تقارير وملفات إضافية

دبي إفريقيا.. آبي أحمد يضع خططاً مبهرة لأديس أبابا، ولكن لماذا غضب الإثيوبيون من الصفقة الإماراتية؟

قالت وينشيت فانتا لي، وهي تمشي متمهلة على قضبان السكة الحديدية الصدئة في تنورة زهرية طويلة، مستعيدةً الوجه القديم للمدينة: «هل تعلم، كانت العادة أن يكون هناك كثير من المتاجر في هذا المكان، ونساءٌ يبعن الخبز والشاي». على الجانب الآخر من الطريق ساحة تغطيها بقايا آلات مختلفة لا حصر لها، إذا يبدو أن الإثيوبيين سيدفعون محاولة جعل أديس أبابا دبي إفريقيا. 

«وكان هناك مستودع للنفط، لكنه أُغلق الآن. يقولون إنه سيتحول إلى متحف وسيقام متنزه حوله». لتعود الأم التي دخلت في عقدها الخامس، مشيرةً بنظرها نحو الأرض الفضاء خلف المحطة: «وهذه، إنها دبي الآن».

لعقود من الزمان، كانت «لا غار» (La Gare)، محطة القطارات المركزية في أديس أبابا، التي يعود تاريخ إنشائها إلى نحو 101 عام، قد أمست مكاناً منسيّاً غفل عنه الزمان، تعشش بجدرانه بيوت العناكب والحشرات، في الوقت الذي أخذت فيه المباني الشاهقة التي برزت بالعاصمة الإثيوبية، تحيط بها في السنوات الأخيرة. لكن في الآونة الأخيرة، أخذ كل هذا في التغير.

والإمارات لها دور كبير في هذا التغيير الذي يشجعه رئيس وزراء إثيوبيا أحمد، الحائز جائزة نوبل للسلام مؤخراً، ولكنها تغضب كثيراً من الإثيوبيين، حسبما ورد في مقال نُشر بصحيفة The Guardian البريطانية لتوم غاردنير، الصحفي المقيم في أديس أبابا، ويغطي شؤون إثيوبيا والقرن الإفريقي.

طراز العمارة الرومانسكية يُبرز اسم شركة عقارية تتخذ من أبوظبي مقراً لها، «إيجل هيلز» (Eagle Hills)، مكتوباً بلون ذهبي لامع. وترفرف أعلام الشركة على طول الطريق المؤدي إلى المدخل الذي تحرسه الشرطة. وقد بات فندق المحطة العريق، Buffet de la Gare، الذي هُدم وأزاحت بقاياه الجرافاتُ الشهر الماضي، كومة من ركام تنتظر الإزالة. تقول وينشيت إن منزلها هُدم أيضاً.

في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي حصل مؤخراً على جائزة نوبل للسلام؛ على أثر إبرامه اتفاقية سلام مع إريتريا بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في أبريل/نيسان من العام الماضي، ومساعده في العاصمة، نائب عمدة المدينة تاكيلي أوما، تخضع أديس أبابا لأكثر عمليات تجميل وجهها جذريةً في جيل واحد، متخذةً من موقع المحطة القديم نقطةَ المركز الأساسية.

ستكون المحطة مرتكزاً لمشروع تطوير هائل، سُمي أيضاً على اسمها «لا غار» (La Gare)، في قلب المدينة، يضم مراكز تجارية ومكاتب وفنادق 5 نجوم، ومباني سكنية تشمل أكثر من 4000 شقة فاخرة، محاطة بمتنزه جميل، وكذلك، نظرياً، مخططات لوحدات سكنية منخفضة التكلفة تستوعب السكان المقيمين حالياً في موقع المشروع.

على مساحة 36 هكتاراً (89 فداناً)، وبتكلفة تصل إلى 1.8 مليار دولار (1.4 مليار جنيه إسترليني)، كان مشروع إيجل هيلز المشروع الأكبر والأكثر تكلفة من نوعه في تاريخ البلاد، عندما أُعلن عنه في العام الماضي. غير أن ثمة مشروعاً آخر على وشك أن يتجاوزه الآن: وفقاً لتاكيلي، فإن هناك شركة صينية قررت استثمار 3 مليارات دولار في مشروع إقامة مجمع سكني راقٍ على مساحة 37 هكتاراً (91.4 فداناً)، بمنطقة غوتيرا في أديس أبابا. ويزعم تاكيلي أن هناك مزيداً من المشاريع في الطريق، مشيراً إلى الاهتمام المحتمل من مستثمرين أوروبيين وأمريكيين وأتراك.

في وقت سابق من هذا العام، لمَّح آبي إلى إعادة تشكيل أُفق العاصمة (capital’s skyline) –الذي يغلب عليه الآن مزيج من مجمّعات رتيبة موحدة اللون على الطراز السوفييتي، وبنايات صينية أحدث رخيصة التكلفة- ليصبح شيئاً أقرب إلى ناطحات السحاب اللامعة والأبراج الشاهقة في حواضر الخليج.

وقال لصحيفة Financial Times: «إذا أمكننا تغيير أديس، فبالتأكيد يمكننا تغيير إثيوبيا»، مضيفاً أنه في أول أيام عمله رئيساً للوزراء، أمر بإجراء تغييرات وتعديلات تضفي لمعاناً وحداثة على مكتبه.

على مدار سنوات، كانت أديس أبابا تشبه موقع بناء، تئنُّ تحت وطأة هياكل خرسانية عملاقة وشاحنات الإيسوزو المتهالكة تقطع شوارعها، لكن الآن، وفقاً لرئيس البلدية، غدا شعار المدينة ومسعاها هو «الاخضرار» و «التجديد».

يقول تاكيلي: «بعد أن تولينا المسؤولية قلنا: بدلاً من بناء مبانٍ جديدة، ووضع أسس بنية جديدة، فلنبدأ بتجديد وصيانة البنية التحتية الحالية للمدينة»، ليستدل بأن هناك 448 مدرسة عامة و13 مستشفى حكومياً يجري تجديدها حالياً.

ولكن هناك ما هو أكثر بكثير من مجرد موجة من البناء في هذه الإصلاحات. فخلال الأسبوع الماضي، افتُتح قصر الإمبراطور مِنِليك الثاني، الذي أسس المدينة في أواخر القرن التاسع عشر، لزيارة الجمهور كمتحف وحديقة.

وقريباً كذلك، ستُفتتح حديقة للحيوانات: مشروع لرعاية الحيوانات الأليفة عرّف به رئيس الوزراء في وثائقيٍّ مدته 40 دقيقة، بُث على التلفزيون الحكومي الشهر الماضي. إلى جوار ذلك، سيكون مبنى المكتبة الوطنية الجديدة الذي سيتكلف 58 مليون دولار، ويقول تاكيلي إن سعة استيعابها ستبلغ 3500 مقعد.

علاوة على ذلك، كشف رئيس الوزراء الإثيوبي، في فبراير/شباط الماضي، عن خطط مستقبلية لتحويل 31 هكتاراً (76 فداناً) من ضفاف الأنهار القذرة المليئة بالقمامة والمخلفات إلى حدائق عامة ومسارات للدراجات، وشرفات متسعة مطلّة على المياه، تتمتع فيها بخدمات المقاهي والمطاعم في الهواء الطلق. 

وعلى الرغم من توافر خطة إعادة تأهيل أخرى أكثر تواضعاً كانت في طور الإعداد منذ عدة سنوات، فإن هذه النسخة الجديدة التي يجري العمل فيها على قدم وساق، والمعروفة باسم مشروع «تجميل شيغر» (Beautifying Sheger) الذي جرت تسميته تأسياً بلقب المدينة، يقال إنها مبادرة شخصية يقودها آبي بنفسه. من المخطط أن تبلغ تكلفة المشروع مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، وقد بدأت شركة صينية العمل بالفعل في أول 12 كم من المساحة المخطط لها.

على الجانب الآخر من مبنى البلدية، الذي يخضع أيضاً لعملية تجديد تبلغ تكلفتها 54 مليون دولار، افتُتح «مركز أدوا» (Adwa centre): وهو مجمع ترفيهٍ عام بتكلفة 156 مليون دولار، صُمِّم لإحياء ذكرى انتصار إثيوبيا على الإيطاليين في عام 1896. 

مركز أدوا، الذي سيضم متحفاً ومكتبة وقاعة مؤتمرات وسينما، سيُقام على مساحة 600 هكتار (1482 فداناً) من الأراضي غير المنتفع بها التي أخذت السلطات تستردُّها من المستثمرين منذ عام 2018.

وهناك قطعة أرض ضخمة من هذا النوع، تقع بالقرب من فندق شيراتون، وتعود ملكيتها أيضاً كأرض مركز أدوا إلى رجل الأعمال السعودي الإثيوبي محمد حسين العمودي، ستُحوّل إلى حديقة عامة. 

ومن المقرر إنشاء حديقة أخرى، مع مسارات للصعود وركوب الخيل، في «جبل انطوطو» القريب، وستتكلف 51 مليون دولار.

الأرقام مثيرة للاهتمام، وقد أثارت انتقادات في بعض الأوساط. يقول المهندس المعماري بيسرات كيفلي: «حجم المشاريع الهائل يثير الخوف بعض الشيء، خاصة إذا نظرنا في المشكلات الحضرية الكبيرة في المدينة بالفعل».

مؤيدةً كلامه، تقول إيزانا حدّيس، وهي مخططة حضرية في جامعة مانشستر: «بالطبع من المهم تنظيف أنهارنا، لكن المشكلة تكمن في الأولويات ذاتها. نحن بحاجة إلى القيام بهذه الإصلاحات تدريجياً، وليس على هذا النطاق».

في حالة مشروع Beautifying Sheger، على سبيل المثال، تعهدت الصين بسداد ربع تكاليف المشروع. وسيتم سداد جزء آخر من التكلفة المتبقية، من خلال حملة » Dine for Sheger» التي دعا إليها آبي، وهو حفل عشاء فخم لجمع التبرعات، أُقيم بقصر مِنليك في شهر مايو/أيار الماضي، حيث دفع الضيوف مبلغ 17.500 دولار لكل واحد منهم مقابل الحضور.

أما المشروعات الأخرى، فيقول تاكيلي إن التكاليف ستغطيها ميزانية المدينة، ويشير إلى أن إدارته تعمل أيضاً على إنشاء منظومة نقل عام للحافلات السريعة، فضلاً عن خطط طموحة لإصلاح إمدادات المياه في العاصمة، من خلال بناء سدين خارج المدينة، بتمويل من «البنك الدولي» و «بنك التصدير والاستيراد» Exim الصيني. وقال إن استثمارات للقطاع الخاص ستُستغل في بناء نظام جديد للجسور بالمدينة، ليساعد في تخفيف حركة المرور، كذلك لتوفير مساكن منخفضة التكلفة ستقام على مساحات 1000 هكتار (2471 فداناً) من الأراضي في المناطق الداخلية من المدينة.

وهو يزعم أيضاً أنه عكس أسلافه، لن يترك أي شخص بلا مأوى ولا حتى سيُنقل إلى سكن اجتماعي على أطراف المدينة. إذ إن «الخطة الآن تتمثل في بناء مساكن بوسط المدينة، لكي يتمكن الناس من الوصول إلى كل شيء». ويقول إن المرحلة الأولى من التطوير في «لا غار»، ستكون بناء منازل جديدة لهؤلاء، أمثال وينشيت، الذين هُدمت أحياؤهم القديمة.

كما استحوذت الحكومة على حصة أقليةٍ في مشروعي «لا غار» و «غوتيرا»، وهو ما يقول تاميلي إنه يعني استثماراً للإدارة على المدى الطويل في المستقبل، إذ «إنه نموذج جديد للتنمية».

يذهب آبي، من جانبه، إلى مشروع Beautifying Sheger: «ليس تنمية، وإنما هو استثمار»، فهو يقول إنه سيؤدي إلى زيادة في الأراضي الحضرية بالمدينة، والتي من ثمَّ ستعود على الدولة، بصفتها المالك النهائي لجميع الأراضي في إثيوبيا، بالاستفادة والربح.

ومع ذلك، فليس الجميع مقتنعين. إذ ترى إيزانا أن «هذا النوع من المشاريع هو مشاريع للطبقة الراقية«، والتي من شأنها أن تفاقم اتساع الفوارق والعزل الاجتماعي، رغم وعود الحكومة بإعادة استيعاب وإسكان كل شخص من سكان المنطقة.

وتضيف أن «قلَّة قليلة من الناس من يمكنهم تحمُّل تكلفة العيش في هذه الشقق. ومن ثم فإن المتعهدين أو غيرهم من تلك الطبقة سيعودون ليشتروها منهم. أي إن قوى السوق ستُخرجهم منها».

في الوقت نفسه، قال سليشي دجيفا، من «هيئة أحواض الأنهار والمسطحات الخضراء» River Basins & Green Areas Agency، إنه من المحتمل أن يُنقل عدد من السكان يصل إلى 10 آلاف شخص، كجزءٍ من الجهود المبذولة لتنظيف الأنهار والمناطق المحيطة بها. واشتكى عديد من السكان، فقد قيل لهم إن منازلهم ستُهدم، وهم لا يعرفون ما سيحدث لهم في المستقبل.

أحد سكان الأحياء المخطط إخلاؤها والذي يضم 450 منزلاً تقع بالقرب من المكان الذي يُعتزم إقامة حديقة فيه، ويدعى ميكبب، يقول: «نحن لسنا راضين على الإطلاق، فهم لم يتشاوروا معنا. لقد تواصلوا معنا أول مرة قبل شهرين فقط، أتوا بنموذج لنملأه في غضون يومين. كان الأمر كله صدمة كبيرة لنا».

ثم إن هناك من يشعر بأنه، حتى لو كانت نوايا الحكومة إيجابية، فإن عدم التشاور مع خبراء أمرٌ مقلق. 

يرى بيروك تيرافي، وهو مرشح للدكتوراه في إدارة التنمية الدولية بجامعة أوكسفورد، أن «الطرح الحالي لإنشاء تلك البنية التحتية الكبيرة يعمد إلى تجاهل خطط موجودة بالفعل… واستبعاد خبرات مسؤولي إدارة المدينة يؤسس لسابقة خطيرة في إدارة الأمور». إذ إن الإدارة، على هذا النحو، تتصرف إلى حد كبير مثل الأنظمة الإثيوبية السابقة، رغم خطابها الجديد الذي يدّعي عكس ذلك.

على سبيل المثال، لا أحد يدري من أين خرج مشروع «لا غار»، الذي فوجئ به كل المهندسين المعماريين وصنّاع السياسات ومخططي المدن في إثيوبيا تقريباً. 

يبدو أن الصفقة أُبرمت في أعلى المستويات الدبلوماسية، بين آبي والحكام الإماراتيين، كجزء من حزمة من الاستثمارات التي تهدف إلى معالجة النقص الكبير في العملة الصعبة بإثيوبيا. حتى إن مكتب تخطيط المدينة لم يطَّلع على المشروع.

يصف المهندس المعماري ناحوم تيكل المشروعَ بأنه «تدخُّل يتعامل مع المدينة كما لو كانت مخططاً فارغاً أو أرضاً فضاء»، ويتجاهل النسيج الحضري الحالي للمدينة. 

تقع المحطة القديمة بالطرف الجنوبي من الشارع التاريخي الوحيد في أديس أبابا، مع إطلالة على طول مبنى بلدية المدينة على قمة تل يكشف المدينة بأَسرها. ومشروع «لا غار» سيحجب كل هذا برمّته.

يسأل ناحوم: «كيف يجرؤ شخص ما على منع هذا الأفق والمنظر التاريخي؟! هذا هو الفضاء الحضري الوحيد في المدينة!».

غير أن هذا لا ينتقص من حماسة تاكيلي للمشروع شيئاً، إذ بالنسبة إليه هو ورئيس الوزراء، يبدو أن الأمر يتمحور حول تحديث أديس أبابا، وأن هذا المسعى، مثله مثل المشروعات العملاقة الكبرى في تاريخ إثيوبيا، ينبغي للإثيوبيين الاحتشاد وراءه بوصفه رمزاً للفخر الوطني.

ويقول تاكيلي: «اسم أديس أبابا يعني (الزهرة الجديدة)، ونحن بحاجة إلى جعلها ترقى إلى هذا الاسم. أنا على يقين بأن هذه المدينة ستصبح يوماً ما إحدى أرقى المدن بإفريقيا، وفي العالم. لكننا نحتاج أن نبدأ الآن».

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى