تقارير وملفات إضافية

حرام على المسلمين.. ماذا يريد رئيس وزراء الهند من قانون الجنسية الجديد؟

اتخذت الهند خطوة كبيرة يوم الإثنين 9 ديسمبر/كانون الأول 2019 تجاه
تهميش المسلمين، عندما بدأ البرلمان نقاشاً بشأن مشروع قانون سيضع اختباراً دينياً
للمهاجرين الذين يرغبون في الحصول على الجنسية الهندية، وهو ما يعزز أجندة رئيس
الوزراء الهندوسي القومي، ناريندرا مودي.

ومن شأن هذا الإجراء أن يمنح كل ديانات جنوب آسيا المعروفة مساراً
واضحاً لنيل الجنسية الهندية، باستثناء المسلمين. وهي الحركة الأهم والأبرز حتى
الآن في سبيل تغيير طبيعة الهند العلمانية التي صاغها وأكّدها القادة المؤسسون عقب
استقلال البلاد عام 1947.

وبعد ساعات من النقاش، مُرر مشروع القانون في الغرفة السفلى في
البرلمان (لوك سابها)، بعد دقائق من منتصف الليل. كانت نتيجة الأصوات 311 مقابل
80. وتنتقل مناقشة الإجراء الآن إلى مجلس الشيوخ (راجيا سابها)، حيث يبدو أن رئيس
الوزراء لديه ما يكفي من الحلفاء لتمرير المشروع ليصبح قانوناً، كما يتوقع أغلب
المحللين، بحسب تقرير لصحيفة
The New York Times الأمريكية.

يشعر مسلمو الهند الآن بالغضب والذعر، فهم يرون الإجراء الجديد،
المعروف بمشروع تعديل قانون المواطنة، كخطوة أولى من جانب الحزب الحاكم لجعل مسلمي
الهند الذين يبلغ عددهم 200 مليون، ويُعتبرون أحد أكبر التعدادات السكانية المسلمة
في العالم، مواطنين من الدرجة الثانية، بالإضافة إلى سحب الجنسية من كثيرين منهم.

يقول أسد الدين العويسي، عضو مسلم في البرلمان: «نحن متجهون
إلى دولةٍ شمولية فاشية». وأضاف: «إننا نجعل من الهند بلداً
ثيوقراطياً».

ويتماشى التشريع مع البرنامج المثير للجدل الذي بدأ في ولاية آسام
الهندية الواقعة في الشمال الشرقي هذا العام، والذي طالب 33 مليون مواطن في
الولاية -بدليل موثّق- بإثبات أنهم أو أجدادهم كانوا مواطنين هنوداً. رفعت أسماء
ما يقرب من مليوني شخص -الكثير منهم مسلمون أو مقيمون في الهند طيلة حياتهم- من
سجلات المواطنة في الولاية.

ويأمل حزب مودي، بهاراتيا جاناتا أو B.J.P. أن يمتد هذا النوع من الاختبارات الخاصة بالمواطنة ليشمل
الولايات الأخرى. وسوف يصير التشريع الجديد مبدأً توجيهياً لمن قد يتمنى أن يدعو
نفسه هندياً. 

يؤمن مودي وحزبه بشدة بالأيديولوجية التي تعتبر الهند بلداً
هندوسياً. ومنذ تحقيق حزب بهاراتيا جاناتا الفوز خلال إعادة الانتخابات في
مايو/أيار الماضي، احتفلت إدارة مودي  بانتصار قومي هندوسي مرةً تلو الأخرى،
ومثّل ذلك في كل مرة إحباطاً للمسلمين.

جاء اختبار المواطنة في آسام أولاً، ثم تبعه أن جرّد مودي ولاية
كشمير من الحكم الذاتي، وقد كانت الولاية الوحيدة في الهند ذات الأغلبية المسلمة.
وفي الشهر الماضي، حقق الأصوليون الهندوس انتصاراً قضائياً كبيراً سمح لهم ببناء
معبد جديد فوق أطلال المسجد المهدوم في مدينة أيوديا التي تُعتبر بؤرة توتر.

ويقول حزب مودي إنه يحاول، في ضوء مشروع المواطنة الجديد، حماية
المضطهدين من الهندوس والبوذيين والمسيحيين (وأصحاب الديانات الأصغر) الذين
يهاجرون من بلاد ذات أغلبية مسلمة مثل باكستان أفغانستان.

لكن التشريع من شأنه أيضاً أن يُيسر احتجاز المواطنين المسلمين
وترحيلهم، حتى هؤلاء الذين عاشت عائلاتهم في الهند منذ أجيال، في حال عجزوا عن
تقديم إثبات موثّق بمواطنتهم. 

هذا وقد صارت المشاعر المعادية للمسلمين صريحة وأكثر عموماً
وعلنية. وزاد ترويع المسلمين والهجوم عليهم في السنوات الأخيرة. وصار إظهار
الإيمان بالهندوسية والقومية علناً ضرورياً في الثقافة العامة والسياسات.

ولا يأسف رفقاء مودي من واضعي القانون في حزب بهاراتيا جاناتا على
مواقفهم الداعمة للهندوسية.

يقول رافي كيشان، ممثل مشهور في أفلام الإثارة وعضو في البرلمان،
ومؤيد رئيسي لتشريع المواطنة: «هناك بلاد مسلمة، وهناك بلاد يهودية، وكلٌّ له
هويته. ونحن يفوق عددنا المليار، أليس كذلك؟ ينبغي أن تكون لنا هوية واحدة».

وعندما سُئل ما إذا كان يحاول تحويل الهند إلى وطن هندوسي، ضحك،
وقال: «لطالما كانت الهند وطناً هندوسياً. حتى إن المسلمين فيها هندوس»
(وهو مُعتقد هندوسي قومي شائع: أن مسلمي الهند متحولون جدد نسبياً إلى الإسلام،
على الرغم من أن الإسلام دخل الهند قبل مئات السنين).

وحتى قبل أن تعتمد الغرفة السفلى في البرلمان (لوك سابها) هذا
التشريع سريعاً، بدأت الاحتجاجات على ذلك تندلع بالفعل.

وفي ولاية آسام، حيث بدأ برنامج المواطنة الصيف الماضي، خرج آلاف
الناس إلى الشوارع رافعين اللافتات والمشاعل مرددين هتافات مناهضة لمشروع القانون.

ويتحدث الناس عن تنظيم اعتصامات جماهيرية ومقاطعة المدارس
والمتاجر. وفي يوم الإثنين، 9 ديسمبر/كانون الأول، علق البعض دُمى مشنوقة تُمثل
مودي وذراعه اليمنى ووزير الشؤون الداخلية، أميت شاه.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يحاول قادة حزب المؤتمر الوطني الهندي
المُعارِض، تصوير مشروع القانون كخطر على الديمقراطية الهندية؛ إذ بعد أن حصلت
الهند على الاستقلال، اتخذ مؤسساها، المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، قراراً
واضحاً بأنه على الرغم من أن الهندوس يُمثلون 80% من البلاد، فهي لن تكون رسمياً
دولة هندوسية. وأن الأقليات، والمسلمين خاصة، ستُعامل على قدم المساواة.

قال راهول غاندي، رئيس الحزب وحفيد نهرو: «الهند ملك للجميع؛
كل المجتمعات وكل الأديان وكل الثقافات». ووصف شاشي ثارور، سياسي كبير في
الحزب، مشروع القانون بأنه «هجوم شامل على فكرة الهند في حد ذاتها».

لكن حزب المؤتمر يُعتبر في أدنى مرحلة يصل إليها منذ ما يزيد على
100 عام. ويتفوق حزب مودي من ناحية العدد: فهو يملك الحلفاء ويسيطر على ثلثي مقاعد
المجلس، الغرفة السفلى في البرلمان تقريباً.

بعد تمرير المشروع في الغرفة السفلى في البرلمان، سينتقل مشروع
القانون إلى مجلس الشيوخ. ويبدو أن مودي يملك ما يكفي من الحلفاء لجعل معظم
المحللين يتوقعون أن يُعتمد مشروع قانون المواطنة قريباً. 

ويؤمن بعض منتقدي مودي بأن الهدف من المشروع هو تشتيت انتباه
المواطنين عن قضية أخرى مُلحّة: وهي الاقتصاد؛ إذ للمرة الأولى منذ عقود، يتباطأ
اقتصاد الهند بشكل كبير. هو لا يزال ضخماً، لكن قطاعات كبيرة متعددة مثل قطاع
صناعة السيارات والدراجات النارية شهد انخفاضاً في المبيعات كما لم يحدث من قبل.

قال أمان ودود، محامٍ في مجال حقوق الإنسان في ولاية آسام:
«الاقتصاد في حالة يُرثى لها»، وقال إن مشروع القانون كان «القضية
الوحيدة الباقية لاستقطاب البلاد وتشتيت الناس».  

لكن توجيه الهند لتكون وطناً هنودسياً بشكل صريح كان هدفاً رئيسياً
لحزب مودي والمنظمة القومية الطوعية (راشتريا سوايامسيفاك سانغ RSS)، وهي مجموعة من المتطوعين اليمينيين الذين انضم مودي إليهم
ويقدمون له الدعم والتأييد. وقد تلقت خطوة الهند الأخيرة التي اتخذتها في كشمير،
إلى جانب الحكم في معبد أيوديا واختبارات المواطنة في آسام، شعبية كبيرة في صفوف
قاعدة مؤيدي رئيس الوزراء.

وفي وقتٍ مبكر من هذا العام، حاولت حكومة مودي أن تدفع لتمرير
مشروع مواطنة شبيه. وقد مُرر المشروع في الغرفة السفلى في البرلمان، لكنه تعرقل
بعد أن قال سياسيون كثيرون في آسام إنهم غير راضين عن البعد الديني الذي يبثه حزب
بهاراتيا جاناتا، أو احتمالية إعطاء المواطنة لعدد كبير من البنغاليين الهندوس
وجعلهم قادرين قانونياً على الاستحواذ على الأراضي في آسام.

اكتسب المشروع زخماً جديداً هذا الخريف، بعد اختبارات المواطنة في
آسام. وقد تعرضت الولاية لأفواج من الهجرة على مدار السنوات، وكان كثير من هؤلاء
الذين شُكك في مواطنتهم مهاجرين من بنغلاديش، سواء هندوس أو مسلمون.  

ومن جانبه، فقد وعد شاه، وزير الشؤون الداخلية والمسؤول عن
الانتصارات السياسية الأخيرة للحزب، بحماية الهندوس والطوائف الأخرى غير المسلمة.
ووصف المهاجرين غير الشرعيين من بنغلاديش بـ «النمل الأبيض»، وأوضح في
بياناته الأخرى أن المسلمين هم هدفه. ووعد شاه أيضاً بفرض اختبارات للمواطنة في
أنحاء البلاد كلها على غرار آسام.

ويقول المنتقدون لمشروع قانون المواطنة إنه جزء من حملة تهدف
لتحديد المسلمين الذين عاشوا في الهند لسنوات وترحيلهم. وهو يمهد الطريق أمام
المهاجرين من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان للحصول على المواطنة الهندية إذا
استطاعوا إثبات أنهم عاشوا في الهند مدة لا تقل عن خمسة أعوام ويعتنقون الديانات
المُحددة مُسبقاً.

وللتغلب على مقاومة السياسيين في ولاية آسام، الذين لا يريدون أن
يستولي المهاجرون الهندوس أو المسلمون على أراضيهم، تُحدد النسخة الجديدة من مشروع
القانون أوجه حماية خاصة للمناطق التي يشكل فيها السكان الأصليون أغلبية. 

يستخدم مؤيدو مودي منطقاً معيناً عند الدفاع عن المشروع وإقصائه
للمسلمين. يقولون إن المسلمين ليسوا مضطهدين في باكستان أو بنغلاديش أو أفغانستان،
وهو ما يكاد يكون حقيقياً. ويقولون أيضاً إنه عندما مُنحت الهند وباكستان
استقلالهما عام 1947، خصصت بريطانيا باكستان لتكون ملاذاً للمسلمين، بينما ظلت
الهند ذات أغلبية هندوسية. وبالنسبة لهم، فنطاق هذه العملية هو الطلب من المهاجرين
المسلمين غير الشرعيين مغادرة الهند والبحث عن ملجأ في البلدان المجاورة المسلمة. 

تنص المادة 25 من الدستور الهندي على ما يلي: «يتمتع جميع
الأشخاص بحرية المعتقد وحرية المجاهرة بالدين وممارسته وترويجه». نظراً إلى
أن معارضين كثراً للمشروع يقولون إن تشريع المواطنة غير دستوري على نحو سافر. لكنّ
القوميين الهندوس لديهم الإجابة عن ذلك أيضاً.

يقول راميش شندا، المتحدث باسم Hindu
Janajagruti Samiti، وهي منظمة هندوسية تُعد يمينية متطرفة:
«نحن لا نتحدث عن المواطنين، بل عن المهاجرين».

ويتفق كلا الجانبين على أمر واحد: أن المشروع يمكن أن يكون له
عواقب طويلة المدى.

تتسابق الحكومة الهندية بالفعل لبناء شبكة ضخمة من السجون تسع آلاف
المهاجرين. ويرى المعارضون أنه إذا طُبق قانون الهجرة بشكل انتقائي، فقد يتم
الإفراج عن المهاجرين الهندوس الذي احتجزوا خلال حملات المداهمات ويُسمح لهم
بالتقدم للحصول على المواطنة، بينما على العكس، قد يُرسل المهاجرون المسلمون إلى معسكرات
الاعتقال.

يقود ودود، المحامي في مجال حقوق الإنسان في آسام: «في كل
ولاية تجد المسلمين يركضون للحصول على الوثائق. يمكن أن يخلق ذلك بيئة من
الخوف».

ويقول كيشان، ممثل أفلام الإثارة الذي تحول إلى السياسة، إنه سوف
يحث على تغيير اسم الهند إلى بهارات، وهي كلمة هندية تقليدية للهند، لكنه قال إنه
ليس معادياً للمسلمين، وإن المسلمين الذين يعيشون في الهند بشكل قانوني لا ينبغي
لهم القلق.

قال: «كيف لي أن أكون معادياً للمسلمين؟ فريق عملي في مومباي
من المسلمين».

وأضاف: «الهندوس
والمسلمون في الهند هكذا» مشبّكاً أصابعه، وتابع بابتسامة واسعة: «أحب
الهندوس». 

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى