كتاب وادباء

توشكُ .. وها قد أوشكتْ !!

توشكُ .. وها قد أوشكتْ !!

بقلم

 أحمد الحارون

أحمدالحارون

…..

من يتأملُ حالَ أمتنا العربية والإسلامية أبان القرن الماضي وبعد سقوط الخلافة يجد عجباً، فقد احتل الغرب القميء أمصارنا، وعربد في كل الأقطار، وقسم الحدود وباعد بين الأهل والجيران؟ وأججَّ النزعات العرقية والمذهبية والطائفية مما أثر بالسلب على الانتماء لروح الأمة وحبنا لأوطاننا، فهو وإنْ حلَّ بأرضٍ، فصعْبٌ خروجه، وإن خرج وطد من أبناء البلد من يحمي مصالحه، فسياسة الاحتلال لا تدخل في شيء إلا دخول الإبرة بخيطها في الثوب، إن خرجتْ هي تركت الخيط وقد جُمِعَ وشُدَّ. لذا فلا عجباً أن ترى في بلادنا المسكينة الأجانبَ، وأموالَ الأجانبِ وغطرسةَ الأجانب، وعربدةَ الأجانب، وليس هذا لأن فيها الاحتلال، بل لأن فيها ضعفها، وضعف أهلها وغفلتهم، ويفسِّر حديثُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واقعنا المزري فيقول:”إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى”[1]، فتضمن الحديثُ مواطن الخطر الثلاث التي انزلق فيها الكثير إلا من رحم وهي: (البطن والفرج والهوى). فكم صرفت الشهواتُ الحيوانية أناساً عن القيم الرفيعة، وجعلتهم يحيون حياة السوائم ” إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا”(الفرقان:44)، وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ :”إياكم والبِطْنَة في الطعام والشراب، فإنها مُفْسِدةٌ للجسد، مُورثةٌ للسقم، مُكْسلةٌ عن الصلاة”، ناهيك عن شهواتِ العقل في الارتيابِ والشكِّ في تعاليم الإسلام لدى من لم ينل حظاً وفيراً من التعليم. وهذا رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلّاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)”[2]، وفي الحديث: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، والأمة التي تتغلغل في قلبها المروءة، وتمتلئ جوانحها بالتمسك بثوابت هذا الدين، تجعل إحقاق الحقِّ والصدع به فوق كل اعتبار، (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) ولنا أن نتأمل في ذلك ما تقرر في قول النبي صلى الله عليه وسلم مما جاء في مراسيل الحسن: (لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها أمراءها، وما لم يُزكِ صلحاؤها فجارها، وما لم يُهن أشرارها خيارها، فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر)، ومن يستطيع اليوم أن ينكر واقع المسلمين الذي ينبأ بما ذكره عمر بن الخطاب فيما رواه عنه الإمام أحمد: (توشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قيل وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكره الأوزاعي عن

[1]ـ أخرجه أحمد في المسند رقم ( 19787) ـ(19788) 4 / 420والطبراني في الصغيررقم ( 511 ) 1 / 309

[2] ـ ( رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (423))

حسان بن عطية: (سيظهر شرار أمتي على خيارها، حتى يستخفي المؤمن فيها كما يستخفي المنافق فينا اليوم)؟.وقيل: “إن الشعوبَ الإسلامية والبلاد العربية ـ مع الأسف ـ ضعيفةُ الوعي إذا تحرجنا أن نقول: فاقدة الوعي، فهي لا تعرف صديقها من عدوها، ولا تزال تعاملهما سواء، أو تعامل العدو أحسن ما تعامل الصديق الناصح، وقد يكون الصديق في تعبٍ وجهادٍ معها طول حياته بخلاف العدو، ولا تزال تُلدغ بجُحر واحدٍ ألف مرة ولا تعتبر بالحوادث والتجارب”[1]، وقال الإمام أحمد : قال موسى :يارب أنت في السماء ونحن في الأرض ، فما علامة غضبك من رضاك ؟قال : اذا استعملتُ عليكم خياركم ، فهو علامة رضائي عنكم ، واذا استعملتُ عليكمشراركم فهو علامة سخطي عليكم .وعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قُلْنَا : مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : لا ، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ، قِيلَ : وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ “، ففي هذا الحديث تحذير من” حب الدنيا وكراهية الموت “، ويا له من هدف عظيم لو أن المسلمن تنبهوا له وعملوا بمقتضاه لصاروا سادة الدنيا ، ولما رفرفت على أرضهم للكفر رايةٌ، وحتى ينجلي هذا الليل البهيم.. فلابد من الأخذ بأسباب النجاح والفلاح فى الدنيا والآخرة ، فنعود كما كان أسلافنا، نحبُّ الموت كما يحبُّ أعداؤنا الحياة، فما حذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام وقعنا فيه، وصارت توشك… أوشكت وقربت وحانت، فها هي فرق الكفر وأمم الضلالة تجتمع علينا، ويدعون بعضهم إلى التداعي والاجتماع لقتلنا وسلب مقدرات أوطاننا، وهم يشبهون الفئة الآكلة يتناولون قصعتهم صفوا من غير مانع يمنعهم، أو رادٍ يردهم، وليس الأمر عن قلة منا وأكثرية منهم، ولكن نحن كُثرٌ كغثاء السيل، والغثاء هو ما يحمله السيل من أوساخ وزبد، وهو محمول بالماء لا إرادة فيه ولا قوة، يوجهه حيث صار ويهوي به حيث هبط، ونستحق هذا الوصف لندرة شجاعتنا، ودناءة قدرنا، وتخلينا عن فريضة الجهاد، وحبنا للدنيا وكراهيتنا للموت، فحين نعطي الدنية في الدين، يقذف الله الوهن في قلوبنا، فهذا بتلك وكأنهما متلازمان، أو وجهان لعملة واحدة، ومن يتأمل الحديث ويسقطه على واقع المسلمين يجد الصورة الحسية الحركية وكأنه يعيشها، فالأعداء(الآكلة) جياع ولئام وشرهون، ويبحثون عن وليمة سهلة يفترسونها بلا مقاومة، ونجد من بني جلدتنا من يدعوهم.. أن هلموا إلى القصعة المهيئة والمعدة سلفا وتنتظر الأيدي والأفواه التي يسيل لعابها، ويخبر منطقها إلى جوع دموي وبغض شديد، وما بين بدر حيث كان المسلمون قلة، وفي الأحزاب اجتمع عليهم الجموع، لكن خابت كل حيل الكافرين، فليست القيمة في الوزن العددي والقلة والكثرة، ولكن حبَّ المسلمين الأوائل للموت كان يزرع المهابة في قلوب أعدائهم وهم الحريصون على الحياة وأي حياة مهما كانت مهانة !! فحين يتغلل حبُّ الدنيا في القلوب، وحين نؤثر الفانية على الباقية، وحين نولي للدين ظهورنا ونفتح صدورنا للدنيا، وحين تتحكم المصالح والأهواء وحب السلطة والرياسة، وحين لا نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف، وحين نرى الشحَّ مطاعا، وإعجابَ كلَّ ذي رأيٍّ برأيه، ها هنا يصيبنا الوهن، والوهن كلمة جامعة… إنه وهنٌ قلبي، ووهنٌ نفسي، ووهن فكري ،ووهنٌ عقائدي تسربَ إليكم لتشرُّبَ قلوبكم حبَّ الدنيا ، فتعلقت بها كتعلق الغريق بقشة يظن فيها النجاة، فالعدو يمتلك الدنيا ورفاهيتها، ويتحكم بها فينا كما يريد، ويلوح بها أمام أعيننا كما يلوح الرجل لكلبِهِ بقطعة لحم ، يزينها له ليستعبده ، فيلهث الكلب ويسيل لعابه، ويرضى لنفسه أن يكون منقاداً لسيده مقابل أن يعطيه الطعام ، كذلك الذي أُشرب قلبه حب الدنيا واستمسكت نفسه بها وظن أن السعادة فيها ، أخذ يخاف من زوالها من يديه فأتقن سبب تحصيلها. إنني لا أتكلم بلهجة اليائس من رحمة الله، ولكن أنبه لعلي أجد من يسمع العلاج من هدي النبوة ، فالعلاج في الحديث أن ننزع حب الدنيا من قلوبنا ، وأن نتذاكر الموت فيما بيننا، وأن نملك مفاصل القوة وأسبابها، وأولها كراهية الدنيا وحب الموت، ولا يظنن ظانٌ أن المقصود بكراهية الدنيا تركها والإعراض عنها، بل ترك حبها والتعلق فيها، وأن تكون بأيدينا لا في قلوبنا ، وأنا على يقين أن الإسلام سيبلغ ما بلغته الشمس، وأن راية الإسلام سترفع في كل مكان على وجه الأرض، ولعل ما يتردد على ألسنة الكثيرين لماذا حال الأمة هكذا؟ ولماذا يزداد الأمر سوءً، وتتعالى هجمات الأعداء علينا؟ ولماذا ندعو ولا يُستجاب لنا؟ وما أهمية العقوبات المتوالية على الأمة؟ ربما تكمن هذه العقوبات أنها صور من عتاب الله لأمته، وإقرار منه أنها تخلت عن رسالتها، وتخلت عن موقعها الريادي، وقصرت في حمل أمانتها، وقد تكون وسائل لاستنهاض الهمم، والعودة إلى الرشد من جديد. فلقد صار الفتقُ صعبٌ رتقه، وبعدت الشقة بين الماضي والحاضر، ونخشى ألا نجد مستقبلاً يشبه حتى حاضرنا الأليم! فعلى الجميع أن يلتمس تقويم ما يعتدل، وتبصير من يفهم. ولابد من عودة الأمة لوعيها عبر التغيير  المنشود، والذي يستوجب التربية على مستوى العقل والنفس والروح والجسد، تربية يكون فيها الولاء لله وحده، ومن خلاله تنضبط كل الانتماءات والعواطف، تربية تُبنى على المعايشة والفهم والإخلاص والصبر، تربية تنهض بركني الأمة (الدين واللغة) والاعتزاز بهما والانتماء إليهما، فلا نهضة بالشرق دونهما. فمن خصائص هذا الدين أنه صلب فيما لابد للنفس الإنسانية منه إذا ابتغت الكمال، وهو في ذات الوقت يتمتع بالمرونة والتعايش فيما لابد منه من أحوال ومستجدات الأزمنة على اختلافها

، وإذا نهضت أمتنا بدينها الذي يتمتع بأخلاقه الكريمة.. نهض الجميع من أهل الوطن والأمة على اختلاف مللهم وطوائفهم، والله ولي ذلك والقادر عليه.

[1] ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي ص254

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى