آخر الأخباركتاب وادباء

حكاية ضرتين

من ذاكرة اسكندرية

بقلم الأديب الكاتب

المهندس/ محمود صقر

29/07/2021
كانت جارتنا امرأة غَضَّة بَضَّة بيضاء شقراء زرقاء العينين تسُرُ الناظرين، وكانت الزوجة الثانية لجارنا مدرس اللغة العربية، وتسكن مع ضرتها في شقة واحدة تحتل فيها غرفة وضرتها غرفة وولدان وبنتان من الأولي وبنت من الثانية يسكنون في غرفة كبيرة، أسِرَة البنات في الأسفل، وأسِرَة الصبيان في سندرة مبنية من الخشب في الغرفة نفسها وتحتل نصف مساحتها، والحمام والمطبخ مشترك للأسرة.
يومهم العادي والمُكَرر لا يخلوا من شجار ونِقَار وأصوات تعلو وسباب يتناثر ، وفجأة يتحول الشجار والنقار الي ضحك وأسمار.!
عاشوا علي حلم استقلال كل زوجة بأولادها في مسكن مستقل، وكان بصيص النور لتحقيق الحُلُم من داخل نفق الوظيفة المظلم هو فوز الزوج بدوره المنتظر في الإعارة للتدريس خارج البلاد.

وبعد طول انتظار، اقترب دور جارنا الواقف في طابور الإعارة وهو يُمَّني نفسه بدولة من دول الخليج.
وأخيرا جاء اليوم المرتقب، واقترب الحُلُم من الحقيقة، والأُسرَة في لهفة تنتظر العائد بالبشارة، فإذا به يدخل وعلي وجهه علامات الأسي والخيبة وهو يردد:
يا بختك اللي مال .. الإعارة طلعت للصومال.!
صاحت الزوجة الأولي: يا حسرة .. قليل البَخْت يلاقي العَظْم في الكِرْشَة.!
والزوجة الثانية: جات الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح.!

وبعد القيل والقال حزم الرجل أمره وتوجه إلي الصومال وكان ذلك في بداية السبعينات، وخلا جو الشجار للضرتين، وزادت وتيرته، ووصل بينهما لحد التشابك بالأيدي، وفي لحظة خاطفة تلقت الزوجة الثانية لكمة خُطَّافية في عينها اليسري تغيرت معها تضاريس وجهها وألوانه.
نظرت في المرآه فوجدت وجهها الأبيض تحول إلي قوس قزح حول عينها، فخرجت من فورها الي استوديو “فينوس” للتصوير الفوتوغرافي في شارع “السبع بنات”، لتوثيق الجريمة بصورة فوتوغرافية بالألوان الطبيعية.

ظهرت الصورة بألوانها الطبيعية مُعَبرة عن مأساة اللكمة الخطافية، وعَزَمَت علي إرسالها لزوجها مصحوبة برسالة مبللة بدموع الشكوي والألم.
انتشر الخبر بين الجيران، فاجتمعوا لتهدئتها وإقناعها بالعدول عن إرسال الرسالة، فالرجل تَغَّرب من أجلهن، (وفيه اللي مكفيه)، وكلها كام سنة ويعود ليحقق لهن حلم الاستقلال التام.
مرت سنوات الإعارة الأربع وعاد الغائب إلي عُشِه، وكل ما عاد به من الإعارة .. هدية “إيشارب” لكل جارة.!

وضاع حلم الاستقلال إلي الأبد.
واستمرت الحياة .. ومات الزوج .. وكبر الأولاد وسار كل في طريقه، وخلا البيت للضُرَتين.
وبعد حياة حافلة بالشجار والنقار، لم تجد كل منهما لها أنيسا في وحدتها إلا ضرتها، وساد بينهما السلام والوئام، بل: الحب والانسجام .. وسبحان من له الدوام.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى