ثقافة وادب

حضارتها تنافس “الفرعونية”، وملكها احتضن مسلمي مكة.. تعرف على تاريخ إثيوبيا

في خِضم المجريات الدولية حول أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، ربما لا يعرف الكثيرون أن الصراع والتنافس بين مصر وإثيوبيا تاريخي، فهما يشكلان اثنتين من أقدم الحضارات التي عرفها الإنسان: الحضارة الفرعونية في الشمال بمصر والحضارة الحبشية في الجنوب بإثيوبيا.

وبما أن أغلبنا يعرف التاريخ المصري، فسنتحدث في هذا التقرير عن التاريخ الإثيوبي المجهول لأغلب القراء العرب، فإثيوبيا تعتبر إحدى أهم الدول الإفريقية في التاريخ.

أوّل الممالك الكبرى الأثيوبية المعروفة هي مملكة أكسوم التي ظهرت في القرن الأول الميلادي بشمال إثيوبيا وإريتريا الحاليتين، وشملت أجزاءً من السودان وجيبوتي والصومال، وكان مقرها على سفح جبال عدوة، شرق إقليم تيغراي الإثيوبي، وقد أسست هناك حضارةٌ مزدهرة على طول الحافة الجنوبية للبحر الأحمر، الذي كان له دورٌ رئيسي في التجارة بين الإمبراطورية الرومانية والهند القديمة.

ويعتقد الإثيوبيون أن مملكة أكسوم تأسَست في عهد منليك الأول، الذي يقولون إنه ابن النبي سليمان وملكة سبأ “ماكيدا” أو بلقيس. وتختلف التواريخ في تحديد الزمن الذي جاء فيه منليك الأول إلى إثيوبيا قبل الميلاد، وتولِي العرش هناك، ولذاك فإن لدى الإثيوبيين اعتقاداً راسخاً بأنهم أحفاد السلالة السليمانية، التي حكمت ما يقارب 3 آلاف سنة منذ منليك الأول، وصولاً إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي انتهى حكمه عام 1974.

لكن بحسب كتاب “العرب والقرن الإفريقي: جدلية الجوار والانتماء”، الصادر عن مجموعة مؤلفين بالمركز العربي للأبحاث، فإن أصل أهالي إثيوبيا التي كان يطلق عليها العرب “الحبشة”، يرجع إلى قبيلة “حبشت” التي هاجرت مثل غيرها من المجموعات السامية من جنوب الجزيرة العربية، إلى ساحل البحر الأحمر المقابل لها، فالحبشة إحدى الدول الناطقة باللغات السامية، التي تضم اللغتين العربية والعبرية.

وقد اكتشف علماء آثار من جامعة كامبريدج بالتعاون مع هيئة البحث عن التراث الثقافي والحفاظ عليه بإثيوبيا، في ديسمبر/كانون الأول 2019، أحد أهم المواقع الأثرية لمملكة أكسوم، وهو مركز تجاري وديني مزدحم، مدفون بين العاصمة والبحر الأحمر في مستوطنة مسماة ببيتا ساماتي التي تعني “بيت الجمهور” باللغة التيغرينية المحلية، في منطقة تسمى “Yeha “، كما أكد العلماء أن أكسوم كانت أول دولة إفريقية جنوب الصحراء تسبك عملاتها المعدنية.

فيما تعتبر مسلة “برج” أكسوميتي في أكسوم للملك ستيلا إزانا، من أبرز المعالم المعمارية وأعظمها في إفريقيا القديمة، وهي عبارة عن عمود حجري ارتفاعه 100 قدم، يزن 500 طن، وتعد أكبر مسلة في العالم مصنوعة من حجر واحد، نحتت بطريقة تجعله يبدو مثل بناية من 13 طابقاً. وفي هذه المسلات التي اشتهرت بها الحضارة الفرعونية، يبدو أن الحضارة الإثيوبية القديمة تنافسها فيها أيضاً.

يتأكد لنا بناء الإثيوبيين لحضارةٍ عريقة بما ذكره الكاتب الإثيوبي إيل باكريري، في كتابه “الإثيوبية، نظام الكتابة الإفريقي: تاريخه ومبادئه”، بأن ماني، مؤسس الديانة المانوية في بلاد فارس بالقرن الثالث الميلادي، قد قال إن مملكة أكسوم واحدة من أعظم قوى عصره العسكرية إلى جوار روما وفارس والصين، وكذلك الاقتصادية، من خلال سيطرتها على التجارة في البحر الأحمر.

أصبحت المسيحية ديانة مملكة أكسوم في القرن الرابع الميلادي بعهد الملك “ميريانا” الذي اعتنق المسيحية على يد تاجرٍ مصري جاء من مدينة الإسكندرية يُدعى “فرومنتيوس” الذي يُعتقد أنه سرياني الأصل، بحسب شوقي عطا الله الجمل وعبدالله إبراهيم، مؤلفَي كتاب “الحضارة الإفريقية”.

وبعد أن اعتنق الملك الأكسومي المسيحية، طالب بلقاء بطريرك الإسكندرية أثناسيوس الأول، أبي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حاملاً إليه طلب الملك تنصيب أسقفٍ لمملكته. وقد قَبِلَ أثناسيوس طلب الملك وقام بتنصيب التاجر فرومنتيوس نفسه كأول أسقفٍ على إثيوبيا.

منذ ذلك الوقت وحتى عام 1959، كان بطريرك الإسكندرية للأقباط الأرثوذكس يلقَّب برئيس أساقفة الكنيسة الإثيوبية، حيث كان يتم تعيين رئيس الكنيسة الإثيوبية من قِبل بطريرك الكنيسة القبطية في مصر، كما كان للرهبان الإثيوبيين بعض الحقوق في كنيسة القيامة بالقدس. ثم انفصلت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية عام 1959م حين منح البابا كيرلس السادس رأسها لقب بطريرك.

وبذلك تبنَّت مملكة أكسوم الديانة المسيحية رسمياً، ولذلك فهي تعتبر من أوائل الممالك التي تحولت بالكامل إلى المسيحية، وقد كان للكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية تأثيرها المباشر في القرارات السياسية، ومن خلال الكنيسة حصلت السلالة السليمانية في إثيوبيا على الشرعية والمباركة من الكنيسة، باعتبارها من سلالة النبيَّين المَلِكَين داود وسليمان، فارتبطت الكنيسة والدولة ارتباطاً وثيقاً في المملكة الأكسومية، وعرفت الكنيسة الإثيوبية بكثرة أديرتها، التي كانت بمثابة مؤسسات عامرة بالرهبان.

ولكن بعض المؤرخين يرى أن الديانة المسيحية دخلت إلى إثيوبيا منذ القرن الأول الميلادي، خاصةً أن “عدول” ميناء إثيوبيا على البحر الأحمر، كان ميناءً دولياً سكنته شعوب مختلفة وكانت له تجارة نامية، وكان بعض سكانها ممن اعتنقوا المسيحية، وفقاً لكتاب “الحضارة الإفريقية” سابق الذكر.

كذلك يؤيد هذا الرأي الذين يرون أنه لما اضطهد الأباطرة الرومان المسيحيين في مصر، هرب عدد منهم إلى الجنوب، ويرى هؤلاء أنه عن طريق مصر وصلت عبادة الشمس أولاً إلى أكسوم، ثم وصلت اليهودية لاحقاً ثم المسيحية، وقد تأثرت المسيحية في أكسوم باليهودية في بعض طقوسها وممارستها.

لكن الثابت أن البلاد دخلت المسيحية في القرن الرابع الميلادي، ويؤكد ذلك عبدالمجيد عابدين في كتابه “بين الحبشة والعرب”، بقوله: “إننا لا نكاد نعرف من تاريخ أكسوم شيئاً يُذكر في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، إلا ما ذكره بطليموس الجغرافي من مواقع بعض المدن الحبشية في القرن الثاني، وما دلتنا عليه بعض النقوش الحبشية من أسماء الملوك”.

وعلى أي حال كان دخول أكسوم “إثيوبيا” إلى الدين المسيحي، نقطة تحوُّل في المنطقة، وكذلك التاريخ الإسلامي والعربي، حيث كان للحبشة حضورٌ كبير قبل وبعد ظهور الدين الإسلامي بفترة قليلة، ترتبت عليه حوادث تاريخية مهمة.

أمر نجاشي “إثيوبيا” أو الحبشة كما سماها العرب، جيشه بغزو اليمن في القرن السادس الميلادي، بهدف إعادة السيطرة على الطرق التجارية هناك؛ نظراً إلى قرب اليمن جغرافياً من إثيوبيا، والقضاء على منافسيه الفرس، فضلاً عن تشجيع الإمبراطور البيزنطي المسيحي للنجاشي بغزو اليمن؛ لنجدة المسيحيين هناك من بطش الملك اليهودي ذو نواس الحميري الذي كان الفرس يساندونه. وفق ما ذكره كتاب “تاريخ العرب قبل الإسلام” لمؤلفه عبدالحميد حسين حمودة.

فأقدم الإثيوبيون على غزو اليمن سنة 533، وسيطروا عليها حتى عام 599، وتولى القائد الأكسومي أرياط الحكم بعد أن قضى على ذو نواس الحميري، حتى ثار عليه بعض أتباعه؛ لعدم عدالته في توزيع الغنائم، وتولى الحكم من بعده أبرهة الحبشي “الأشرم” عام 535 والذي خرج عن الدولة الأكسومية، في الحبشة وأعلن نفسه ملكاً على اليمن منفرداً بالحكم بها ولقَّب نفسه ملكاً لسبأ، وريدان، وحضرموت، وعرب النجاد، وعرب تهامة.

وعمِل أبرهة الحبشي على نشر الديانة المسيحية بالجزيرة العربية، وعمِد إلى بناء كعبة في صنعاء تسمى (القليس)، ليحج العرب إليها بدلاً عن مكة؛ مما أدى إلى استياء العرب فقاموا بتدنيس القليس ورميها بالقاذورات؛ مما دفع أبرهة الحبشي إلى غزو مكة 570، وهو العام الذي وُلد فيه النبي محمد.

وقد ارتبطت الحبشة في ذاكرة المسلمين بأصحمة النجاشي، ملك أكسوم المسيحي الذي ساند المسلمين في محنتهم ببداية الدعوة الإسلامية، عندما أمرهم النبي محمد بالخروج والهجرة من مكة إلى الحبشة في السنة الخامسة للدعوة بالقرن السادس الميلادي، لأن ملكها عادلٌ وكريم، وهناك يستطيعون العيش في سلام آمنين على أنفسهم وعلى دينهم.

وقد استضاف النجاشي المسلمين الأوائل وأكرمهم بعدما هاجروا إليه؛ هرباً من مضايقات قريش لهم في مكة، ودعمهم، وخصص لهم قريةً اسمها حتى الآن قرية الملك النجاشي الواقعة في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، والتي تعتبر واحدة من أقدم الآثار الإسلامية في إفريقيا.

ومن الآثار الباقية اليوم من زيارة المسلمين للحبشة، وجود بئر في هذه القرية حفرها الصحابة عندما لم يجدوا ماءً للوضوء، ومسجد بنوه حينها وأقاموا فيه الصلوات، وتعتبر هذه القرية ملتقى للمسلمين في إثيوبيا، وكانت تنطلق مها قوافل الحجيج كل عام، لتأكيد رمزيتها الدينية ودورها المحوري في تاريخ البعثة.

حاول المسلمون فتح إثيوبيا في عهد الدولة العثمانية، وتحديداً في زمن السلطان سليمان القانوني، بقيادة القائد المسلم الصومالي أحمد بن إبراهيم الغازي، وهو أحد قادة سلطنة عدل في منطقة القرن الإفريقي (الصومال حالياً)، وكانت مملكة أكسوم في ذلك الزمن متحالفة مع مملكة البرتغال ضد المسلمين؛ لمنع التوسع الإسلامي بالمنطقة.

أرسلت البرتغال جيوشها بقيادة كريستوف دي جاما إلى ميناء مصوع في إريتريا قبالة سواحل الجزيرة العربية من جهة الغرب، وسط مقاومة المسلمين بإريتريا، إلا أنه استطاع السيطرة عليها بالقوة، وهناك تقدم الغازي بجيشه الذي يضم الفرسان الأفارقة من مسلمي الصومال وإثيوبيا وإريتريا وقوات خاصة كان قد أرسلها له السلطان العثماني سليمان القانوني من الترك والألبان والفرسان العرب الذين جاءوا من اليمن عن طريق البحر الأحمر لمواجهة الغزاة .

ودارت بين المسلمين والبرتغاليين معارك متعددة، آخرها معركة “وفلة” في بحيرة اشنجي بمنطقة وفلة في إثيوبيا عام 1542، انتصر فيها المسلمون، وقرر بعدها الغازي التوغل في أرض الحبشة حتى وصل إلى أعماقها، ولكنه قُتل في إحدى المعارك هناك عام 1543.

كانت لهجمات الغازي أثرها في مملكة أكسوم التي عانت بعدها من الضعف، حيث سيطر المسلمون على أراضٍ كثيرة من المملكة، وكاد الغازي يُنهي هذه الإمبراطورية العريقة، لولا مقتله في المعركة.

تعتبر إثيوبيا صاحبة أطول سجلٍّ تاريخي للاستقلال في إفريقيا، إذ لم تخضع للاستعمار إلا في الفترة من 1936 وحتى 1941 عندما اجتاحتها القوات الإيطالية في حملتها على شرق إفريقيا قبل خروجها من المنطقة بعد توقيع الاتفاق الأنجلو-إثيوبي في عام 1944م.

وقد قضت إثيوبيا على مطامع إيطاليا الاستعمارية أثناء الحرب الإيطالية الإثيوبية الأولى من سنة 1895 إلى 1896، حيث حاولت إيطاليا احتلال إثيوبيا، ولكن استطاع الأكسومي هيلا سيلاسي الأول الحصول على  دعم فرنسا وروسيا، فدعمتا بلاده بالأسلحة والعتاد والدعم اللوجيستي، وانتصرت إثيوبيا في الحرب وفشلت إيطاليا في احتلال إثيوبيا.

وفي عام 1935 وقعت الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية، التي امتدت إلى عام 1937، وانتصر فيها الإيطاليون، وضمت إيطاليا أراضي إثيوبيا رسمياً في 7 مايو/أيار، وأُعلن الملك الإيطالي فيكتور إيمانويل الثالث إمبراطوراً على الحبشة، وتم توحيد مقاطعات إريتريا وصوماليلاند (إقليم أرض الصومال) الإيطالية وإثيوبيا لتشكيل مقاطعة شرق إفريقيا الإيطالية، وفرَّ هيلا سيلاسي إلى بريطانيا.

وبعد دخول إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، وقفت قوات الإمبراطورية البريطانية، جنباً إلى جنب مع المقاتلين الوطنيين الإثيوبيين في حربهم التحريرية ضد المستعمر الإيطالي، والتي استمرت منذ عام 1941، حتى عام 1943. وأعقب ذلك اعتراف بريطانيا بسيادة إثيوبيا الكاملة، أي من دون أي امتيازاتٍ بريطانيةٍ خاصة، مع توقيع اتفاق الأنجلو الإثيوبية في ديسمبر/كانون الأول 1944، وبذلك بقيت إمبراطورية أكسوم العريقة حتى تمت الإطاحة بهيلا سيلاسي عام 1974، بفعل انقلابٍ عسكري.

فقد بدأت الضغوطات الشعبية التي تقودها قوات المعارضة داخل إثيوبيا ضد هيلا سيلاسي في الستينيات من القرن الماضي تأخذ زخمها، فقد كانوا يطالبون بتحقيق مستوى معيشةٍ أفضل، ويتهمون الحكومة بالفساد في جميع المجالات، واستغلت المعارضة ما أصاب البلاد من جفافٍ وقحط ومجاعة عامي 1972-1973، وما تلا ذلك من تضرُّر الاقتصاد الإثيوبي على أثر حدوث أزمة النفط التي ضربت جميع أنحاء العالم، وعلى خلفية ذلك كله عمت المظاهرات الشعبية أديس أبابا.

اتهمت المعارضة الإمبراطور بتجاهل هذه الأزمة الخانقة وعدم إدارتها جيداً، ونُظِّم انقلاب عسكري أنهى حكم هيلا سيلاسي، وتحركت مجموعة من العسكريين بقيادة منغستو هيلا مريام وأبعدت هيلا سيلاسي عن الحكم عام 1974. وعلى الفور أنشأ مجلس الإدارة العسكرية المؤقتة الجديدة مجلس دولة شيوعية من حزب واحد، كانت تسمى جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الشعبية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى