منوعات

جيمي هوفا لم يقتل أحداً.. إلى أيّ مدى يقدم فيلم The Irishman قصة حقيقية؟

مثلما أثار فيلم The Irishman الجدل بطول مدّة عرضه (3 ساعات ونصف
الساعة)، وباجتماع ثلاثة من أهمّ الممثلين في هوليوود في تمثيله، فقد أثار أيضاً
الجدل حول مدى صحّة القصّة التي تبناها الفيلم، ما جعل المراسل نيكولاس غيج الذي
غطّى أخبار العصابات في أمريكا لسنين طويلة يعتبر أنّ «الكتاب الذي بُنِيَت
عليه أحداث  فيلم The Irishman هو أكثر قصص المافيا
فبركةً».

وقد
قام الفيلم باعتماد قصته من كتاب I Heard You Paint Houses الذي صدر عام 2004، ويحكي قصّة فرانك شيران حسبما رواها للكاتب
تشارلز براندت، وصار الكتاب الأكثر مبيعاً حينها.

وقد
جمع لنا موقع History VS Hollywood الأمريكي عدّة حقائق تاريخيّة مقارنةً
بالمعلومات الواردة في الفيلم، ولنبدأ من البداية:

على
الأرجح لا، فقد كان فرانك شيران أيرلندياً وليس إيطالياً. وهذه الحقيقة وحدها
كافية لجعله شخصية هامشية، وسط عصابة فيلادلفيا الإيطالية، كما أنّ موطن فرانك
شيران في منطقة سكرانتون بولاية بنسلفانيا لم تكُن أرضاً خصبة لنشاط المافيا.

بعد
تسريحه من الجيش الأمريكيّ في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1945، قبل يومٍ واحد من
عيد ميلاده الـ25 صار فرانك شيران سائق شاحنة. ومن أجل كسب المزيد من المال ارتكب
جرائمَ جانبية.

بحسب
فرانك شيران، فقد عَمِلَ قاتلاً مُحترفاً، ولفتت مساعيه الإجرامية لاكتساب المال
انتباه زعيمي المافيا «راسل بوفالينو» و «أنجيلو برونو». وقد
تبنّى بوفالينو، زعيم عائلة بوفالينو الإجرامية آنذاك، فرانك شيران، وأخذه تحت
جناحه ليصير مُرشده.

كان
بوفالينو هو من قدّم شيران إلى رئيس «نقابة سائقي الشاحنات»: جيمي هوفا، الذي ترأّس النقابة الأهمّ في ذلك
الوقت. صار الاثنان من الأصدقاء المُقرّبين، ووفقاً لرواية شيران فقد استخدمه هوفا
في المواقف التي تتطلّب العنف، إلى جانب قتل أعضاء النقابة غير المُتعاونين معه
والأعداء من النقابات الأخرى.

كانت
أولى الجُمل التي قالها هوفا لفرانك هي «I Heard
You Paint Houses – سمعت أنّك تطلي المنازل»، في إشارةٍ
إلى لون الحائط بعدما يطلق فرانك النار على رأس ضحيته، ومن هنا «بدأ كل هذا»،
كما يقول فرانك في كتابه الذي يحمل نفس عنوان الجملة: I Heard You Paint Houses.

الجواب
نعم، فبحسب القصة الحقيقية للفيلم فقد أعلن فرانك شيران قبل وفاته متأثّراً
بالسرطان مسؤوليته عن مصرع جيمي هوفا عام 1975.

السبب
الوحيد المنطقي الذي يُفسّر اعتراف The Irishman على فراش الموت بأنّه هو
من قتل جيمي هوفا، هو أنّ شيران كان مُفلساً، وأراد ترك بعض المال لعائلته.

من
الواضح أنّ تحويل قصة حياته إلى كتابٍ سيجني أرباحاً أكثر إذا كان هو الشخص الذي
ضغط الزناد على هوفا. فقضية اختفاء جيمي هوفا شغلت السلطات والصحافة في وقتها -عام
1975- ولم يُعرف حتى الآن على وجه الدقة من قتله.

صار
كتاب تشارلز براندت الذي يحكي فيه قصة فرانك شيران، من أكثر الكتب مبيعاً على
قوائم صحيفة The New York Times، وباع المُؤلّف حقوق الفيلم للمخرج وصانع
الأفلام مارتن سكورسيزي.

من
الغريب أنّ شيران قال في السابق إنّه لم يقتل جيمي هوفا! ففي عام 1995، قال لصحيفة
Philadelphia Daily News: «أنا لم أقتل هوفا، ولا علاقة لي
بالجريمة». وفي عام 2001، قال إنّ سال بريغوغليو هو القاتل. فما الذي جعله
يغيّر رأيه سوى محاولته جني بعض المال وهو مفلس؟

نعم،
فقد اتّهم مكتب التحقيقات الفيدرالي فرانك شيران بالكسب غير المشروع من النقابات
العمالية، وحُكِمَ عليه بالسجن 32 عاماً.

بعد
تسع سنوات، قال مُحامي الممارسات الطبية الخاطئة تشارلز براندت إنّه عُيّن من جانب
عصابة فيلادلفيا لتأمين إطلاق سراح شيران المشروط لأسبابٍ طبية في الـ71 من عمره.
وهكذا صار براندت صديقاً لشيران، قبل أن يستمع إليه لتأليف الكتاب.

حسب
مزاعم شيران، فقد شارك في العديد من المذابح وعمليات الإعدام من دون مُحاكمة لأسرى
الحرب الألمان، خلال فترة خدمته في المعارك التي دامت 411 يوماً.

تحدَّث
فرانك عن بعضها تفصيلاً في الكتاب الذي يحكي قصته. قال شيران إنّه حين كان يستسلم
جنديٌّ ألمانيٌّ أمامه كان «يُرسله إلى الجحيم». فقد «كان جميع
الجنود يرتكبون أفعالاً مُماثلة».

وفي
إحدى المناسبات، صادفت وحدته قطار نقلٍ عسكرياً ألمانياً ينقل الطعام والماء. وبعد
أن سمحوا للطاهيات النساء بالفرار أكل هو ورفاقه الجنود ما طاب لهم «ثم
لطّخوا ما تبقى بفضلاتهم».

وفقاً
لشيران، فقد سلّموا سائقي النقل من الجيش الألمانيّ معاولَ، وأمروهم بحفر قبورهم
بأنفسهم، قبل أن يعدموهم ثم يدفنوهم، وهو المشهد الذي أورده سكورسيزي لعدّة ثوانٍ
في الفيلم.

علّق
فرانك قائلاً إنّه ببلوغ تلك المرحلة «لم تعُد لديه مشكلةٌ في فعل ما يتوجّب
عليه فعله»، ما يعني أنّه لم تعد لديه مشكلة في القتل. ولا شكّ أنّ هذه
القدرة على سلب حياة شخصٍ ما دون تردّد هي التي مهّدت الطريق أمامه ليُعلن عن نفسه
بوصفه قاتلاً مُحترفاً.

أخبر
شيران تشارلز براندت – مؤلف الكتاب- أنّ الأوامر التي تسلّمها من قادة وحدته في
الجيش لم تختلف كثيراً عن الأوامر التي كان يحصل عليها من زعماء الجريمة لاحقاً:
«لقد كان الأمر يُشبه طلب ضابطٍ منك أن تصطحب أسيرين ألمانيين وراء الخط
الخلفي، وأن تُسرع عائداً. كُنت تفعل ما يتعيّن عليك فعله» أي تقتلهما.

ظهرت
في الفيلم شخصية «جو غالو» المثيرة للجدل، الذي قتله The
Irishman أثناء احتفاله بعيد ميلاده مع زوجته وابنته،
لكنّ هذا الزعم بأنّه من قتل جو غالو أحد أكثر مزاعم فرانك نفسه المشكوك فيها.

وقبل
زعم شيران بأنّه كان المُسلّح الوحيد الذي قتل غالو، كان من المعروف على نطاقٍ
واسع أنّه قُتِلَ على يد أربعة مُسلحين إيطاليين-أمريكيين، على علاقةٍ بعائلة
كولومبو الإجرامية المُنافِسة.

وبحسب
النسخة الأصليّة من الأحداث كان أحد رفاق عائلة كولومبو الذي يُدعى جوزيف لوباريلي
يجلس قُرب المشرب داخل مطعم Umberto’s Clam House، قبل أن يُشاهد غالو وهو يدخل المطعم.

غادر
لوباريلي وأخبر رفاقه الذين كانوا يجلسون في مكانٍ قريب. ومنحهم زعيمهم الضوء
الأخضر للتحرّك، فاندفعوا إلى المطعم وأطلقوا النار على جو غالو في الكوع والظهر
والأرداف. ويُعتقد أنّ كارمين دي بيازي، الملقّب بـ «سوني بينتو» كان
مُطلق النار الرئيسي.

خرج
جو غالو مُتعثّراً من المطعم إلى الشارع، قبل أن يسقط أرضاً. وأُعلِنَت وفاته داخل
غرفة الطوارئ بالمستشفى.

تتعارض
قصة فرانك شيران مع هذا تماماً، حين زعم أنّه المُسلّح الوحيد الذي أردى جو غالو
قتيلاً. وبحسب شيران، لم يكُن للجريمة علاقةٌ بنزاع غالو مع عائلة كولومبو. وبدلاً
من ذلك، يرجع الأمر إلى حقيقة أنّ غالو كان وقحاً مع رئيس شيران «راسل
بوفالينو» داخل ملهى Copacabana في وقتٍ سابق من تلك
الليلة.

بإشارةٍ
من بوفالينو، كان شيران يعلم «ما يتوجّب عليه فعله». كيف عرف شيران
المطعم الذي سيزوره غالو لاحقاً؟ قال شيران إنّ الجواسيس أخبروه بذلك، ومنحوه
تفاصيل الموقع الذي يجلس فيه داخل المطعم تحديداً.

كما
زعم مؤلف الكتاب أنّه في عام 2004، شاهدت مُحرّرةٌ بصحيفة The New
York Times صورة شيران في كتابه I Heard
You Paint Houses. ومن الواضح أنّها كانت داخل المطعم الذي
قتل فيه غالو ليلة إطلاق النار، وتعرّفت على فرانك شيران فوراً بوصفه المُسلّح
الوحيد.

لكنّ
ذلك حدث بعد 32 عاماً من وقوع مقتل غالو. وفي مقابلةٍ مؤخراً مع مجلة Slate الأمريكية، قالت إنّها حين نظرت في اتجاه صوت إطلاق النار، رأت
رجلاً طويلاً لم يبد أيرلندياً تماماً. ولا تتذكّر أنّها رأت سلاحاً في يده،
ولكنّها لا تزال تعتقد أنّه كان فرانك شيران.

يقول
براندت إنّ مُحقّق شرطة نيويورك، الذي كان واحداً من المسؤولين عن قضية مقتل جو
غالو، يرى أنّ مُسلّحاً واحداً ضخم الجثة وغير إيطالي هو من قتل غالو.

لكنّ
المحقق نفسه أوضح في مذكراته، الصادرة عام 1992 بعنوان The
Coffey Files، أنّ المُخبرين السريين قالوا له إنّ دي
بيازي هو مَن أطلق النار كما هو الاعتقاد السائد. ولا يُمكن التحقّق من وجهات نظر
المُحقّقين المُكلّفين بالقضية، لأنّهم ماتوا جميعاً، ومن بينهم كوفي الذي تُوفّي
عام 2015.

لكنّنا
نعلم أنّ أوصاف مُطلق النار التي رواها شهود العيان والشرطة آنذاك لا تتطابق مع
أوصاف فرانك. إذ وصفت صحيفة The New York Daily News المُسلّح بأنّه كان «بطول 176 سم، مُمتلئ الجسم، ويبلغ من
العمر 40 عاماً تقريباً، وله شعرٌ أسود منحول». 

هذه
الأوصاف تُطابق دي بيازي وليس شيران. علاوة على أنّ جوزيف لوباريلي (المخطط لمقتل
غالو وفق الرواية الصحيحة) صار شاهداً حكومياً، وأوضح كيف جرت الأمور، مما ورّط دي
بيازي وثلاثة آخرين في الحادث.

كانت
أرملة غالو أيضاً حاضرةً في المطعم للاحتفال بعيد ميلاده الـ43. وقالت لمجلة Slate إنّ القتلة كانوا «إيطاليين، صغيري الحجم، وقصيرين».
ومرةً أخرى، يُطابق هذا الوصف دي بيازي ورفاقه، وليس شيران الأيرلندي الذي يصل
طوله إلى 176 سم.

كما
قال حارس غالو الشخصي، لمراسل صحيفة New York Times نيكولاس غيج، إنّ دي بيازي هو الذي أطلق النار.

أمّا
المراسل الذي قضى سنواتٍ عديدة في تغطية أخبار العصابات لصالح صحيفتي New
York Times وWall Street Journal، وألّف كتاباً عام 1971 تحدّث فيه جزئياً عن غالو، فقال عن فيلم
سكورسيزي: «لم أقرأ سيناريو فيلم The Irishman، ولكن الكتاب الذي بُنِيَت عليه الأحداث هو أكثر قصص المافيا
فبركةً منذ السيرة الذاتية المُزيّفة للوكي لوتشيانو قبل 40 عاماً».

كان
فرانك شيران يدين بالولاء لمُرشده زعيم مافيا فيلادلفيا «راسل بوفالينو».
وحين انقلب بوفالينو وغيره من شخصيات الجريمة المُنظمة على هوفا؛ أخذ شيران جانب
بوفالينو وخان صداقته مع هوفا.

حين
سُجِنَ جيمي هوفا عام 1967 بتهمة التلاعب بالمُحلّفين ومحاولة الرشوة والاحتيال،
اختار هوفا شخصيةً ضعيفة تُدعى فرانك فيتزسيمونز ليحُل محله رئيساً لنقابة سائقي
الشاحنات الدولية.

رغم
أن صوت هوفا كان لا يزال مسموعاً من داخل السجن، لكن فيتزسيمونز كان هو المسؤول عن
صندوق معاشات النقابة في الولايات الوُسطى، وهو صندوقٌ يحوي مليار دولار!

كانت
قروض الصندوق شرعيةً في عهد هوفا، مما يعني أنّه كان يتأكّد من ضماناتها وإعادة
دفعها إلى الصندوق. أما فيتزسيمونز على الجانب الآخر، فكان يُقدّم قروضاً أفضل
للمافيا، ولم تُسترد الأموال مُطلقاً.

تكشف
القصة الحقيقية أنّ هوفا حصل على عفوٍ رئاسيٍّ من الرئيس نيكسون، بعد أربعة أعوامٍ
من الحُكم بسجنه 13 عاماً. يعتبر شيران أنّ السبب في خروجه هو رشوةٌ بقيمة نصف
مليون دولار لنيكسون، سلّمها شيران شخصياً للمحامي العام جون ميتشيل، وهي أموالٌ
مُهرّبةٌ من أندية القمار المملوكة للعصابات في لاس فيغاس.

بمجرّد
خروجه، عقد هوفا العزم على جمع سجلّات صندوق معاشات التقاعد، وكشف كافة القروض
السيئة التي وافق عليها فيتزسيمونز للمافيا.

كان
هوفا يخطط أيضاً للترشح في انتخابات رئاسة النقابة عام 1976 ليسيطر على نقابته من
جديد، وهي الانتخابات التي كان سيفوز فيها على الأرجح. وفي حال استعاد هوفا سيطرته
على صندوق معاشات التقاعد، فسوف يخسر زعماء المافيا الكثير من المال. وكان قتل
هوفا بمثابة الوسيلة شبه المضمونة الوحيدة لحل المشكلة.

اعترف
فرانك شيران لمؤلف كتابه بأنّه قتل حوالي من 25 إلى 30 شخصاً. لكنّ شيران لم يستطع
تذكُّر الرقم تحديداً.

المشكلة
في ذلك هي أنّ كاتب الكتاب لم يُؤكّد جريمةً واحدةً من جرائم القتل تلك. علاوةً
على عدم وجود دليلٍ واحدٍ مؤكّد يُثبت أنّ فرانك شيران قتل شخصاً من قبل. واتُّهِم
فرانك شيران فقط من دون إدانة، لأنّه أمر بارتكاب جريمتي قتل (لا علاقة لهما
بهوفا)، وليس لأنّه نفّذهما.

فرانك
هو أيضاً الوحيد الذي زعم أنّ هوفا أمر بقتل بعض الناس. وكان دليل براندت (كاتب
الكتاب) الوحيد على ذلك هو أنّ هوفا الذي كان معروفاً بسرعة غضبه وردوده المُبالغ
فيها قال إنّه يرغب في قتل بعض الناس، ومنهم جون كينيدي نفسه وشقيقه بوبي كينيدي
وآخرون. ولكن ليس هناك دليلٌ على أنّ هوفا نفّذ ذلك فعلياً على الإطلاق، وكلها
مُجرّد تكهّنات.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى