تقارير وملفات إضافية

“حتى الكتب يجري تبادلها”.. لبنان قد يخسر آخر ما تبقى من أمجاده

يواجه حوالي 750 ألف طالب لبناني و60 ألف مدرسٍ في المدارس الخاصة اللبنانية مصيراً مجهولاً مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، التي زادت من حدتها إجراءات التعطيل القسري لمنع انتشار فيروس “كورونا”.

وفي حين يشكو الأهالي من أن المدارس الخاصة تطالبهم بدفع الأقساط كاملةً، تحت طائلة عدم تسجيل أبنائهم للعام الدراسي المقبل، مع أنهم سددوا قسطين من أصل ثلاثة، تؤكد إدارات غالبية المدارس عجزها عن الاستمرار في العمل ما لم تبادر الدولة إلى دعمها.

وشكل التعليم الخاص في لبنان درة التاج اللبناني الذي وفر للبلاد نخبها المهاجرة الناجحة مقابل تدهور التعليم العام.

إذا كان من ميزة للبنان في محيطه اكتسب حق التفاخر بها، فهي المدارس والجامعات التي تأسست على أرضه حتى قبل أن يصبح كياناً مستقلاً بسنوات كثيرة، وذلك بفضل الإرساليات التي كانت تحط في بلاد الشام، ووجدت لها في أقليات جبل لبنان ومحيطه أرضاً خصبة آنذاك.

فعلى مدار 200 عام تنافست الطوائف من أجل تحقيق تعليم ريادي، واليوم كل هذا معرض للزوال.

في حي الطريق الجديدة في بيروت، قالت سناء لموقع Middle East Eye: “طلبت منكم أن تتصلوا بي الآن، لأنه الوقت الوحيد الذي يحصل فيه ابني على استراحة من الصفوف الدراسية عبر الإنترنت. هناك هاتف خلوي واحد في المنزل، وليس لدينا أي حواسيب محمولة”.

تعيش سناء مع زوجها العاطل عن العمل وابنها البالغ من العمر 11 عاماً، إضافة إلى ابنتها الأرملة وحفيدها. ابنتها هي الوحيدة العاملة في المنزل.

ابنها يدرس في مدرسة خاصة غير هادفة للربح تديرها منظمة المقاصد الإسلامية، لكن والدته تعاني من أجل إبقائه ملتحقاً بالمدرسة.

وأكملت: “كان عليّ أن أجد وسيلة جديدة للدعم المالي لإبقائه ملتحقاً بالمدرسة. فالمصاريف التعليمية تبلغ 1,150,000 ليرة لبنانية، وليس لدينا هذا المبلغ من المال الآن”.

بسعر الصرف الحالي في السوق السوداء، يُساوي هذا المبلغ أقل من 140 دولاراً أمريكياً (قبل الأزمة كان هذا المبلغ يساوي 766.6 دولار).

تواجه العائلات اللبنانية اليوم صعوبة متزايدة في إدخال أبنائهم إلى المدارس في لبنان، بعد أن ضربتهم أزمة اقتصادية حادة زادت من سوئها جائحة كوفيد-19 وانفجار ميناء بيروت قبل شهرين.

تذهب تقديرات الأمم المتحدة في وقتٍ سابق إلى أن الانفجار أدى إلى تشريد نحو 100 ألف طفلٍ.

وحذر بيانٌ صادم من لجنة الإنقاذ الدولية في 28 سبتمبر/أيلول من أن ربع أطفال بيروت معرضون لخطر ترك المدرسة، إذ تضرر 85 ألف طفل مسجلين في 163 مدرسة من انفجار أغسطس/آب.

وحالة نظام التعليم العام في لبنان مضطربة منذ وقتٍ طويل.

فمنذ انتهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً في 1990، ظلت الخدمات والمؤسسات العامة في لبنان هشة وضعيفة التمويل. 

والإنفاق الحكومي على التعليم ضئيلٌ للغاية إن قارنا لبنان بجيرانه. في 2014، أنفق لبنان 1% فقط من إجمالي الناتج المحلي على التعليم، بالمقارنة بـ 6% في تونس.

وقالت سناء: “في المدارس العامة، يحدث كل التعليم خارج الفصل الدراسي، في المنزل مع الآباء”، حتى قبل تحول الحصص الدراسية إلى التدريس عبر الإنترنت، وأضافت أن المدارس العامة المزدحمة وفقيرة التجهيز تعاني أيضاً من المحاباة والواسطة.

وتتسيد الخيارات الهادفة للربح المشهد، إذ تمثل المدارس الخاصة نصف المدارس في لبنان. هذا وتستعمل الأحزاب السياسية شبكات الرعاية الخاصة بها لتحاول سد تلك الفجوة، مقابل الولاء السياسي. 

فالمنافع المالية التي تذهب لموظفي الحكومة تُستعمل في الأغلب في إدخال أولادهم إلى المدارس الخاصة.

لكن لبنان دمرته أزمة اقتصادية قللت سعر العملة المحلية بنسبة 80% تقريباً في أقل من عام، وأدت إلى سقوط 55% من السكان في هاوية الفقر.

ولم تعد الأسر قادرة على تحمل تكلفة التعليم الخاص، وكما هو متوقع نقلوا أولادهم إلى المدارس العامة. في حين لجأت حكومة لبنان إلى الاستمرار في تخفيض الإنفاق على الخدمات العامة، وقلصت موازنة هذا العام الإنفاق الحكومي على التعليم بنسبة 7%.

جنان الأيوبي، معلمة بمدرسة عامة على مدار 25 عاماً، قالت لموقع ميدل إيست آي: “المدارس العامة تنهار. ونعرف هذا العام أن العديد من الأطفال سينتقلون من المدارس العامة إلى الخاصة، لكننا لا نعرف الرقم بالتحديد”.

وفي غياب الدعم من الدولة في الأعوام الأخيرة، أضافت الأيوبي أن ناظر المدرسة اضطر إلى التواصل مع المنظمات الدولية والجيش اللبناني من أجل إمداد المدرسة باللوازم المكتبية.

واضطرت جنان والمدرسون الآخرون بالمدارس العامة إلى إيجاد طرق لمساعدة الأهالي في مواكبة الضربات الاقتصادية المتلاحقة، مع أنهم هم أنفسهم يعانون من الصعوبات المالية.

فرواتبهم متواضعة للغاية بالفعل، وتراجعت قيمتها أكثر مع فقدان العملة لقيمتها. “عند هذه النقطة، يغطي الراتب بالكاد مصاريف المواصلات”. وأضافت أن بعض المدرسين ينتقلون في رحلاتٍ طويلة من مدينة إلى أخرى.

وقالت جنين ساخطةً: “نشجع الأطفال على تبديل الكتب مع الطلبة من الأعوام الدراسية المختلفة، لكي تكون لديهم الكتب التي يحتاجون إليها”. وأضافت أن الأزمة الاقتصادية صعبت الكثير من التغيرات الأخرى المرتبطة بالجائحة، ومنها التعلم عن بعد.

وشرحت جنان أن “العديد من الأسر لا تمتلك إلا هاتفاً واحداً، لكن بها خمسة أطفال أو أكثر بحاجة إلى حضور الصفوف الدراسية”. وأضافت أن” المدارس عاجزة عن توفير لابتوب واحد لكل مدرس. وتعلمون كم هو سيئٌ الإنترنت في لبنان”.

وتعاني سناء من أجل تحقيق الاستفادة لابنها من التعليم عبر الإنترنت، إذ تقول: “لا نقدر على تكلفة الاتصال بالإنترنت، لذا أعتمد على اتصال الجيران. إنه حقًا أسوأ وضعٍ ممكن”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى