الأرشيف

حكاية لم تكتمل

 

حكاية لم تكتمل

سلطان إبراهيم

بقلم الكاتب الروائى سلطان إبراهيم عبد الرحيم   

 نسمة ابنة عمى ، بيتها ملاصق لبيتنا ، تكبرنى بعدة سنوات ولكنى أشعر وكأنها أمى … حين يأتى المساء الشتوى وينشر سكونه فى قريتنا الصغيرة ،يسرع الى أخوها الأصغر محمود ليصطحبنى الى منزلهم الذى أحب كل ركن فيه ،نهرع اليها يسبقنا شوقنا ، نعتلى الفرن الصغير الدافئ ، نتناول فى سعادة غامرة ما ادخرته لنا من فاكهة أوما أعدته لنا من حلوى .. تلاطفنا وتمسح على رأسينا بيديها الحانيتين، .. أذكرها بما جئنا من أجله.. فنحن على موعد يومى معها لاستكمال حكاية الأمس ، أو لبداية حكاية جديدة هيأتنا وشوقتنا لها مسبقا … تحفظ ” نسمة ” كثيرا من القصص والحكايات ، وهى تعرف جيدا كيف ترويها فى صياغة رائعة .. كانت ” نسمة ” بطريقتها العبقرية فى الإلقاء والحكى تشدنى معها فأنتقل الى مسرح الأحداث حيث ” الشاطر حسن ” ..

أصارع اللصوص، وأرد بنات الملك الى أبيهن القلق .. .. أدخل مع ” على بابا ” أعالج باب المغارة ، محاولا تذكر كلمة السر لفتحه .. أو مع ” علاء الدين ” أبحث عن مصباحه السحرى ، أو فى قلب المعركة أجندل الأبطال مع”  الهلالى سلامة ” ، كانت ” نسمة ” تنتقل بنا من واد الى واد ، ونحن وراءها ، تعلو قلوبنا وتهبط ، تتلاحق أنفاسنا فتضطرب بدواخلنا المشاعر اضطراب الموج فى البحر الزاخر ، حتى اذا حان موعد توقفها اختارت بخبرة ” شهرزادية ” موقفا فى قمة الإثارة يجعلنا ننتظر الغد ونعد ساعاته .. وها هى أحداث القصة الأخيرة تتوالى وتتصاعد حتى تبلغ الذروة ، وجاء الغد وحان الموعد ولكنى فوجئت بأمى تمنعنى من زيارة ” نسمة ” فقد تردد أن ” نسمة ” قد مرضت وأصيبت بالسل اللعين ، ومنذ ذلك اليوم والنسوة يضربن حولنا حصارا حتى لا نصل اليها .. وفى يوم غافلنا النسوة ، ونجحنا فى الوصول واعتلينا الفرن ، وما أن شعرت بنا ” نسمة ” حتى ابتسمت لنا ابتسامة حزينة ، ودموعها تنهمر من عينيها ، ثم أشاحت عنا بوجهها وسمعت نهنهة بكائها .. فهتفت بها : لا تبك يا نسمة ، فأنت غير مريضة ، بل أنت أصحهم جميعا ، فربتت على ظهرى بيدها الحانية ، وعندما رأيت ابتسامتها قلت : أريد أن أسمع بقية الحكاية .. فتمتد يد امرأة عمى لتنزعنى أنا ومحمود ونحن نحاول الإفلات منها دون فائدة .. وتمد ” نسمة ” يدها الى جيبى فتدس فيه شيئا ، وزوجة عمى تجذبنى وأنا أصرخ : أريد أن أسمع من نسمة بقية الحكاية ، لكنها تعيدنى الى المنزل قسرا ، فأنزوى بعيدا عن الجميع فى ثروة هائجة أرفض كل من يقترب منى ، وأصرخ فيهم : لا أريد أحدا .. لا أريد سوى ” نسمة ” .. أريد أن أسمع بقية الحكاية ..

.. وفى غمرة حزنى وثروتى أتذكر ذلك الشئ الذى دسته فى جيبى ، فأمد يدى فأجدها ورقة فئة الخمس وعشرين قرشا ، وكانت فى تلك الأيام ثروة بالنسبة لأمثالى .. ألقيت بالورقة المالية على الأرض وأنا أبكى وأصرخ : لا أريد هذا ، أنا أريد ” نسمة ” .. أريد أن أسمع بقية الحكاية .. أصبت ببرد شديد وسعال فظنت أمى أن العدوى قد انتقلت الى ، .. كانت دموعى لا ترقأ وشجونى لا تهدأ ، وأرفض أكل أى شئ ، فيسقونى العصائر قسرا ، ، وبعد يومين جاءنى محمود منكسرا حزينا ، وضمنى الى صدره وهو يبكى بحرقة ويقول : ” نسمة ” ماتت يا أحمد .. نسمة ماتت يا أحمد .. نسمة ماتت ولن تكمل لنا الحكاية .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى