الأرشيفتقارير وملفات

حرب الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب “ضد الإسلام السياسي امتداد للحروب الصليبية ضد الإسلام

كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعده بتدمير الدولة الإسلامية، خلال حفل تنصيبه وبعدها. وسابقًا، وتعهّد أيضًا بتخفيض الالتزامات الدولية التي لا تعود بالفائدة على الولايات المتّحدة. من وجهة نظر “جورج فريدمان” لا يتعارض كلا التصريحان. فترامب يقول ببساطة أنّ تدمير الدولة الإسلامية أولوية للولايات المتحدة. في هذا المقال يسعى “جورج فريدمان” لمعرفة لماذا تحظى الدولة الإسلامية بتلك الأهمية في تفكير ترامب، من خلال النظر في تاريخ الصراع بين الغرب والإسلام السياسي، ويبدو أن فريدمان تخلى في مقاله بشكل كبير عن موضوعية الباحث نحو تحريض ضمني على شن موجة حروب جديدة في العالم الإسلامي.

31

وفقا لفريدمان تعد الدولة الإسلامية حركة سنية، وجدت في البداية في سوريا والعراق، وأعلنت التزامها بإعادة إنشاء الخلافة والهيمنة على العالم الإسلامي. وقد أقامت منطقة نفوذ وسيطرة متجاورة نسبيا تمتد من الموصل إلى تدمر. وداخل هذه المساحة، استطاعت إنشاء حكومة، وعاصمتها الرقة. وقدمت خدمات بدائية ورفعت الضرائب وسيرت التجارة. واستطاعت أيضا الحفاظ على قوة عسكرية والتي كانت تقاتل القوات التي تحاول استعادة الموصل.

يرى فريدمان أن الدولة الإسلامية إذا نجحت في توحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة، كانت لتمثل تحديا عالميا. فوجود دولة موحدة ومتكاملة ذات مجتمع صناعي حديث تحكمها الشريعة الإسلامية وتملك الكثير من الأراضي، كان ليشكل تحديا حقيقيا وهائلًا للمصالح الأمريكية.

لكن الدولة الإسلامية بعيدة كل البعد عن تحقيق هذا الهدف، واحتمالات حدوث ذلك ضعيفة للغاية. وإذا كانت تتحرك في هذا الاتجاه، كان التدخل في المستقبل ليكون أكثر منطقية. كما ينبغي تذكر أن قوة صناعية تستند إلى الشريعة قادرة على إبراز قوة عالمية قد تسبب توترات بين النظام الاجتماعي المحكوم بالشريعة والقوى العالمية. وإضافة إلى ذلك، تهدد الدولة الإسلامية قوى إقليمية كتركيا وإيران والسعودية وإسرائيل، بقدراتها العسكرية، وغيرها بما في ذلك الولايات المتحدة، بالهجمات الإرهابية على فترات متقطعة. وفي النهاية، فإن القوة الأكثر عدائية ضد الدولة الإسلامية هي إيران، والتي تمثل الدولة الإسلامية لها تحديا لاهوتيا وسياسيا.

وقد يبدو النظر بهذه الطريقة يستنتج أن الدولة الإسلامية لا تشكل تهديدا مباشرا الآن للولايات المتحدة، وأن الكثير من الدول الإقليمية والوسيطة في موقع يسمح لها بصدها وأن الولايات المتحدة لا يجب أن تنخرط في الأمر بشكل مباشر. ولكن فريدمان يرى أن التفكير في الشرق الأوسط يمثل معضلة في حد ذاته تستحق نمطا مغايرا من المقاربة لا يقتصر على النظر إلى التهديدات الأمنية مباشرة ويتجاوز ذلك إلى الصراع الحضاري التاريخي.

صراع أوروبا المسيحية والإسلام السياسي

ويرصد فريدمان أن العالم الإسلامي لم يكن أبدا تحت سيطرة خلافة واحدة، لكن ظهرت قوى إقليمية واسعة وضخمة. على سبيل المثال، في وقتٍ ما، كان المسلمون يسيطرون على حوض البحر المتوسط. وهيمنت قوتهم على شبه الجزيرة الأيبيرية وتمددت باتجاه فيينا. وقد يفكر الناس بشكل منطقي أن أوروبا المسيحية قد انحدرت قوتها للغاية أمام قوة المسلمين في تلك الفترة. ومع ذلك، فإن ميزان القوى هناك، في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا، تحولت السيطرة عليه سجالًا بين المسلمين وخصومهم.

منذ القرن الـ 18 تقريبا، بدأ ميزان القوى يميل نحو الأوروبيين. وقد غزت الإمبراطوريات الأوروبية المسيحية العالم، بما في ذلك العالم الإسلامي كذلك. واستطاع الهولنديون في إندونيسيا تحطيم الإسلام السياسي في جزر الهند الشرقية. وتغلبت الإمبريالية البريطانية والفرنسية على الإسلام السياسي في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، على التوالي. وفرضت الإمبراطورية الروسية قوتها في القوقاز ووسط آسيا. ومع وهن الإمبراطورية العثمانية وسقوطها، اجتاحت أوروبا الشرق الأوسط. وفرضت الإمبريالية الأوروبية قوتها السياسية على المسلمين، لكنها لم تحطم المبادئ الدينية التي قام عليها الإسلام السياسي. لم يعد المسلمون قادرون على التعبير عن أنفسهم كقوة سياسية وسط السيطرة الأوروبية، لكن جوهر الدين لم ينكسر. ولم يحصر هذا الجوهر الإسلام كدين خاص، لقد رأى شرعية وسلطة الإسلام العامة والخاصة كجزء من نسيج الإسلام نفسه. كان الدين ثيوقراطيا في جوهره. وقد زادت عدم قدرته على عدم التمثيل سياسيا مع مرور الوقت، لكنها لم تكن حالة دائمة.

تثوير الإسلام السياسي

ووفقا لفريدمان، بعد انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، بقيت بعض الدول تطفو فوق حطام ما خلفه الأوروبيون خلفهم. لكن أسفل هذا الحطام، كانت طبقة من الإسلام السياسي الذي لم يختف أبدا، على الرغم من عجزه لقرون سابقة. ولقد كانت تلك الطبقة، التي تحررت من القيود، هي ما أدى لصعود القاعدة والدولة الإسلامية، فضلًا عن العديد من المنظمات الأخرى التي تركزت في العالم الإسلامي، مثل طالبان. ولم يكن ظهور الإسلام السياسي انحرافا، بل هو صراع جزء من الإسلام للعودة إلى مكانه التاريخي.

وبينما يستعر نقاش كبير في الغرب حول كيفية التمييز بين المسلمين الوسطيين والمتطرفين، يرى فريدمان أن الإسلام السياسي هو الإسلام. لقد أضعف ونحي جانبا، بفعل الهيمنة الأوروبية، لكن الإسلام يبقى دينا سياسيا بطبيعته. ولا يميز السؤال الجوهري بين الإسلام والإسلام السياسي. ولا يعني هذا أن الإسلام السياسي لابد أن يكون وحشيًا.

لكن هذا لا يسير كما ينبغي في هذه المرحلة من التاريخ وفق فريدمان. فبعد خروجه من الهيمنة الأوروبية، يخضع الإسلام لعملية ثورية موجعة. إنه يحاول إعادة بناء نفسه وسط مجتمع مسلمٍ محبط. ولا يحول الإلحاح والضغط الخارجي المسلمين إلى متطرفين. لكن لا يمكن أن تخلو عملية العودة برمتها دون وجود تطرّف داخل المجتمع المسلم، لأن هذه عملية تحرر للمعتقدات المكبوتة من الإسلام. ولقد شرعت الثورات الأوروبية، مثل الثورات الروسية والألمانية والفرنسية، بطريقة وحشية، وهذه إشارات للخسائر البشرية التي قد تحدث بخلق إسلام سياسي.

ويرى فريدمان أنه إذا تراجعت الولايات المتحدة عن هذا وتركت الطبيعة تأخذ مجراها، ستتجاهل بذلك حقيقة أن التطرف يميل لإزاحة الاعتدال، وليس العكس. وبالتالي، فالسماح باحتوائه من قبل تركيا أو السعودية لا يأخذ في الاعتبار أنها هي الأخرى عرضة للتطرف. فالإسلام لا يبحث عن التطرف أو الاعتدال، ولكن يبحث عن السلطة. وصعود دولة إسلامية موثوقة ناشئة إلى السلطة، ليس بالتأكيد في صالح الولايات المتحدة.

استئناف الحرب

يطرح فريدمان التساؤل: كيف ينبغي إذا التعامل مع هذا؟

الحل الأول أن تستأنف حرب الـ 15 عامًا التي بدأت بعد 11 سبتمبر. لكن كل ما يفعله ذلك هو تعزيز ظهور الإسلام السياسي. والحل الآخر باستخدام ميزان القوى، لا سيما إيران وإسرائيل. لكن المشكلة أنهما قد لا يوافقان أن يتم استخدامهما، وفي حالة إيران، ما سينتج لن يكون حلا.

لذا ستكون استراتيجية ترامب، وفق «فريدمان»، هي محاولة العودة بالعالم الإسلامي إلى الوضع الذي كان قائمًا في عام 1954. ولقرون، كان الإسلام سياسيا وفي موقف دفاعي مع روح منقسمة. وقد تحقق ذلك من خلال فرض أوروبا نفسها على العالم الإسلامي كما فعلت في مواجهة باقي العالم. وبوضوح، فالأوروبيون ليسوا في موقف يسمح لهم بتكرار ذلك.

ويرى فريدمان أن المفتاح هو كسر ثقة العالم الإسلامي المتنامية في ذاته. وهزيمة الدولة الإسلامية لن تكون النهاية، لكنها وسيلة نحو النهاية. والدولة الإسلامية هي مجرد بناء جديد للإسلام السياسي في شكله الثوري. لكن على خلاف الحركات المماثلة الأخرى، وقفت الدولة الإسلامية وقاتلت، وأعطت إشارة جديدة على القوة المتنامية للإسلام السياسي. وبالنسبة لترامب، فالعدو هو الحيوية والثقة المتزايدة. ولا يمكن القضاء على الإسلام السياسي. لكن يمكن القضاء على ثقته. ومفاهيم مثل التطرف التي تستخدم للجدال حول الإجراءات القاسية تفوت هذه النقطة. فليس الغضب على القسوة هو ما يأتي بالتطرف، لكنّه الفخر والأمل في المستقبل.

وقد تقود الموافقة على هذه الفكرة إلى نقاش حول إقحام قوات أمريكية، ليست مصممة فقط لتحطيم حركة ما، ولكن لترسيخ اليأس من الإسلام السياسي لقرن آخر. وهذا ما فعلته القوى الأوروبية في عصرها. وكان اليأس من ذلك الوضع مشهودا، وجاءت معه فضيلة الاعتدال. وبدون اليأس، لا توجد ميزة واضحة في أن تكون معتدلًا.

من الصعب أن نتخيل كيف سيبدو هذا الهجوم، وهزيمة الدولة الإسلامية وحدها لا تكفي حيث إن جذور المشكلة في الشعوب، ويجب إقناع الشعوب أن آمالهم بعيدة التحقق. يميل فريدمان أن ترامب يرغب في كسر الإسلام السياسي، حيث إن محاولة الرئيس السابق باراك أوباما ليكون صديقا لم تساعد، كما أن عدم فعل أي شيء يعد مخاطرة كبيرة.

المصدر

 جورج فريدمان

 جيوبوليتيكال فيوتشرز

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى