آخر الأخباركتاب وادباء

حي العجمي من الرُقي إلى العشوائية “الجزء الثانى”

من ذاكرة اسكندرية

سلسة مقالات الأسكندرية من روائع الأديب الكاتب

المهندس/ محمود صقر

أصبحتُ من سكان العجمي مع بداية زواجي في يناير 1990، كانت العمارة مكونة من أربع طوابق كل طابق شقتين وكل شقة ثلاث غرف وصالة وبدون مصعد، وكل سكانها مثلي من حديثي الزواج ومعظمهم من الطبقة الوسطى المتعلمة تعليما جامعيا، كانت في منطقة الهانوفيل وتبعد عن الشارع العام الممتد من اسكندرية لمطروح نحو مئتي متر جهة البحر.

الطريق من الشارع حتى بيتي الجديد كان يشبه كل الشوارع الفرعية في منطقة العجمي في ذاك الوقت، فقد كان طريقا ترابيا متعرجا تعرجات حادة لتفادي أسوار الفلل الواقعة على جانبي الطريق، والأسوار كلها من الحجارة البيضاء التي كانت تميز الحي، والأشجار والنباتات تغطي السور بمهرجان من الألوان والزهور، وتنشر أريجها في جو المكان، والمنطقة كلها عبارة عن فلل، فيما عدا قليل نادر من عمارات حديثة من أربعة طوابق.
ومن بلكونة شقتي في الدور الثالث، أمامي أُفُق مفتوح من كل الجهات، فكل ما حولي فلل لا تتجاوز الطابقين وحولها مساحات واسعة من الحدائق وتحيطها الأسوار.

خلال أربع سنوات فقط سكنتها في المكان من أول عام 1990 حتى نهاية 1993، بدأت معالم المكان تتغير بشكل متسارع ومحموم، بدأ زحف الكتل الخرسانية في الشوارع الفرعية وهي على حالها من الالتواء والتموج العشوائي، بينما الشوارع الرئيسية يعلو فيها ارتفاع العمارات يوما بعد يوم، ويجرف في طريقه الفلل القديمة والمساحات الخالية وأشجار التين والزيتون والنخيل.

في بداية سكني كنا نعاني من قلة عدد خطوط أتوبيسات النقل العام والميكروباصات التي تربط العجمي بالمدينة، ومع وتيرة البناء المتسارعة، وزيادة السكان زادت عدد خطوط الميكروباصات، ولكنها صارت أكثر ازدحاما، وبدلا من وقوفنا الطويل انتظارا لوسيلة المواصلات التي تأتي على فترات متباعدة، صارت وسيلة المواصلات تأتي متتابعة، ولكن نصيبنا في الركوب يتوقف على القدرة على التدافع بالأيدي والأكتاف، أو الجري وراء سائق الميكروباص الذي يتلذذ برؤية الأفنديات المتأنقين الذاهبين لأعمالهم وهم يهرولون خلف الباشا سائق الميكروباص.
في هذا الوقت كان آخر خط الميكروباص هو الشارع الرئيس للهانوفيل، فقلما يوجد ساكن يتجاوز سكنه امتداد الشارع الرئيس بعد تقاطعه مع شارع الهانوفيل، ومع الوقت بدأ الزحف يتجاوز ويمتد سريعا حتى بوابة الكيلو 21.

وبعد أن تم الإجهاز على هذه الشريحة بحرى الطريق في فترة قياسية من نهاية الثمانينات وحتى منتصف التسعينات، بدأ أصحاب الخبرة في تكرار نفس التجربة وبذات الزحف  غير المقدس، وبطريقة أكثر عنفا وسوءا، في الشريحة المقابلة قبلي الطريق، لتكتمل حلقة الإجهاز على كل مساحة خالية، واقتلاع كل شجرة نابتة في الحي.

وسط هذه المتغيرات المتسارعة نتيجة الزحف العمراني الغير مخطط له، وتزايد الطمع في بناء عمارات شاهقة الارتفاع بين الأزقة، بدأت هجرة معاكسة لسكان المنطقة القدامى من البدو، وهجرة مماثلة لعِليَة القوم الذين فقدوا الهدوء والسكينة والهواء النظيف ومناظر شجر التين والخضرة الممتدة في أفق الشوارع الفرعية من الطريق الرئيس وحتى البحر.

وبدأت التركيبة السكانية للمنطقة تتغير كليا، وغدت الجزيرة الوسطى للشارع الرئيس مقرا دائما لإلقاء أكياس القمامة، ومع الوقت صارت مقصدا لتجار القمامة، ليس لحمل الأكياس إلى المقالب العمومية، بل لفتح الأكياس وفرزها في الشارع.!

وأصبح الشارع الهادئ الذي كان يربط اسكندرية بمرسى مطروح ومنها إلى ليبيا، غير مناسب لمرور عِلية القوم المتجهين نحو المنتجعات الجديدة بالساحل الشمالي، وتم استبداله بالطرق الدائرية الجديدة، ليتحول حي العجمي كليا وفي خلال عشر سنوات فقط، من مصيف للاستجمام إلى حي سكني عشوائي مكتظ بسكانه.
ومازال للحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى