آخر الأخباراخبار المنظمةالأرشيف

جنازة مهيبة لعالم مهيب “الدكتور عمر عبد الرحمن”

بقلم  الشاعر

الشاعر

سلطان إبراهيم

يا فارس الإسلام في الزمن الغريبْ **اليوم تبكيك المسافة والدروبْ
ومدامع الأحرار سيلٌ هادرٌ**ومراجل الأنات في كل القلوبْ 
ولكم تمنينا رجوعك سيدي ** كنا نؤمل في لقاءٍ بالحبيبْ
   واليوم تقبل يا إمام مودعا ** كيف الشروق يحين في وقت الغروبْ  

الشيخ               

كانت جنازة فضيلة الدكتور عمر مهيبة جليلة بكل ما تعنيه الكلمة من معان ولقد أثارت في نفسي  ثوائر  وشجون كثيرة وأول ما ثار في خاطري  هو تعجبي من إصرار الشيخ في وصيته على الدفن في وطنه والشيخ بهذه الوصية  يعلن عن مدى   محبته لوطنه وانتمائه إليه  ذلك الشيخ العاشق لدينه المحب لأمته المجاهد في سبيل نصرتها في كل مكان يرسل إلينا أن كل ذلك لا يتعارض مع حب المرء لبلده وهكذا يعلم   الجميع حتى بعد موته أن حب الأوطان من الإيمان .إن هذه الوصية لتكشف عن  مدى الحنين الذي كان يعتمل في صدر الشيخ لوطنه وبلده وكم  كان يتمنى العودة إليها وقديما قال : إن الشجن في مصر أحب إليَّ من القصر في أمريكا .

https://www.youtube.com/watch?v=G9G0OzDGxSY

وثاني هذه الوقفات : أن الجنازة بينت لي مقدار ما للشيخ من مكانة في القلوب ورغم الكثير من الظروف والعوائق التي لا تخفى على ذي لب إلا أن الجنازة كانت  شهادة حب صادقة انطلقت بها القلوب وترجمتها الدموع ووثقتها الأحوال والأقوال وقديما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:(بيننا وبينكم الجنائز) وأعترف إني قد رأيت هذا المعنى في جنازات عديدة  لكني عشت حقيقة المعنى  حينما عايشت جنازة فضيلة الدكتور عمر عبدالرحمن لحظة بلحظة  فمنذ  أن جاء الخبر  والنفوس تطلع لتلبية وصية الشيخ وتتخوف من حرمانه من رغبته  بعد موته وبحكم تواجدنا في القاهرة وقربنا من أسرة الشيخ الجليل كانت الاتصالات لا تنقطع ليل نهار للسؤال عن موعد القدوم  تأتي إلينا الاتصالات من قنا وأسوان ومن محافظات الوجه البحري ويكفي ان تعلم ان الشيخ “صلاح هاشم”  كان عائدا من سفر له من القاهرة وحين وصل إلى سوهاج وأتاه الخبر عاد ادراجه الى القاهرة وظل ينتظر قدوم الجنازة حتى حضرها وغيره الكثير ممن قدم الى القاهرة ليكون في صحبة الشيخ ولولا الحرص ان يكون العدد محدودا في المطار  لوجدت الآلاف في استقبال الشيخ  لقد استشعر الصحفيون قيمة الرجل وانتقلت إليهم اللهفة والحرص على تصوير كل لحظة حتى هتف أحد الصحفيين  فيمن يحاول منعه من تصوير  الجنازة : هذه لحظة تاريخية لن نترك تصويرها .

وقد كانت الجنازة أروع من مواكب العرس  ففي موقف العاشر انضم المحتشدون من تلاميذ الشيخ من القاهرة والجيزة ثم انطلق الموكب وكلما مر على محافظة من محافظات الوجه البحري وجدت الموكب المنتظر ينضم الى  الموكب القادم حتى وصل الموكب رائعا مهيباً جليلا خلف السيارة التي تحمل جثمان الشيخ لتجد الناس في الطريق تحي القادمين وتستقبلهم بالدعوات الطيبة لهم وللشيخ حتى وصلت  وهناك وما أدراك ما هناك وقبل الدخول إلى الجمالية تلاقت أمواج المنتظرين مع أفواج القادمين في موقف لا يوصف ولا تعبر عنه الكلمات  وكان استقبالا امتزجت فيه الدموع بالتكبيرات وكنت انظر في وجوه الجمع الغفير المتواجد من الشباب فأساءل نفسي  كيف تسربت هذه المحبة الى قلوب هؤلاء وهم لم يروا الشيخ لمرة واحدة ولن يروه بعدها لمرة ثانية

هؤلاء الذين جاءوا يدفعهم الحب للشيخ وحده  ولم يأتوا حتى لمجاملة الأسرة وأولاد الشيخ فما من احد من اولاده يقيم في الجمالية . 

كان الحب هو الدافع الوحيد ليجعل الشباب حتى من غير المنتمين للجماعة والتيار الإسلامي من يحضرون فرادى وجماعات حتى اخبرني أحد الأهالي بالجمالية  أن هناك عدد من الشباب ومن الفتيات الجامعيات أيضاً من جاءوا فرادى  لشهدوا جنازة الشيخ الذي لم يروه و لم يعرفوه وليس بينهم وبينه ولا حتى بين تلامذة الشيخ ثمة آصرة لكنهم أحبوا الشيخ لما سمعوه يقرأ القرآن وعلموا بذله وتضحيته في سبيل دينه .         

   وكان أن ذهب به أولاده الى البيت وبقي المنتظرون يملأون ساحة المسجد الكبير عن آخره و الشوارع المحيطة به  وينساحون في شوارع الجمالية في مشهد  مهيب كنت تجد من ينادي عليك وكأنك قريب إليه: تفضل هنا استرح حتى يأتوا بالجنازة وتجد من يصحبك إن سألته على مسجد لتتوضأ فيه نظراً لازدحام المسجد الكبير وكأن أهل الجمالية  قد عاهدوا انفسهم أن يكونوا في خدمة الأضياف القادمين من كل ربوع مصر لتوديع ابن بلدهم   .

وكانت الكلمات الرائعات عن مناقب الشيخ ومآثره  في المسجد الكبير واعترف أني لم اشهد أغلبها لانشغال قلبي بتصوير الحال قبل تصوير المقال .ولكن كان مما سمعته من تلك الكلمات قول أحد المشايخ الكبار هناك وقسمه انه كشف الجثمان وأقسم ان وجه الشيخ كان كما تركه منذ سنين مستنيرا بوجهه وأنه انظف وأجمل وابهى منا جميعا فانطلقت التكبيرات فأخبر الشيخ أن الشيخ قد اوصى بالصمت في جنازته فالتزمها الجميع إلى نهاية الجنازة التي انطلقت وسيدات الجمالية يلقين بالحلوى على المشيعين وكان الموكب موكب عرس  ومنهن من وقفن صامتات يحملن بعض الاشياء المكتوبة على لوحات ورقية  بخطهن تعبيرا عن حبهن وتقديرهن للشيخ ومنهن من كتبت : امريكا بلد الحريات قتلت عمر عبد الرحمن .

كان المشهد ابلغ من الكلام والجنازة تمر في موكب مهيب وصوت التسجيل يتردد من سيارة تحمل سماعات  والشيخ يقرأ من جزء عم والله لقد وصلت السيارة الى المقابر مع صوت فضيلة الدكتور عمر عبد الرحمن وهو يردد قول الله تعالى (( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )) وكأن الرجل يزف نفسه في أبهى عرس رغم المسافات البعيدة جاءت جنازته عرسا نبيلا رحمك الله يا مولانا عشت بطلا ومت بطلا اللهم ارحمه وتقبله عندك في عداد الصالحين

يا غائبا عن موطني طال الغياب ** يا ناصراً للحق في  كل الرحاب 

يا صامداً في طول سيرٍ لم يهن**  والآن نم يا سيدي طاب الإياب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى