسلم عمله الجديد بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية وهنا قال الشاعر :

خطت قدماه ارض البوادى * فنالت أرضها العز والشرف

وكانت قبلا تنام فى مهد صحراء * كسراب بقيعة ليس له أثر

فلما أتاها بسطت ذراعيها له  * وقالت يامرحبا بنور وجه قد سطع

أتيت وفى ركابك العز قد  ظهر * وعلْم تلوح بشائره يروى بإيمائه الظمأ إستيقظت من ثبات جهل أومرض  * وراحت تجنى شهدا من خبر

2

وكما قال صديقه محمد أفندي الشرنوبي :إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا في كل مكان ينزل فيه ونحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه وقد أخذت هذه الكلمات مكانها من نفسه ووقعت في موقعها الصحيح لينطلق بدعوته المباركة ويعمل على تحقيق حلمه الكبير وهو النهوض بالأمة وعودة الخلافة وأستاذية الإسلام للعالم .

نزل حسن البنا مدينة الإسماعيلية يتحسس موقع قدميه على الأرض فكانت له وقفة عند وصوله إلى المدينة الجديدة ليتفحص أحوال البلد ويتأمل هوية سكانها قبل أن يبدأ دعوته وهى صفة لازمه لكل مصلح أو داعية يسوءه وضع بلده كي يحدد طريقه جيدا كما يحدد ساعة البدء والكيفية التى ينطلق بها للعمل الإصلا حى أو الدعوى فلما وصل إستهواه النظر إليها من فوق قنطرة السكة الحديدية يستجلى حقيقتها ليعرف كيف يتعامل مع سكانها وبدا رجالها  شبابا وكهولا  كأروع ما يكون نقاء وطهارة لم تلوثهم المدنية بعفنها الأخلاقى وكانوا على الفطرة التى تسبغها الصحراء على سكانها هكذا كانت بدايته مع الأسماعيلية ولذلك سبح بفكره فى خيال المدينة الفاضلة التى حاول الفلاسفة إقامتها على الأرض وفشلوا لإختلاف الطباع والعادات والتقاليد والأخلاق التى تختلف بإختلاف البيئة مما يعنى انه لا بد من وجود سلطة لتطبيق القانون على الذين لا يلتزمون بالفضائل وينحرفون عنها ولردع المخالفين الذين لا يردعهم القرآن.

%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7

جاء الشاب حسن البنا  كأسد غضنفر ليغزو المدينة التى خبت فيها مقاومة الأعداء وخدموا عندهم تحت ضغط الحاجة والفقر التى زرعها الإحتلال بواسطة الإقطاع الذى إحتقر الشعب المصرى ونظر إليه نظرة دونية على إعتبار انهم سادة البلد وهؤلاء عبيدها ولذلك أطلقوا كلمة خواجة على كل شخص من المحتلين والتى تعنى السيد وأصبحت كلمة فلاح المعيار للتخلف والفقر والعبودية ووقف الشاب حسن البنا محاولا أن يستكنه الغيب ويرجو من الله عز وجل التوفيق فى مهمته التى بدأها منذ أن كان صبيا لا ينفك عنها وكبرت معه الآمال العراض فى إيقاظ هذه الأمة الغافلة وراح يستكشف طبيعة البشر فى هذه المدينة فإستطاع أن يعرف كثيرا من أنباء سكانها الدينية وظروفها الاجتماعية أثناء تردده على المسجد فوجد أن الخلافات تدب بين رواده فمن المعروف أن البداوة طابع يغلب على سكان الصحارى ولا يتسع المجال للفكر كثيرا إذ يقتنع الناس بقضايا الدين وأوامره دون مناقشة تفاصيله أو حيثياته ولا يطيقون مخالفتهم فيما يعتقدوه فإذا ظهرت قضايا جديدة يحتاجون إلى من يقننها لهم أو يضموا جوانب العقل على ماسمعوه دون أن يتطلعوا إلى زيادة فى العلم فبرزت هذه المشكلة الضخمة أمام ناظرى الشاب ورآها قد تحد من إنطلاقته لأنه لو قال برأى قد يتفق فيه مع إحدى المجموعات التى إنقسم إليها المجتمع ستعتبره المجموعة الأخرى منحازا لمخالفيها ولربما عدُّوه عدوا وقاوموه فيقف هذا عائقا أمامه كداعية لأن البلد ستنشطر نصفين نصف معه ونصف عليه فى الوقت الذى إحتاج فيه إلى تآلف القلوب ووحدة الناس ليصنع أنصارا يتولون معه الدعوة إلى جانبه ويحتاج لشعب ناهض يأبى الإحتلال والضيم ويقاوم الإحتلال وهداه تفكيره أن يعتزل هذه الفرق وأن يبتعد ما استطاع عن الحديث إلى الناس في المساجد لأن جماهيرها يثيرون الخلافات الدينية والفقهية ولايكفون عن إثارتها فى كل مناسبة مما يشيع الخصومات فى النفوس ورأى أن يتجه بدعوته إلى جمهور المقاهي وهو الجمهور العريض الذى لا يطرق المساجد وإكتفى بالجلوس على المقاهى لتمضية الوقت .

%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af-%d8%ad%d9%81%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7-%d8%ad%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b4%d9%87%d8%af-%d8%ac%d8%af%d9%87

وهي فكرة عبقرية جربها في القاهرة ووجد لها أثرا طيبا وضمنت له إلتفاف الناس حوله ومثلت أمام عينيه تجربة  لمدرس إسلامى سبقه إلى الإسماعيلية واطلع على أهلها بنظرات في الفكر الإسلامى بدت غريبة أمام معظم الناس لأنه لايعلم أن سكانها يتمتعون بأمية دينية كبيرة ولا يقبلون الأفكار الجديدة ويتمسكون بالأفكار التى درجوا عليها ولذلك قاومها بعض العلماء وفى نفس الوقت أخذ يفكر كيف يواجه هذا الإنقسام الذى إرتدى ثوب العصبية والإستبداد بالرأى لأن كل فريق يريد أن يغلب رأيه على رأى الفريق الآخر طمعا فى ضم مجموعة من الفريق المخالف له والشاب حسن البنا يريد أن يخاطب الجميع ويتصل بهم للم الشمل فهدفه الأكبر ليس فقط وأد الخلاف الدينى الذى يمزق الأمة ويجعلها فرقا تعادى بعضها بعضا وينتج عن ذلك إنقسام بين الناس والتحيز لآراء وأفكار لا تجتمع عليها القلوب ولا تتحقق معها الوحدة المنشودة .

وهذا هو ما روج له الإحتلال البريطانى فكل مصلح يريد أن يغير من الأوضاع التى رسخها الإحتلال فى الناس يسارع الإحتلال بتجنيد من يثير قضايا خلافية فى علم الكلام أو فى الفقه أو فى التوحيد ليمزق الناس شر ممزق ويجعل بينهم خصومات شديدة وهذا ماحدث عندما إلتفتت الدول الصهيوصليبية إلى ولايات الدولة العثمانية  لضربها من الخلف بعد أن عجزت عن التغلب عليها وجها لوجه فجندت بريطانيا آل سعود ليقوموا بمهمة تمزيق الدولة العثمانية ولأن الإسلام يحرم قتل النفس على إطلاقها فقد لزم ان يصنعوا فقيها ليخوض فى المسائل الخلافية لكى يظهر ان المسلمين بكافة أشكالهم وطوائفهم كفار ويستوجب قتلهم فلا ينحرف على آل سعود  قبائل نجد التى تحارب تحت رايتهم فأقاموا المذابح للحاميات العثمانية فى مكة والمدينة وطردوا حكامهما الأشراف وبعد الإنتهاء من هذه المهمة إتجهوا إلى العراق بحجة وجود عبدة الأضرحة والمقابر وأوقعوا مذبحة مروعة فى اهالى البصرة والحامية العثمانية هناك لكى تسيطر بريطانيا على رأس الخليج العربى ثم بدأ آل سعود تجند من ابناء البلد دعاة للسلفية لإستقطاب الشباب الأمى الذى يتعصب لدينه ولا يعرفون أمور دينهم لضرب الإستقرار وإثارة القلاقل والفتن بنشوب النزاع بينهم وبين الطوائف الأخرى.

ولذلك ترك حسن البنا المسجد وأهله وإختار المقاهى وجمهورها الذين لم تلوثهم الخلافات وركز على ثلاث مقاهى كبيرة يتجمع فيها أعداد ضخمة من الناس ورتب لكل منها درسين في الأسبوع لأنه عرف يثاقب نظره أن هذا البلد تغلب عليه النزعة الأوربية إذ تحيط به المعسكرات البريطانية من غربيه وتكتنفه مستعمرة إدارة شركة قناة السويس من شرقيه وهو محصور بين هذا وذاك ومعظم أهله يعملون في هاتين الناحيتين ويتصلون بالحياة الأوربية من قريب وتطالعهم وجوه حياتها  في كل مكان ولكن رغم هذا عرف أن الناس لديهم  شعور إسلامي قوي والتفاف حول العلماء وتقدير لما يقولون وقالوا مع القائل أحب الصالحين ولست منهم وأرجوا الجنة من صحبتهم وأدعوا الله أن أحشر فى ذمرتهم هكذا رأى حسن البنا أن الدعوة فى المقاهى التى يرتادها الناس بكثافة أفضل من الدعوة فى المساجد التى لا يرتادها إلا عدد قليل من كبار السن بالإضافة إلى وجود الفرق المتنازعة فى ساحتها  فالحكمة تقتضي أن يبتكر الداعية أسلوبا يتفق مع الظروف الإستثنائية وربما بطريقة مختلفة عمن سبقوه .

وقد بدأ هذا اللون من ألوان الوعظ  على طريقة التدريس الدينى غريبا في نظر الناس إذ لم يألفوا هذه الطريقة المستحدثة ولم يعهدوها من قبل لأن نظام الوعظ من قبل لم يكن على هذا النمط إذ كان على الداعية أن يُصْحبه يالترهيب والترغيب ويكتفى بأن يحذر من يرتكب الخطايا من عذاب أليم أو يحثهم على شيىء يستحسنه النظام او الإحتلال ثم ينتقل إلى الرأى الفقهى وينتهى الوعظ دون فائدة حقيقية أو تاثير فى النفوس ولا يتطرق إلى علاج أمراض المجتمع لكن حسن البنا  كان يتحدث فى المسالة بشكل رائع يأخذ بالألباب ويوفيها حقها ويقدمه بشكل فريد يتحرى فيه الأسلوب فيجعله سهلا جذابا مشوقا ويستخدم العامية فى شرحه وهى التى يفهمها أغلب الناس ويطبق هذا على المجتمع فيجلس كجراح ماهر متمكن قابض على المشرط ليخرج للناس الأمراض الخبيثة أما م ناظريهم فيفهموا عيوبهم دون أن يجرحهم والتى كانت خافية عليهم بسبب الأمية الدينية ورواج الفساد الذى زرعه الإحتلال البريطانى والذى بدا للناس أمرا عاديا وعنذئذ تكون طرق العلاج سهلة فمن عرف العيب سهل عليه العلاج ومزج هذا بالروحانية وبالمحسنات والأمثال والحكايات فى أسلوبه فلا يترك الموضوع إلا وافيا وواضحا في عقول السامعين وساهم فى هذا  أنه حين يعرض موضوعا يعمل على الإبتعاد عن الخلافات المذهبية وتجنب التفاسير الإصطلاحية والتعليقات الفنية ويكتفي بالمعنى مراعيا عوام الناس ولا يعرض لتجريح أو تعريض كما أنه لم يهاجم المنكرات ولا يتعرض لمرتكبى الآثام فقد كان كل همه أن يجذب النفوس إليه فيحدث يقظة دينية هذه اليقظة هى التى ستجعل الناس يقبلون على مقاومة الإحتلال والتخلص من الطغيان والقضاء على الفساد ثم لم يلبثوا أن الفوا هذه الطريقة التى كان يدع فيها شيئا من التأثير على هذه النفوس بمحاولته جعل الحديث فى الخطاب عاميا فى كثير من الكلمات باعثا الرغبة والشوق في نفوس السامعين.

وحين يدلل على صحة كلامه بآية أو حديث يتخير تخيرا مناسبا ثم يقرأ قراءة خاشعة ثم يتجنب التفاسير الإصطلاحية والتعليقات الفنية ويكتفي بالمعنى مما جعل الناس يقبلون عليه خاصة أن إلقاء الدرس لا يتعدى ربع ساعة .

فكان لهذا المسلك أثره في الجمهور الإسماعيلى فأخذ الناس يتحدثون عن الشاب الذى تنحدر من فمه الدرر ويتساءلون عنه وكيفية لقانه ويستعلمون عن المقهى الذى يشرفها بالحضور ليحصلوا منه على زاد الروح فسارعوا بالإقبال على هذه المقاهي ليستمعوا له فوجدوه داعية ربانى يقطر فمه شهدا وعلم راسخ وعملت هذه الدروس الدينية عملها في نفوس المستمعين فكثرت الجموع وخاصة المواظبين منهم على الحضور إلى حلقات الدرس وقد سر أصحاب المقاهى منه فيوم وجوده يوم عظيم لهم إذ يتدفق الدخل عليهم فأخذ الناس يفيقون من غفلتهم ويفكرون فى أمر دينهم الذى أهملوه ثم تدرجوا بعد ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوه ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم وليضمنوا النجاة فى يوم الحساب والفوز بالنعيم .

هذا هو الهدف الذى أراد حسن البنا الوصول إليه وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذبا لانتباههم وإسترعاء لقلوبهم وانتظارا للفرصة السانحة وتهيئة للنفوس الجامحة.

بالحكمة والصبر في الدعوة وترك النتائج لله وحده فما على الإنسان إلا السعى وما أن وجد منهم مجموعة قد إستوى في قلوبهم الإيمان ورسخت فى عقولهم الفكرة التي هدف الشاب حسن البنا إلى إيقاظها في القلوب حتى أدرك أنهم تهيأوا للعمل بعد أن غسل قلوبها من همزات الشياطين ونفوسها من الوسواس الخناس وزرع فى الناس الشوق للعمل من أجل الله وفى معيته الوطن عندئذ تحول الشاب حسن البنا من الجانب النظرى إلى الجانب العملى فطلب منهم أن يختاروا مسجدا يجتمعون فيه ليعلمهم ماذا يفعلون ويقع اختيار الشباب على مسجد قديم مهجور بجوار هذه المقاهي لايصلي فيه أحد ليعطى فيها دروسه وهو عبارة عن زاوية نائية في حاجة إلى شيء من الترميم والإصلاح للاجتماع فيها ولإقامة الصلوات والقيام بالدروس العملية وبذلك تهيأ للشاب حسن البنا المكان ستنطلق منه الدعوة كما أنه أشعر مريديه بالخصوصية بأن لهم موطنا خاصا لتغذية الروح وهو المعبر عن الهوية الإسلامية فعندما سمحت الحكومة الصينية للمسلمين فى الصين بتجديد المسجد القديم الذى تهدم بفعل الزمن قام رجل أعمال صينى مسلم بالتبرع بمبالغ ضخمة رغم أنه لم يذهب للصلاة فيه قط فسالوه بدهشة لم تتبرع وأنت لم تدخله قط ولم تصلى فيه فقال عندما تهدم المسجد شعرت بأننى تاله لا هوية لى والآن بعد بنائه إسترديت هويتى وانطلق شباب الإسماعيلية وفيهم أهل المهن المتخصصين فى المعمار بكافة جوانبه المختلفة إلى هذه الزاوية بكل حماس يرممونها، ويستكملون أدواتها وقاموا بإصلاحه في ليلتين إثنتين وإستطاعوا أداء المهمة على أكمل وجه من شدة حماسهم وانعقد بالزاوية أول إجتماع.

كان معظم المجتمعين فيه حديثي عهد بمعرفة أحكام الإسلام وتهفوا نفوسهم الظمأى إلى معرفة أمور دينهم ولا شك أن الدين مكون أساسى للشعوب يبعث على الحماس الشديد لأى عمل يقوده داعية أو فقيها أو حكيما أو مصلحا مخلصا لله إخلاصا كاملا وقد سرهم أن يكون معهم هذا الداعية الذى مزج الدين بشؤون الحياة وكلاهما لا ينفك عن بعضهما البعض لأن الدين هو أصلا لتنظيم الحياة وهو الدستور الذى تنضبط معه معايير الكون وبدون الدين تصبح حياة الإنسان بلا روح فكما أن الحياة تقوم على الجانب المادى فلابد من الجانب الروحى لكى لا تفقد توازنها ورغم ان هؤلاء الناس لا يعرفون أمور دينهم إلا أنهم إنجذبوا إلى هذا الداعية ليعيد لهم التوازن المفقود ومع أن هذا الداعية كان يجيب على كافة الأسئلة التى تطرح أثناء جلسات الدروس إلا أن الجانب الروحى لحياة الإنسان يحتاج لمنهح تطمئن به وتسير عليه فى هذه الحياة المضطربة التى تعتورها الأزمات والفساد والنظريات الفلسفية التى تقوم على المنهج المادى.

ولذلك بدأ يعلمهم أحكام الإسلام التى لا بد منها للمسلم حتى يكونوا على بينة من أمرهم فكان هذا المسجد هو الموطن الذى ينتمون إليه  ليتدارسوا هذه الأحكام فسلك بهم حسن البنا كمدرس مسلكاً عملياً بحتاً ولم يعمد إلى العبارات يلقيها أو إلى الأحكام المجردة يرددها ولكن أخذهم إلى الدروس العملية وهى الأهم لأنها ترسخ الأحكام فى العقول وتفقهها القلوب ومنها تعليمهم كيفية الوضوء فمهما قال للناس أسبغوا وضوءكم أو أحسنوه فلن يفهموا كيف يكون الإسباغ أو الإحسان ولذلك أخذهم إلى صنابير الماء وصفهم صفاً ووقف فيهم موقف المرشد حتى أتموا وضوءهم ثم دعا غيرهم ثم غيرهم وهكذا أصبح الجميع يتقنون الوضوء عملاً ثم أفاض معهم في فضائل الوضوء الروحية والبدنية والدنيوية وشوقهم فيما ورد في مثوبته من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل قوله : ( من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلى ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة ) فيثير بذلك شوقهم ويرغبهم فيما ندبهم الله له ثم ينتقل بهم بعد ذلك إلى الصلاة شارحا أعمالها مطالبا إياهم بأدائها عمليا أمامه ذاكرا ما ورد في فضلها مخوفا من تركها وهو في أثناء ذلك كله يستظهر معهم الفاتحة، واحدا واحدا ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور سورة سورة مقتصرا في حديثه إياهم على الكيفيات المشربة بالترغيب والترهيب لا يحاول أن يفرع المسائل أو يلجأ إلى المصطلحات الغامضة حتى رقت للأحكام قلوبهم ووضحت في أذهانهم، ولم تعد هذه الناحية الفقهية البحتة تبدو خشنة جافة فإستحق لقب المرشد عن جدارة“.

وبذلك إنطلق الداعية الرباني في الدعوة وكثر الرواد ولم يكتف بهذا بل إستمر في دروس المقاهي الثلاثة بعد العشاء لا يكل ولا يمل كأنه خلق لهذه المهمة وكان هذا الشاب النشط الذى يتدفقث حيوية قد نقل الدرس إلى زاوية أخرى وفيها إجتمع هذا النفر من طلاب العلم يتدارسون آيات الله والحكمة في أخوة وصفاء تام. ولم يمض وقت طويل حتى إشتهر حسن البنا كمرشد وإشتهر المسجد الذى يلقى فيه دروسه وذاع نبأ هذا الدرس الذي كان يستغرق ما بين المغرب والعشاء وبعده يخرج إلى درس القهاوي حتى قصد إليه كثير من الناس وفى ركابهم هواة الخلاف وأحلاس الجدل وبقايا الفتنة الأولى.!!

فالشيطان لايترك الداعية يثمر عمله بل يأتي بدعاة الخلاف اليهم وهم مجندين من قبل الإحتلال دلنا على انهم من أدعياء السلفية المجندين للإحتلال الصهيوصليبى عن طريق آل سعود ماذكره حسن البنا نفسه إذ يقول : وفي إحدى الليالي شعرت بروح غريبة روح تحفز وفرقة،!! ورأيت المستمعين قد تميز بعضهم من بعض حتى في الأماكن ولم أكد أبدأ حتى فوجئت بسؤال: ما رأي الأستاذ في مسألة التوسل؟ فقلت له:   يا أخي أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وفي لفظ السيادة للرسول في التشهد، وفي أبوي النبي وأين مقرهما وفي قراءة القرآن وهل يصل ثوابها إلى الميت أو لا يصل وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل الطرق الصوفية الذين يقومون بذكر الله وهل هي معصية أو قربة إلى الله !!

وأخذت أسرد له مسائل الخلاف جميعا التي يثيرها السلفية والتى كانت مثار فتنة سابقة وخلاف شديد فيما بينهم فاستغرب الرجل وقال: نعم أريد الجواب على هذا كله !! فقلت له: يا أخي لست بعالم، ولكني رجل مدرس مدني أحفظ بعض الآيات وبعض الأحاديث النبوية الشريفة وبعض الأحكام الدينية من المطالعة في الكتب وأتطوع بتدريسها للناس فإذا خرجت عن هذا النطاق فقد أحرجتني ومن قال لا أدري فقد أفتى  فإذا أعجبك ما أقول ورأيت فيه خيرا فاسمع مشكورا وإذا أردت التوسع في المعرفة فسل غيري من العلماء والفضلاء المختصين فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد وأما أنا فهذا مبلغ علمي ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها فأخذ الرجل بهذا القول ولم يجد جوابا وأخذت عليه بهذا الأسلوب سبيل الاسترسال .

وإرتاح الحاضرون أو معظمهم إلى هذا التخلص ولكن حسن البنا لم يرد أن يضيع الفرصة فأسرع بالإلتفات إلى مريديه وقال  لهم: يا إخواني أنا أعلم تماما أن هذا الأخ السائل وأن الكثير من حضراتكم ما كان يريد من وراء هذا السؤال إلا أن يعرف هذا المدرس الجديد من أي حزب هو أمن حزب الشيخ موسى أو من حزب الشيخ عبد السميع !! وهذه المعرفة لا تفيدكم شيئا وقد قضيتم في جو الفتنة ثماني سنوات دون أن تصلوا لأى حسم أوحلول لها وفيها الكفاية وهذه المسائل إختلف فيها المسلمون مئات السنين ولا زالوا مختلفين والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة ويكره منا الخلاف والفرقة فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة وإرشاداته المجمع عليها ونؤدي الفرائض والسنن وندع التكلف والتعمق حتى تصفو النفوس ويكون غرضنا جميعا معرفة الحق لا مجرد الانتصار للرأي وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معا في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص وأرجو أن تتقبلوا مني هذا الرأي ويكون عهدا فيما بيننا على ذلك.

وقد كان فاصبح للجماعة عهدا منذ هذه اللحظة تأخذه جماعة الإخوان على المريد الذى يريد الإنتساب إليها أو ينضم لها كأنه طقس يتعهد فيه المريد بأن يكون مخلصا لله ورسوله ويدعوا للإسلام ويعمل على رفعته ويرعى الجهاد ولو بالكلمة ويحافظ على جماعة الإخوان المسلمين ولم يخرجوا من الدرس إلا وهم متعاهدون على أن تكون وجهتهم التعاون وخدمة الإسلام الحنيف والعمل له يدا واحدة وطرح معاني الخلاف وإحتفاظ كل برأيه فيها حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا ولذلك جمع شعار الإخوان فيما بعد كتاب الله فى قمة الشعار أى ان كتاب الله هو الدستور الذى تسير عليه الجماعة ومن تحته سيفان أى الدعوة للجهاد وعن يسار السيفين كلمة السلفية الحقة التى تركها لنا السلف الصالح واللتى أقامت دعائم الدين وليس سلفية الفتن والمؤامرات التى يسيرها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب تحت شعار السلفية والذى إنكشف أمرهم عند الإنقلاب فبدوا هم والكنيسة الصهيونية يدا واحدة تحركهم الصهيوصليبية لضرب الوحدة الوطنية وعن يمين السيفين الصوفية التى تنقل الإنسان من عالم المادة إلى عالم الروح فلا خير فى دين لا يهتم بتقديم الزاد للروح .

وإستمر درس الزاوية بعد ذلك بعيدا عن الجو الخلافي وتميز بالتسامح وإحترام الآراء الخلافية فيما بينهم كل هذا بفضل عبقرية هذا الشاب بتوفيق الله وتخير بعد ذلك في كل موضوع معنى من معاني الأخوة بين المؤمنين جعله موضوع الحديث أولا تثبيتا لحق الإخاء في النفوس كما إختار معنى من معاني الخلافيات التي لم تكن محل جدل بينهم والتي هي موضع إحترام الجميع وتقدير الجميع، طرقه وإتخذ منه مثلا لتسامح السلف الصالح رضوان الله عليهم ولذلك كرهه السلفية كرها شديدا لأنه أوضح أن التدين الحق لا يعنى بالخلافات التى لا تمس أساس العقيدة وهم الذين يريدون العمل بها لضرب المسلمين وإثارة القلاقل والفتن فى البلاد التى تقاوم النفوذ الصهيونى برعاية آل سعود وأموالهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى