آخر الأخباراقتصاد

خسائر كارثية تضرب الاقتصاد العالمي جراء تفشي كورونا كوفيد-19

بقلم الخبير السياسى والمحلل الإقتصادى

دكتور صلاح الدوبى

الأمين العام لمنظمة “إعلاميون حول العالم”

رئيس منظمة “إعلاميون حول العالم” فرع جنيف- سويسرا

رئيس اتحاد الشعب المصرى

“عضو مؤسس في المجلس الثوري المصري”

إن دخول أزمة فيروس كورونا على خطّ أزمات الاقتصاد العالمي زاد من حدتها ومخاطرها، وأدخل العالم في أجواءٍ قاتمة، لكنها لا تزال ناراً غير ملموسة الأثر بشكل حقيقي، بسبب وقوعها في ظل نارٍ أكبر وأكثر خطورة، وهي خطر الموت الذي يتهدد ملايين البشر جراء انتشار الوباء القاتل.

إن خطر الأزمة الاقتصادية الهائلة المنتظرة مع انتهاء أزمة كورونا لا يزال مؤجلاً أمام هول الخطر الداهم والأهم والأكثر هجوميةً وشراسة وآنية، وهو خطر لم يجر التفكير فيه بشكل عميق لناحية حجمه الحقيقي وأثره المتوقع، لكن رأياً متعاظماً حول العالم ينتهي إلى توقع تغيّر صورة العالم اقتصادياً بعد انتهاء موجة هذا الفيروس.

على الرغم من ذلك، كان الاقتصاد العالمي برمّته يتعرض لتراجع في نسب نمو معظم دول العالم، وقامت الدول الكبرى بمحاولات حثيثة شبيهة بسياسات الفدرالي الأميركي بخفض الفائدة، لتنشيط الاقتصادات التي تعاني من انخفاض على الطلب، ومن مشكلاتٍ أخرى تتعلق بانخفاض كبير في العائد الاستثماري لأسواق السندات بصورةٍ عامة.

لقد تراجع النمو في معظم دول العالم، وزادت سوءَ الأحوال المشكلات السياسية في الاتحاد الأوروبي، وبينه وبين بريطانيا، التي واجهت أضعف نمو اقتصادي في 10 سنوات خلال العام 2019، الأمر الذي خفض مؤشرات الاقتصاد الأوروبي كسوقٍ استهلاكية كبرى يعتمد عليها جزئياً الطلب العالمي، وبالتالي مؤشرات الاقتصاد العالمي الأخرى.

كما أن الكساد وغلاء الأسعار والحرب العالمية الجديدة بروح العصر، التي تجري أحداثها هنا وهناك، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، والتي اتخذت أشكالاً عديدة مختلفة، من المواجهة بالعقوبات، إلى الضغط السياسي والديبلوماسي، إلى مواجهات عسكرية غير مباشرة في الأزمات الدولية. كل هذه العوامل جعلت ظروف الاقتصاد العالمي أكثر تعقيداً، وأرخت بظلالها على مستقبله، في ظل تشابك شديد بين كل اقتصادات العالم والتداولات المالية المرتبطة بها، ليكون العام 2020 أكثر الأعوام صعوبة منذ زمنٍ طويل.

تجد التغيرات التي يشهدها عالمنا انعكاسها في التغير الدراماتيكي الذي يشهده نمط حياتنا اليومي. فخلال أقل من شهرين على تفاقم الأزمة أصبحت حياة ثلث سكان الكون، أكثر من 2.5 مليار نسمة محصورة بين مكان السكن ومتاجر الأغذية والمشروبات والمنظفات المنزلية والصيدلية. وبين ليلة وضحاها توقفت آلاف المصانع والمؤسسات ومعها عشرات الملايين عن العمل بخسائر يقدرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بنحو تريليوني دولار حتى الآم.

وفي المقابل أصبح على عشرات الملايين منا العمل من البيت بدلا من المكتب أو المكان الذي يوفره أصحاب العمل. وفجأة أصبحنا نعيش دون متاجر ألبسة ومطاعم ومقاهي وصالونات حلاقة وسياحة، في وقت تتحول فيه مراكزنا الحضرية إلى مدن أشباح.

هل تعود شريعة الغاب

في خضم هذه التغيرات يلوح في الأفق نمط أو نظام اقتصادي جديد على وقع العيوب القاتلة في النمط الحالي الذي يتعامل مع صحة الناس في معظم البلدان على أساس الربح والخسارة. وتظهر هذه العيوب أيضا في الغياب المريع للتضامن العالمي مقابل تعزيز النزعة القومية الأنانية حتى في بين دول تشكل أحلافا واتحادات كحلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

ومن الأدلة الكثيرة على ذلك تهم فرنسية وألمانية تفيد بأن واشنطن تقرصن شحنات طبية بأسعار خيالية سبق لجهات فرنسية وألمانية أن اشترتها قبل ذلك. على الصعيد الأوروبي لم تستفق بروكسل على النكبة الإيطالية بالفيروس لتقدم اعتذارها لروما على التقصير في تقديم عون أو مساعدة. وبدورها ترفض واشنطن رغم الأسباب الإنسانية رفع العقوبات عن تزويد إيران وفنزويلا وسوريا وكوبا ودول أخرى بمعدات طبية لمواجهة كورونا.

وحتى صندوق النقد والبنك الدوليين فهما شبه مختفيان عن ساحة التضامن التي خلت إلا من المساعدات الثنائية التي تقدمها ألمانيا وروسيا والصين وحتى كوبا الفقيرة لبعض الدول المنكوبة وفي مقدمتها إيطاليا.

غير أن أسوأ عيوب نمط الاقتصاد العالمي الحالي تلك المتمثلة في قيام الدول التي تخصصت بإنتاج وتصدير الحبوب والأغذية ومستلزمات الحماية الطبية بوضع قيود على تصديرها كما فعلت مؤخرا أوكرانيا وروسيا وفيتنام على صعيد الأغذية والولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى على صعيد المنتجات الطبية.

مصير الدول العربية

إذا كان مرض كوفيد-19 القاتل، الناتج عن فيروس كورونا المستجد، قد شلًّ الأنظمة الصحية في أوروبا، فإن “دول الشرق الأوسط التي دمرتها الحروب بالفعل تعد نفسها لكارثة”، بسبب الوباء.

وتشير تقديرات إلى أن 80 في المئة من سكان اليمن – أي نحو 24 مليون نسمة – يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويجب الانتباه إلى أنه في ظل ظروف اليمن الحالية والتى دمرتها حروب بن سلمان وبن زايد لأطماعهما فى ثروات اليمن يمكن أن ينتشر فيروس كورونا في أنحاء البلاد، حيث يعمل أقل من نصف المرافق الطبية الغير مجهزة وغير مدربة.

السؤال هنا، هل تستطيع الدول العربية التعلم من درس كورونا وإعادة الاعتبار للمنتج الزراعي والغذائي والصحي المحلي مهما كلف ذلك من ثمن؟ في الحقيقة كانت مصر وسوريا ولبنان والمغرب والجزائر ودول أخرى قبل عصر النفط تحقق الاكنفاء الذاتي في غالبية المنتجات الغذائية والحرفية.

اقتصاديات العالم العربي لاتكفيها ضربات الصراعات والنزاعات والحروب، حتى يطالها خطر فيروس كورونا الذي يواصل انتشاره في مختلف دول العالم. هذا الفيروس الذي يصيب الإنسان في غفلة من أمره ويهدد حياة الكثيرين دون سابق إنذار، وصل إلى معظم الدول العربية ومن بينها العراق والكويت والإمارات والسعودية ولبنان وتونس ومصر.

ورغم أن عدد الإصابات في هذه الدول مجتمعة ما تزال أقل من مثيلاتها في دول أخرى كإيران وكوريا الجنوبية وإيطاليا، فإن تبعات الفيروس على اقتصادياتها ستكون أيضا كارثية في فترة قصيرة مع استمرار انتشار الفيروس. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذا الفيروس المتسلل يوجه ضرباته القاسية وشبه القاضية للقطاعات الاقتصادية الواحد تلو الآخر وفي مقدمتها قطاعي السياحة والنفط. ويدل على ذلك خلو الفنادق وتوقف حركة السفر وإلغاء الأنشطة العامة والمعارض وإغلاق معالم سياحية في الدول التي أصابها الفيروس واستمرار تراجع أسعار النفط الخام إلى مستويات أقل من 50 دولارا للبرميل في السوق العالمية.

و تشكل أزمة كورونا فرصة لإعادة إحياء إنتاجها محليا التى دمرتها الأنظمة الشمولية والحكم الدبكتاتورى إلى جانب منتجات طبية وضرورية أخرى. وهنا يمكن أيضا البناء على تجارب مصرية وسورية وتونسية وخليجية ناجحة في زراعة التمور والزيتون والصبار والحبوب وإنتاج الأدوية. هذه التجارب يمكن الاستفادة منها في زراعة البقوليات والنباتات الطبية والزيتية والصناعية على أساس استغلال الأراضي الزراعية التي هجرها أصحابها بحثا عن العمل في المدن الكبرى كالقاهرة والدار البيضاء وبيروت ودمشق والعيش على أطرافها في أحياء عشوائية تفتقد لأبسط مقومات الحياة الصحية. أما الدعم الحكومي المالي والمادي اللازم لذلك ولقوة العمل الشابة في الأرياف فهو أقل بكثير من تكلفة أية أزمة كالتي نشهدها حاليا بسبب كورونا.

العمالة الخاصة الغير رسمية

يقطن الأحياء العشوائية وأحياء الصفيح التي تحيط بمدن كالقاهرة والدار البيضاء وبيروت وبغداد ودمشق وبيروت وغيرها عشرات الملايين الذي هجروا من أريافهم بحثا عن حياة أفضل. ويعمل القسم الأكبر من هؤلاء كعمالة غير رسمية وغير مستقرة بأجور متدنية وبدون تأمين ضد البطالة. ومما لا شك فيه أن أزمة كورونا ستسبب البطالة لهؤلاء أكثر من أي فئة أخرى بسبب الحجر المنزلي وتوقف الأعمال. وهو الأمر الذي سيدفع الكثيرين منهم إلى العودة إلى أريافهم أو التفكير في العودة إليها بهدف القيام بنشاط اقتصادي زراعي أو حرفي يساعدهم على كسب قوتهم اليومي.

أن الاضطراب الاقتصادي المفاجئ الذي سببه الفيروس الجديد مدمر بشكل كبير، فعلى سبيل المثال مجال صناعة السفر، هو مؤشر للخسائر التي ضربت القطاعات الاقتصادية.

فقد سببت المخاوف من انتقال العدوى على الطائرات، وإغلاق الدول لحدودها، ضربة كبيرة لقطاع الطيران، ورداً على ذلك، قلصت شركات الطيران الرحلات الجوية بشكل حاد لأنها تحاول الحفاظ على الجدوى التشغيلية والمالية، كما قامت بتسريح الموظفين.

إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الدول لمكافحة تفشي المرض مثل إغلاق الحدود والعزلة والحجر الصحي، مهمة لإنقاذ الناس، لكنها ستجعل الأمور أسوأ بالنسبة للاقتصاد، وأنها ستغلق قطاعاً اقتصاديا تلو الآخر.

وباء كورونا الجديد هو وباء مجتمعي بإمتياز! ينقله المجتمع وينشره الجهل ويقضى عليه بالوعي!. حينما ينهض العالم من أزمته ستراجع البشرية حالتها وتفهم حقيقتها وتدرك هشاشة وجودها وضعف كيانها!. بادئ ذي بدء، ستسأل الشعوب حكامها: أنتم المتقهقرون أمام عدو بائس غير منظور، يا من صنعتم عابرات القارات وغواصات البحر وناطحات السحاب… وحصنتم بعضكم ضد بعض فأخذتكم مجسات العظمة وغزاكم شبق الجبروت، وأنتم قادرون أن تتعايشوا مع بعضكم بروابط المودة والمحبة والإخاء! لكنكم فشلتم بالتصدي لأصغر مخلوق على الأرض فلم تنفعكم تقنياتكم التي وجهتموها على غير ما يجب ويكون…

نعم ستعلن ساعة الحقيقة وستطلب الشعوب إجابات مسؤوليها الذين كذبوا حينما تهاونوا أمام عدو حقيقي مارق أمامهم فولوا ظهورهم للحقيقة واتجهوا صوب الضلالة والوهم!. الحقائق أظهرت بأن جل إهتمام أكثر حكومات الغرب منصب على المادة والإقتصاد حتى انقلب السحر على الساحر ففقدوا أضعافا مضاعفة مقابل الحيطة والحذر.

بلدان تصنع الطائرات لكن أطباؤها لا يملكون الكمامات الوقائية أمام الوباء!! بلدان تبيع المدافع والراجمات لكنها أخفقت أن تصنع محاليل الكشف والتشخيص عن الوباء!…. بلدان أبحرت في البحث في الفضاء فوصلت المريخ لكنها تقاعست عن أن تبحث عن لقاح جاهز لعدو جديد محتمل!!… نعم سيكون لهذا الوباء دروس ومعاني وعبر وستتم مراجعة النفس ومحاكمة المسؤول وكشف الحقائق!! وحينما ستعي الشعوب ستفهم كيف تختار ممثليها!

نظرية العرض والطلب

أما بالنسبة لبقية دول العالم، فالاقتصاديون يتحدثون الآن عن «صدمة العرض»! فالصين، المسماة بـ«مصنع العالم»، تتعرض لتباطؤ شديد في الإنتاج والنقل، وبالتالي يتعرض العالم إلى نقص في بعض الإمدادات والسلع. وللمثال، قدرت شركة «سب» الفرنسية، المنتجة للإلكترونيات في الصين، خسائر أعمالها بنحو 275 مليون دولار في الفصل الأول، وشركة «آبل» أعلنت عن اضطراب في إنتاجها في الصين، وهبوطاً في مبيعاتها وربما يحصل تأجيل في مواعيد إطلاق منتجاتها الجديدة.

ويحدث شيء مشابه في شمال إيطاليا، إذ أن المنطقة المصابة بفيروس كورونا تشكل ثلث الناتج الوطني، وترتفع النسبة إلى نصف الناتج إذا أضيفت المناطق اللصيقة بتلك التي انتشر فيها الفيروس. وهذه المناطق هي قلب الصناعة الإيطالية لا سيما صناعة السلع الفاخرة. في المقابل، يتحدث الاقتصاديون عن «صدمة طلب» مقابل «صدمة العرض». فهذا هو الحال في الصين حيث مئات ملايين السكان في بيوتهم لا يخرجون، فإذا بالمجمعات التجارية مهجورة. والهبوط حاد جدا في مبيعات السلع الفاخرة التي مصدرها أوروبا، وكذلك الأمر في مبيعات السيارات الأوروبية. ويحصل أمر مشابه في شمال إيطاليا مع هبوط مبيعات المتاجر وإشغالات أماكن الترفيه والضيافة.

في الدول النامية، ستكون كارثية الى درجة تصاعد معدلات البطالة والجريمة والتطرف والعنف، فضلا عن تنامي الإرهاب وتنظيماته، بسبب توافر الظروف المغذية، ولن يتمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز تأثيرات كورونا السلبية سريعا.

اما على المستوى الصحي، فأعتقد ان كورونا يمثل صدمة للبشرية ولغرورها التكنولوجي، لذا ستعيد جميع دول العالم النظر في حساباتها، وتطور أنظمتها الصحية لجعلها اكثر استعدادا واستجابة لحالات مستقبلية شبيهة بكورونا او أشد فتكا منه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى