آخر الأخباركتاب وادباء

حكاية شارع السبع بنات

من ذاكرة اسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس/ محمود صقر

عضو مؤسس منظمة “إعلاميون حول العالم

29/04/2021

نحو كيلو ونصف الكيلو متر من ميدان المنشية حتى قسم اللبان القديم متعامدا على شارع “باب الكراستة”، كان طريقي ذهابا وإيابا في طفولتي وشبابي، كنت أعاصر التطورات التي يمر بها الشارع وأتابعها، في الوقت نفسه الذي تتابع فيه أمي السنتيمترات التي يزداد بها طولي، وعدد الشعرات التي تنبت في شاربي ولحيتي.
الترام الأصفر مَعْلم رئيس من معالم الشارع، يربط أجزاء وسط المدينة وغربها من الحضرة ومحرم بيه لبحري وكرموز وصولا إلى آخر محطاته في الغرب في المكس.


كان شارع السبع بنات شريانا رئيسا لحركة الترام في الاتجاهين، وينعطف منه خط فرعي في شارع باب الكراستة، يمر من أمام بيتنا.
كان الشارع مستقيما باستقامة خط الترام، ومبانيه شبه متساوية في ارتفاعاتها، وتعطي خط نظر مستقيماً لأسطحها، الترام يسير في اتجاهين وعلى نفس خط الترام في الاتجاهين تسير التاكسيات والسيارات وعربات النقل المتوجهة للجمرك وعربات الكارو التي تجرها الأحصنة، والكل يسير في انسيابية بلا حاجة لعسكري مرور ولا إشارة مرور، فلم تكن حتى منتصف الثمانينات تمثل كثافة تعيق الحركة.

وعلى الجانبين رصيفان لا يتجاوز عرض الواحد منهما ستين سنتيمتر يقطعها أعمدة الإنارة، ويتوزع المشاة بين المرور على هذا الرصيف والمسافة بين الرصيف وشريط الترام، وعلى الجانبين محلات تبدأ من محل (باتا -أبو عصام)، ومقابله بجوار كاراكون اللبان القديم، محل باتا آخر لصاحبه عم “داوود”، وكانت ماركة باتا للأحذية وقتها ذات سمعة واسعة، وتتنوع المحلات في الشارع ومنها محل المصور “علي رضا” الذي ما زال توقيعه على صورة أبي التي التقطها له “علي رضا” في عام مولدي عام 1963، وفي نفس الشارع محل أحذية “المحتسب” أحد محلات بيع الأحذية الفاخرة، وفراشة “الحاج حبشي حمودة” المتخصص في سرادقات العزاء والمناسبات، وحلواني الزلباني، وحتى السبعينيات كان ما يزال في الشارع خمارتان من بقايا الخمارات التي كانت منتشرة في الشارع زمن الاحتلال الإنجليزي، وكان على مدخلها باب خشبي مفصلي بارتفاع متر ونصف، وخلفه ستارة كثيفة تبدو حمراء من انعكاس أضواء الداخل، وقليلا ما صادفت الستارة مفتوحة لدخول أو خروج الزبائن، وفي المرات القليلة تلك كنت أشاهد دخانا وأضواء خافتة متداخلة أتذكر معها مشاهد حانات أفلام رعاة البقر التي كنت أشاهدها في سينما “وداد” في شارع “أسطاسي”.


كانت أرضية الشارع موزعة بين أرضيات من الأسفلت وأخرى من حجر البازلت الأسود المستطيل الصغير القطع، وبردورات الرصيف من البازلت الأسود، وسواد أرضية الشارع والبردورات لامعة من أثر غسيل الشارع المنتظم.
في صباح أول يوم من السنة الميلادية كانت تتغطى أرضية الشارع بما كان يرميه السكان من شبابيكهم في تمام الثانية عشر صباحا احتفالا بالعام الميلادي الجديد، وهي عادة ورثها أهل إسكندرية من الجاليات الأجنبية التي كانت تسكنها، وتتركز في تلك المنطقة، والتي كانت تستغني عن بعض حاجياتها القديمة، فضلا عن إلقاء بعض الأطباق الزجاجية والخزفية وفق العادات اليونانية، والتي ما زالوا يستخدمونها في الطقوس التقليدية لأفراحهم حتى اليوم، ثم تحولت تلك العادة إلى رمي الزجاج من الشبابيك وانتشاره قطعا على الأرض، وكنا نحن سكان هذه المنطقة من إسكندرية نتحاشى تماما المرور في شوارع المنطقة في تلك اللحظة التي تتكرر مرة كل عام.
ثم بدأت هذه العادة تختفي تدريجيا من منتصف الثمانينات، وبعد منتصف الثمانينات ومع بداية التغيير الديموغرافي (السكاني) في المنطقة، وظهور بعض العمارات الجديدة شاهقة الارتفاع محل العمارات القديمة، ظهرت عادة رمي أكياس القمامة من البلكونات، خاصة في الوقت المتأخر من الليل، وبصفتي لم أترك دقيقة من دقائق ساعات اليوم الأربعة وعشرين دون أن يكون لي معها تجربة مشي في هذا الشارع، فقد عاصرت تلك القنابل الموقوتة، وخبرت صوت انطلاقها، حيث يبدأ صوت قرقعة احتكاك الهواء بالكيس البلاستيك الحاوي للمخلفات، ويظل الصوت يقترب رويدا رويدا من أذني بقدر اقتراب الكيس من موضع سقوطه الموعود على الأرض، وصولا للحظة الفارقة، لحظة اصطدام الكيس بأرض الشارع وما يحدث على إثرها من انفجار لمحتويات الكيس، وبقدر بعد الكيس أو قربه، وبقدر قدرتي على رد الفعل والابتعاد عن موقع الحدث، بقدر ما ينال ملابسي من ناتج الانفجار، ومهما كنت بهلوانا خفيف الحركة فلا يمكن تدارك الابتعاد من لحظة سماع سقوط الكيس وحتى اصطدامه.


كان كيس الزبالة الملقى من البلكونات بداية تحولات دراماتيكية متسارعة في الشارع، فقد زادت وتيرة بناء عمارات شاهقة محل العمارات القديمة، وتعرج خط النظر الذي كان أفقيا منتظما لأسطح المنازل، وتغيرت أنشطة محلات الشارع، وغلب عليها تجارة الأدوات الكهربائية والإضاءة ومستلزمات الكهرباء، وتحت ضغط زيادة عدد السيارات المارة من الشارع، وبعد غزو الميكروباصات (المشاريع بلغة الإسكندرانية)، بدأ الترام ينسحب من الخدمة وتم إلغاء الخط القادم من محرم بيك وصار الشارع اتجاها واحدا للقادم من الغرب، وبدأت حملة قومية لإزالة بردورات البازلت الأسود اللامع واستبدال كتل أسمنتية بها رمادية بلون الفئران، وقبلها تم انتزاع بازلت الأرضيات، ونجحت الحملة القومية تماما وزال كل أثر للبازلت من شوارع إسكندرية.!
ومع احتلال الميكروباص والحركات البهلوانية والشجارات بين سائقيه، احتل الباعة الجائلون بالتوازي أرصفة الشارع، ثم احتلال الشارع نفسه وترك حارة واحدة للترام العجوز والسيارات والمشاة يتصارعون فيها.
ومع نهاية الثمانينيات كنت قد فقدت متعة المشي في الشارع، وبدأت ركوب التاكسي، كنت أعيش لحظات توتر وأنا بجوار السائق واضعا قدمي أمامي ضاغطا على مقدم السيارة كأنني أضغط على الفرامل وأنا أتوسل للسائق أن يترك فرصة لتلك السيدة المسنة التي تريد عبور الشارع، وهو يقول لي: “يا بيه الشارع اللي كان ثلاث حارات أصبح حارة واحدة، ولو وقفت لكل واحد أو واحدة يريد المرور لن أتحرك من مكاني”.
ومر بي الزمن وامتلكت المال الكافي لشراء سيارة وامتلكت معها شجاعة وجرأة قيادة سيارة في ساحات المعارك وحلبات المصارعة التي يسمونها شوارع، وصرت أمر من نفس الشارع، وحاولت أن أطبق قواعد الذوق والأخلاق التي كنت ألقيها على سائقي التاكسي، ولكني للأسف وجدت نفسي في نهر جار بمسار إجباري من المنبع للمصب لا أقوي على الوقوف وإلا جرفني نهر السيارات في مساره.
أنبني ضميري فلجأت إلى فلسفة المشهد وسميته “أخلاق الزحمة”، وبررت المشهد برمته على أنه أثر من آثار الزحام المفروض بحكم الواقع على المدينة التي تضاعف سكانها.
ثم تبين لي زيف ذلك التبرير مع أول سفر لي إلى الصين، في مدينة “شنغهاي”، واحدة من أكثر مدن العالم ازدحاما، نزلت فندقا في واحد من شوارعها المزدحمة، كنت أراقب من شرفتي أمواج البشر وسائر أنواع المركبات المتدفقة في الشارع، وبرغم هذا الزحام الرهيب هناك انسيابية في الحركة وعدم تكدس، فمهما كان الشارع ضيقا أو واسعا لا يخلو من رصيف بعرض مناسب للمشاة، وإن تيسر فحارات مخصصة للدرجات أو الدراجات النارية، وإشارات مرور يحترمها الجميع، وتنساب الحركة تلقائيا بمجرد تبدل ألوان إشارة المرور.
إذن المسألة ليست أخلاق الزحمة كما كنت أسميها، بل مفتاحها مهما بلغ الازدحام في كلمة واحدة هي: “النظام”. النظام الذي تفرضه الدولة بتخطيطها وتنظيمها وقوانينها.
لست أدري هل هذه حكاية شارع، أم حكاية مدينة، أم حكاية وطن.؟!
وحسبي أنني حاولت في هذه السطور القليلة محاولة حفظ ما تبقى من ذاكرة المدينة، لعلي أرد لها جميل ما منحتني من متعة وجمال وعيش رغيد في طفولتي وشبابي.
#من ذاكرة اسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى