تقارير وملفات إضافية

ثورة لبنان في مفترق طرق بعد أن حسمت السلطة أمرها.. مَن يغادر موقعه أولاً؟

مع دخول الاحتجاجات في لبنان يومها التاسع، تبلور إلى حد كبير موقف السلطة، بينما لا توجد بوادر على أن الشارع الثائر يمكن أن يتنازل عن مطالبه أو يتخلى عن ساحات الميادين حيث التظاهر والاعتصامات، فماذا يعني ذلك على الأرض في لبنان؟ وكيف يمكن أن يكون المخرج؟

في أول خطاب له في اليوم الثاني من الاحتجاجات، أعلن سعد الحريري، رئيس الوزراء، تفهمه الكامل لمطالب المحتجين، وأمهل نفسه وشركاءه في الحكومة (التيار الذي يهيمن عليه حزب الله – دون أن يسميه) 3 أيام للتوافق وتلبية مطالب الشارع، ثم خرج مخاطباً الشارع بعد انتهاء المهلة وكان ذلك الإثنين 21 أكتوبر/تشرين الأول معلناً حزمة إصلاحات اقتصادية.

رد الفعل على ما طرحه الحريري كان فورياً ومباشراً من جانب المحتجين، وهو الرفض التام، وأخذت أعداد الثائرين في الزيادة، وأصبحت الأمور ليست مجرد احتجاجات بل تردد شعار «ثورة»، وأصبح مطلب استقالة الحكومة في قلب الشعار الرئيسي «كلن يعني كلن» (أي إبعاد الطبقة السياسية برمتها عن الحكم ومحاكمتهم ومنتسبيهم بتهم الفساد واستعادة الأموال المنهوبة).

لم يظهر رئيس الجمهورية ميشال عون في الصورة إلا أمس الخميس 24 أكتوبر/تشرين الأول وجاء ذلك من خطاب مسجل رديء المونتاج، وأبرز ما جاء فيه أن «التغيير يتم عبر المؤسسات وليس في الساحات»، وكان رد الفعل من الشارع الثائر أكثر تحديداً، وجاء على لسان متظاهرين ونشطاء أن «المؤسسات هي التي أوصلت الأمور لما وصلت إليه، وأن الحل هو تغيير النظام بشكل كامل».

الموقف الأكثر وضوحاً منذ اندلاع الاحتجاجات الخميس 17 أكتوبر/تشرين الأول هو موقف الشريك المهيمن على صنع القرار داخل السلطة الحالية وهو حزب الله، وتمثل هذا الموقف في الخطاب الذي وجهه زعيم الحزب حسن نصرالله للمتظاهرين وللسلطة على السواء السبت 19 أكتوبر/تشرين الأول، وأعلن فيه الرفض المطلق لاستقالة الحكومة، بل وهدد «من يتقدم باستقالته بالمحاكمة».

اليوم الجمعة 25 أكتوبر/تشرين الأول تدخل احتجاجات لبنان يومها التاسع، وقد أصبح الموقف أكثر وضوحاً، السلطة حسمت موقفها ولن تستقيل وستلجأ لفض الاعتصامات وتتصدى لإغلاق الطرق بالقوة، والمؤشرات على الأرض تؤيد هذا التوجه وليس فقط المواقف السياسية.

المؤشر الأبرز كان اختراق مجموعات حزبية مناصرة لحزب الله صفوف المتظاهرين في ساحة رياض الصلح ببيروت أمس الخميس، والتسبب في حالة من التدافع الخشن، وأعلن الصليب الأحمر أنه تم نقل 6 جرحى إلى مستشفيات بيروت، ووصلت إلى الساحة تعزيزات أمنية عملت على ضبط الأجواء.

وفي النبطية حيث يتظاهر عشرات الآلاف، أصيب عدد من المتظاهرين إثر هجوم نفذته عناصر حزبية وعناصر من المجلس البلدي، حيث ضرب المعتدون المتظاهرين بالعصي والحجارة وأجبروهم على الابتعاد عن مبنى المجلس البلدي.

واليوم الجمعة قالت وحدة التحكم المروري في بيروت إن القوى الأمنية أغلقت كل الطرق المؤدية إلى القصر الجمهوري بالأسلاك الشائكة وسط إجراءات أمنية مشددة، لكن المؤشر الأبرز هو ما أشار له مصدر مسؤول لصحيفة «الجمهورية» اللبنانية من أنه قد «بدأ العد العكسي لإنهاء حال الفوضى بحيث سيتم فتح كل الطرقات، ليكون الإثنين المقبل يوم عمل طبيعياً في كل المؤسسات الرسمية والخاصة وفي المصارف والبلد عموماً».

وقال رئيس جمعية المصارف سليم صفير  لـ «رويترز»: «إن العمليات المصرفية ستستأنف بأقصى طاقة فور انتهاء الأزمة السياسية في لبنان». 

ونقلت صحيفة «الأخبار» اللبنانية عن مصادر قولها إن رئيس الحكومة سعد الحريري «أبلغ رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس البرلمان نبيه بري وقيادة «حزب الله» استعداده للسير في خيار تشكيل حكومة جديدة، لكنه اشترط الاتفاق الكامل عليها قبل أي استقالة، وإلا فهو لا يمانع تعديلاً وزارياً كبيراً».

وأضافت المصادر أنه «يبدو أن حزب الله، والتيار الوطني الحر يرفضان أي تعديل يستهدف وزير الخارجية جبران باسيل«.

الموقف على الأرض بين صفوف المحتجين لا يبدو أن أي تحرك من جانب السلطة الحالية يمكن أن يثنيه عن مطلبه الرئيسي وهو استقالة الحكومة وحل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مبكرة وتشكيل حكومة مستقلة من كفاءات لا تخضع للمحاصصة الطائفية، فالثقة أصبحت مفقودة تماماً بين الشارع والطبقة السياسية الحالية بأكملها.

ورغم حالة الطقس السيئة وهطول الأمطار، تتواصل الاحتجاجات والاعتصامات في شتى مناطق البلاد ويصر المحتجون على المرابطة في الساحات من الشمال إلى الجنوب، لاسيما في طرابلس وذوق مصبح وجل الديب ووسط بيروت وصيدا وصور والبقاع وغيرها من المناطق.

وفي تكتيك جديد قام المتظاهرون بنصب خيام في وسط الطرق الرئيسية المؤدية لوسط بيروت لمنع الحركة، والهدف الذي أعلنوه هو فرض العصيان المدني بالأمر الواقع.

ما يزيد من احتمالات تفجر الموقف هو ما حدث أمس في ساحة رياض الصلح من اختراق مجموعات تابعة لحزب الله لصفوف المتظاهرين، وأيضاً حشد التيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل لبعض أنصاره في المناطق المسيحية في تظاهرة مضادة، وهنا يكمن التخوف الأكبر، والسؤال هو إلى متى ستظل سلمية الاحتجاجات هي الغالبية؟ 

موقف القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع وهو الحزب المسيحي الآخر الذي له أربعة وزراء في الحكومة أعلنوا استقالتهم، وهو ما يعني أن الشارع المسيحي منقسم الآن، ولجوء التيار الوطني الحر لخيار المواجهة مع الشارع الثائر يزيد من خطورة خروج المظاهرات عن سلميتها من ناحية، وعودة نغمة الطائفية من ناحية أخرى، حال إقدام حزب القوات مثلاً على حشد مناصريه في ذات المناطق وبنفس الطريقة.

كل هذه المؤشرات والتطورات تجعل الأمور في لبنان مفتوحة على كل الاحتمالات، وسيكون لكلمة نصرالله المتوقعة اليوم والتي من المؤكد أنها ستحمل لغة أكثر عنفاً تجاه فكرة استقالة الحكومة تأثير كبير على الأوضاع على الأرض.

المواقف الحدية التي تتبناها السلطة التي يهيمن عليها حزب الله وحلفاؤه في مواجهة إصرار الشارع الثائر على رحيل تلك السلطة يشير إلى أن الأيام الثلاثة القادمة حتى الإثنين 28 أكتوبر/تشرين الأول تمثل مفترق طرق لثورة لبنان.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى