الأرشيف

حياة جديدة

حياة جديدة

 سلطان إبراهيم 

                                      بقلم الكاتب الروائى الشاعر

  سلطان إبراهيم عبد الرحيم          

        في ليلة من ليالي يونيو الدافئة لاحظت تغيرا في ًمنظومة حياتنا اليومية .. فأبي يجلس واجما ً وحوله جمع من الأقارب بينما دارنا تعج بالنسوة المتشحات بالسواد.. يدخلن وفدا ًبعد الآخر إلى حجرة أمي المريضة فأسمع مصمصة الشفاه وتلتقط أذني بعض الكلمات.. مسكينة حالتها تزداد سوءا ً.

لم يعد على لسانها إلا اسم ابنها الصغير .. لها حق .. فهو لم يتعد العاشرة من عمره وقد جاءها بعد طول انتظار ويأس من إنجاب الذكور.

ظل البيت في حركة دائبة لم تكد تسكن في منتصف الليل حتى شق السكون صوت الصراخ فاضطربت الحركة من جديد ورأيت عشرات النسوة يصرخن ويلطمن ..

شدني منظر أبى وهو يبكى بحرقة محاولا ً دخول غرفة أمي بينما امتدت الأيدي لتمنعه..هرعت أختي إلى ًّ فضمتني إلى صدرها.. سقطت قطرات دموع على وجنتي .. وطنين النائحة في أذني .

ماتت وكان قلبها ملهوف ومتحير.

حزنانه عليك يا طير والحلق متمرّر .

يا وحيد على خيَّات يامهر يا صغير.

كان بدري عليك يا ولدى تحزن وتتغير .

سرت رعشة في جسدي وأحسست رغم صغرى بفداحة الخطب فغامت عيني.. واسودت الدنيا أمام نواظرى.. حملوني إلى بيت أختي المجاور.. وحين أفقت وجدتها بجانبي وحولي جمع من النسوة وضمتني أختي إليها ولازال دمعها ينهمر.. حمد لله على سلامتك يا سعد.

انخرطت في بكاءً شديد وشددت الغطاء على وجهي فأمسكت إحدى النساء بيد أختي المجاور وقالت:دعية يستريح يا بنيتي وهيَّا نكمل تجهيز الغالية.

واستجابت أختي .. سمعت أصوات أقدامهن منصرفات فشعرت بغصة شديدة في حلقي وجرح غائر في أعماقي وأحسست بغربة كأنني ما درجت في هذه الربوع ولا نهلت منها مشاعر الحنين..

هامت روحي بعيدا ً بعيدا ً..لا مقام لي هنا بعد أمي.. إلى من آوى إن جل بى الخطب .. أنا للرحيل حالا ًومالا.. وانطلقت في رغبة محمومة للرحيل كانت الفرصة مواتية فتوجهت إلى حيث أخفي حصالة نقودي فأفرغتها في منديل صغير وربطته وتسللت من الباب الخلفي للدار كان السكون حولي موحشا ً وأنا أسير بين الزراعات لا أسمع إلا نقيق الضفادع وكأنه لحن جنائزي يزيد من عمق مأساتي .. أخذت أجرى وأجرى وكأني هارب من شيء يطاردني حتى وصلت إلى محطة القطار وكان لتوه دخل المحطة.. وقفت أمام بابه مترددا ً في الصعود ثم اجترأت قليلا ً ودلفت إلى داخله .. وقعت عيني على عدد من المقاعد الشاغرة غير أنى لم أجرؤ على التوجه إلى إحداها وتكومت حول نفسي بجوار الباب قابضا ً على منديلي والدموع تنساب على خدي والقطار يبتعد شيئا ً فشيئا ً عن مدينتنا.

استغرقت في النوم ولم يلتفت إلى ًّ المحصل ولم استيقظ إلا َّ على صوت امرأة تهزني برفق وتتطلع إلى َّ بوجه يملؤه الشفقة وقد راعها تحجر الدمع في عيني فأخذت تسألني في لهفة : أين بقية أهلك يا بني؟! لِمَ لم تنزل معهم؟! لم أجب عليها وانسللت من يدها مسرعا ً بالنزول وهاربا ً منها في زحام البشر بينما الشمس ترسل أشعتها الأولى إلى الأرض.

 أخذت أسير في شوارع القاهرة لا ألوى على شيء تائها ً عن نفسي منبهرا ً بما حولي من عمارات ضخمة وسيارات فارهة .. كدت أصرع تحت عجلات إحدى الحافلات لولا توقفها.. تطلعت نحو الصاعدين إلى الحافلة وبحركة لا إرادية وجدتني أشاركهم الصعود لتنطلق الحافلة وللمرة الثانية لم يعرني المحصل انتباها ً .. حتى توقفت أمام أحد المخابز فأخذت أتطلع مشدوها إلى منظر صبى في مثل سني يحمل على رأسه عددا ً من الطاولات وللحظة رحت أتخيل نفسي مكان ذلك الصبي أعمل وأكسب وأدخر..تحطم حلمي حين أفقت على صوت ارتطام الصبي بحجر وسقوطه ليتناثر الخبز من حوله معفرا ً في التراب.. وقبل أن يقوم من الأرض تمدد فوقه رجل بدين أخذ يكيل له الضربات واللعنات ويقول: أضعت نقودنا سأكسر عظامك حتى تنتبه في المرة القادمة يا أعمى يا ابن الـ… لم أقصد يا معلم لقد تعثرت قدمي في ذلك الحجر رغما ً عنى .. لم يرحم المعلم استغاثاته حتى استنقذه بعض الواقفين من براثن المعلم.

 ما الذي يدفعك للعمل يا بني؟! ألا تعلم مشاق العمل في المخبز ألم تر بعينك ما حدث للصبي.. انخرطت في البكاء فاحتضنني الرجل وطلب لي كوبا ً من الليمون وأخذ يحدثني بلطف حتى هدأ من روعي وشربت الليمون .. وأستأذن الرجل من المخبز واصطحبني إلى شقته المجاورة .. ولم أكد أبصر زوجته حتى عرفتها وعرفتني ..فقالت بصوت يملؤه الشفقة وهى تضمني إلى صدرها : ” أنت يا حبيبي مرة أخرى ” ؟!

أخبرت زوجها بالتقائها بى في القطار فأخذ الرجل يربت على كتفي ويمسح رأسي سائلا ً عن قصتي فأفضيت إليه بما كان من أمري … فآثار شجونهما وانخرطا في البكاء وهو يقول: سبحان الله الاسم نفس الاسم.. والسن نفس السن .. والملامح تكاد تكون واحدة.. وقالت زوجته: لقد جددت أحزاننا يا بني وجراحنا التي لم تكد تندمل.. فلقد مات لنا ابن مثلك منذ شهور.. مسكين والدك يا بني.. اجتمع عليه الآن حزن فقدك مع فقد أمك.. لا بد من إعادته لأهله في أقرب وقت.. اليوم بإذن الله .. وعليك تهيئة بعض الهدايا لأهله .. فهم في كرب شديد ..  سأشرع في ذلك فورا ً يا زوجي العزيز.

– 2-

استقبلت قريتنا الصباح بعد ليلة مفعمة بالأحداث في بيتنا فعندما استيقظ الجميع من وفاة أمي احضروا الغاسلة .. وما أن أصبت الماء على الجسد الممدَّد حتى تحركت الأم فتوجست الغاسلة خيفة.. واستدعت من يشاركها .. وما هي إلاَّ لحظات حتى بات الشك يقينا فتم استدعاء الطبيب والذي أكد أنها مازالت على قيد الحياة وأنها في غيبوبة سكر وستفيق منها وأعطاها بعض الأدوية وتركها للراحة منبها ً على والدي بعدم إزعاجها بشيء.

 سرى النبأ فامتلأت النفوس بهجة وبشرا ً.. ولكن سرعان ما نغصت فرحتهم مرة أخرى حين علموا بغيابي .. بحثوا عنى في منازل الأقارب.. ثم الحقول .. واشتد البحث واستبد القلق بالجميع .. ونبه عليهم أبى بعدم إخبار أمي التي كانت تلح في طلبي فأخبروها بأن الطبيب قد أوصى بإبعادي عنها لفترة بسيطة.

 وحين استيأس الأهل من العثور علىَّ .. دوت زغرودة من أختي فلقد كانت أول من أبصرني وأنا أنزل من السيارة مع ضيفينا.. هرعت إلىّ َّ أختي تضمني إليها بينما الزغاريد تنطلق من كل مكان وكنت مع ضيفي َّ في دهشة شديدة.. كيف تزغرد أختي والنساء والأم لم يمضى على رحيلها يوم وليلة؟..وزاد العجب حين هرعت أمي إلى َّ وهى تضمني إلى صدرها وتقبلني وتبكى .

 إبنى الغالي..إبنى الغالي.

 أمي الميتة..أمي الميتة؟!!

 أنا لم أمت يا بني فقد منحنى الله لأجلك حياة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى