كتاب وادباء

جذور …تأبى الفناء ” مأساة جزائريي المحيط الهادي”

    بقلم الباحثة القانونية الجزائرية

ماجستير

ماجستير

نجاة غانية

زلت أذكر تفاصيل رواية Racines -جذور- بجزأيها للكاتب والصحفي الأمريكي Alex Haley -ألكس هالي-، أرّخ فيها ملحمة عائلته وأجداده الأوائل الذين تم اقتيادهم إلى أمريكا للسخرة والاتجار بهم ..وتتبع هالي أصول آبائه وسافر إلى غامبيا موطن جده بطل المأساة -كونتا كونتي- الشاب الأفريقي المسلم الذي مزقت إحدى رجليه وقطعت بالسكاكين جراء محاولته الهروب مرارا، مستجيبا لنداء الحرية المتدفقة في عروقه الأفريقية، يحدوه أمل العودة للوطن البعيد جدا .. الغارق وراء المحيط اللامتناهي .. لم يكد يعي –كونتا- أنه في بلاد اللارجوع ..وأنى له أن يدرك ذلك وقد أرغم على الإبحار قسرا من غامبيا إلى أمريكا على قوارب الموت، فكان وعيه كإغماءة المتخبط في سكرة الكابوس الخانق.. فكل ما رآه في تلك الرحلة المشؤومة حتما ليس فيه شيء مما يحدث في عالمنا الحي..

وتستمر الملحمة وترث الأجيال المتعاقبة هذا القدر المحتوم، قدر العبودية والإذلال..

لا زلت أجد مرارة أحداث هذه القصة الحزينة في نفسي كلما مررت بمشاهد إخبارية أو عروض فنية تعكس قسوة أعداء الإنسانية المقتاتين بكرامة الإنسان، الراقصين على الجراح النازفة..

ما كنت أحسب آنذاك وحتى زمن قريب أننا قد نجد في التاريخ الحديث أقسى على النفس البشرية وأشد إيلاما لها من هذه الترحيلات القهرية الفظيعة التي ارتكبت في حق الأفارقة السود بعد اصطيادهم كالوحوش البرية، وشحنت بهم القوارب والسفن عراة مكبلين في الأصفاد، رجالا ونساء دون اعتبار لآدمية ولاكرامة..

لكن ، وخلال العقدين الماضيين كشف التاريخ عما هو أخطر من هذا وأشد تنكيلا!!

إنها فرنسا وممارساتها الاستعمارية السادية وأساليبها العنصرية القذرة في حكم البلاد التي تحتلها ..

إن ما فعلته فرنسا بداية احتلالها للجزائر بالثائرين ضدها كان عقابا ظالما وإجراما فريدا غير مسبوق..

algerien-1-2-2015

إذ ألقت القبض على خيرة  أبناء وشيوخ أنبل وأشرف العائلات والقبائل الجزائرية، وحكمت عليهم ظلما أن يلقى بهم في سجون جزيرة كاليدونيا الجديدة Nouvelle-Calédonie)  (البعيدة بعدا ضاربا في عرض المحيط الهادي ..

ليس هذا فحسب فالحكومة الاستعمارية الفرنسية لم تشف غليلها بعد من هؤلاء الأبطال وهم مقيدون ويساقون لحتفهم في ثبات واحتمال، فكان الحكم بأن ينفون وحدهم دون عائلاتهم ولا ذراريهم .. وأخذوا إلى هناك وأجبر من بقي حيا، بعد رحلة الموت الطويلة، على تحطيم الصخور وشق الطرقات وبناء المستعمرة الفرنسية. منعوهم الكلام باللغة العربية وكذا من لبس الزي العربي المغاربي.. وأفرغت الحكومة الفرنسية بخبث وكيد ماكر السجون ومؤسسات الإصلاحية بفرنسا من النساء المحكوم عليهن في قضايا أخلاقية وجنائية وهجّرن إلى ذلك المنفى.. لتكتمل بهن خطة الشيطان في القضاء على الهوية الأصيلة واقتلاع الجذور العربية الإسلامية لهؤلاء المبعدين، فاضطروهم بعد انقضاء سنوات السجن للزواج بأولئك النسوة الغريبات الغربيات.. وفرض على أبنائهم أسماء غربية مسيحية حتى تغدو أصالة وتاريخ ولغة ودين الآباء والأجداد للأجيال القادمة نسيا منسيا..

 ومن الأمثلة على بشاعة المعاملة والاحتقار الذي تعرض له هؤلاء المنفيون العزل على أيدي المستعمرين الحاقدين أنه كان يؤتى بالمحكوم عليه ويأمره أحد الضباط الفرنسيين في ساعات اللهو والمقامرة مع بعض ندمائه أن يحفر حفرة وينزل فيها ويعدمه طلقا بالرصاص.. ثم يليه آخر حتى يمل الضباط لعبته اللعينة وينصرفون، وينجو بذلك من كتبت له النجاة من هذه النزوات الإجرامية..

واليوم يواصل الجيل الخامس لجزائريي المحيط الهادئ (Algériens du Pacifique) السعي حثيثا لتحسين ظروفهم المعيشية والكفاح لافتكاك بعض الحقوق الأساسية من السلطات ويحيون بكرامة كباقي المواطنين.

بدأ هذا الجيل بالبحث عن أصولهم الجزائرية الإسلامية بعد أن تم اكتشافهم – بتدبير من القدر ذاته الذي أبعد آباءهم- وتم التعرف لقضيتهم.. وإنه لمن المفارقات أن نجد هؤلاء الأحفاد الذين بعدت المسافة الزمنية والثقافية بينهم وبين أصولهم أيما بعد.. قد امتلأت قلوبهم شوقا إلى القادمين الأوائل، المنفيين المبعدين القدامى ..وإشفاقا على ما لاقوه من ظلم وحرمان وعانوه من ذل وهوان وتحملوه من هموم وأحزان ..

ومن العجيب حقا أن المؤلف ألكس هالي في روايته تلك أحيا تاريخ عائلته بعد عقود بل بعد قرون من الزمن مستذكرا الأغنية التي علمها جده كونتا كونتي لابنته الوحيدة التي تولت نقلها لأبنائها وأحفادها من بعده..في هذه الأغنية جذور تحمل في داخلها الوطن البعيد والحضارة المنسية ودين التوحيد وحكايات عن الأجداد..

كذلك نجد أهم مطالب جزائريي كاليدونيا بعد اكتشافهم هي تعليم أبنائهم اللغة العربية والدين الإسلامي والتقاليد الجزائرية التي لا يكادون يعرفون عنها شيئا إلا ما أسرّه بعض الآباء لبعض أبنائهم من كلمات وأغنيات وشيء من القرآن حفظوه بمشقة وعنت لضعف حظهم من اللغة العربية وخوف الافتضاح أمام الفرنسيين وحتى من بعض أمهاتهم الفرنسيات..

بهذا الحنين الأصيل يكتب التاريخ بالخط العريض أن الفناء من نصيب حاطب شجرة الهوية والأصالة التي لا تحمل الحياة في أعرافها وأوراقها فقط، وإنما أيضا في جذورها البعيدة عن ضجيج المنشار الأحمق والفأس الرعناء كلما حاولا تحطيم جذع الحضارة والوطن..لتخرج من جديد وتعلن في قوة وثبات في وجه الطغيان أنها الأبقى..

إنها حقا جذور.. لكنها تأبى الفناء.. !   

نجاة غانية

ماجستير في القانون

الجزائر.

[email protected]

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

‫3 تعليقات

  1. مقال رائع للاستاذة تم فيه تسليط الضوء على قضية منسية من القضايا الاستدمار الفرنسي ابان احتلاله للجزائر, دمتي متالقة استاذتنا الكريمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى