آخر الأخباركتاب وادباء

ثقافة الكمبوند”من التفاوت الطبقي إلى الفصل الطبقي.”

من ذاكرة اسكندرية

سلسة مقالات الأسكندرية من روائع الأديب الكاتب

المهندس/ محمود صقر

حتى مرحلة شبابه المتأخر معزولا عن الممارسة اليومية لمثيله من عموم سكان مصر، في ركوب المواصلات العامة ودخول المستشفيات الحكومية وخلافه.

هذا الأثر العنيف لثقافة الكمبوند موجود بشكل أعمق في المدن الجديدة امتداد القاهرة، ولا يوجد في اسكندرية بذات القدر من التأثير، فحتى مع وجود بعض التجمعات السكنية داخل اسكندرية فمن المستحيل على ساكنها الانعزال عن المجتمع انعزالا كليا كحالة التجمعات كاملة الخدمات.

التفاوت الطبقي بين الناس وفق حيثياتهم الاجتماعية أو على قدر ما يملكونه من أموال، أمر طبيعي جدا وموجود في كل المجتمعات، وحتى في المجتمعات الشيوعية وفي أوج وهجها الأيديولوجي كانت الطبقات موجودة.

ولكن في المجتمعات المتقدمة هناك حد أدنى من الخدمات الواجب توافرها لعموم المجتمع بمختلف طبقاته؛ بمعنى أن الدولة مسئولة عن توفير مواصلات عامة نظيفة ومريحة وبعدد خطوط كافية لحاجة السكان، ومسئولة عن توفير خدمات صحية حكومية بالحد الأدنى من الآدمية، وتوفير مستوى من النظافة للشوارع والأماكن العامة، وعدد من الحدائق وأماكن الترفيه العامة يتوزع جغرافيا بالنسب المعمول بها في تخطيط المدن، والذي يراعي عدالة توزيع الخدمات على السكان.

وإذا عدتُ أنا إلى الوراء قليلا وقارنتُ حال مصر سابقا بما هي عليه الآن، وكما كانت وقت طفولتي وشبابي سيظهر الفارق وتتضح الفكرة.

البيت الذي وُلِدتُ فيه في حي اللبان ووصفته سابقا، يمكن تسميته بلغة العصر (ميني كمبوند) يعني مجمع سكني صغير، لأنه كان يتكون من كتلتين سكنيتين بينهما حوش كبير، وكان حوش البيت مع بسطات السلم الرخامية العريضة وسطح البيت الكبير تمثل مساحات ترفيهية نمارس فيها ألعابنا في مرحلة الطفولة والصبا، وبما يغنينا عن اللعب في الشارع.

في نفس الوقت كان في نفس الحي مساكن أخرى متواضعة جدا، ومنها كان مساكن الإيواء، وهو نموذج من السكن يُفتَرَض فيه أن يكون مؤقتاً لمعالجة وضع طارئ لمن سقطت بيوتهم فجأة أو أي طارئ آخر، وكان تصميم هذه البيوت نفس تصميم عنابر السجون تماما بتمام، فكانت عبارة عن ممرات تطل على حوش داخلي وتفتح عليها أبواب غرف متجاورة، وكل غرفة من هذه الغرف تسكنها عائلة كاملة، ومع كل مجموعة من الغرف توجد حمامات عامة لخدمة مجموعة من الأسر، وأنا لم أتعرف على هذا النوع من السكن إلا بعد دخولي للجامعة.

 

كان صديقي في كلية الهندسة جامعة اسكندرية، ونحن في أول سنة في الجامعة يسكن في مساكن الإيواء في سوق السنوسي خلف كركون اللبان القريب من بيتنا، وكان صديقي هذا مميزا جدا ولدرجة العبقرية في علم الرياضيات، وكنت أحتاجه في مساعدتي لشرح ما استعصى علي فهمه، وذهبت له يوما في سكنه، فأصابتني المفاجئة بنوبة بلغت حد الغثيان بعد عودتي لمنزلي من هذا المشهد الذي رأيته في هذا السجن الذي يسمونه (سكن)، والنساء يفترشن الممرات طلبا لتنفس الهواء المفتقد داخل الغرف، ولممارسة أنشطتهن من طبخ وحياكة وخلافه.

هكذا كان الفارق بين سكن وسكن وداخل نفس الحي، ولكن في المحصلة:
كان سكان هذا السجن المسمى سكنا، يركبون معنا نفس المواصلات العامة، ويجاوروننا في نفس المقاعد الدراسية من المدارس الابتدائية وحتى التخرج من الجامعة، وكان البحر بطوله من المنتزه للعجمي مفتوح لنا جميعا، ونلعب الكرة الشراب سويا في الشوارع، ونستمتع سويا بحدائق الشلالات والنزهة وأنطونيادس.

هكذا كنا في مصر؛ نتفاوت طبقيا، ونتفاوت بقدر قدرة أهالينا المادية، ولكن بمجرد خروجنا من أماكن سكننا إلى الفضاء العام في المدينة، تذوب بيننا الفوارق الاجتماعية.

ومن هنا تأتي خطورة الانتقال من التفاوت الطبقي الطبيعي في كل المجتمعات، إلى الفصل الطبقي الذي ينذر بشروخ يصعب ترميمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى