لايف ستايل

تملك شخصيات مختلفة ولديها قدرة كبيرة على التعاطف مع بعضها.. ما لاتعرفه عن ذكاء الحيوانات العاطفي

كوالا تحتضن صغيرها بحب إثر حرائق أستراليا وكأنها تقول: لا تخف يا صغيري أنا بجانبك وسأحميك، وكنغران يحتضنان بعضهما البعض والخوف والحزن باديان بعيني أحدهما… مثل هذه الصورة تجعلك تتساءل: إلى أي مدى من الممكن للحيوانات أن تُظهر التعاطف مع بعضها أو مع البشر حتى؟ وهل تملك الحيوانات وعياً مثلنا؟

أجاب عن هذه الأسئلة باستفاضة الباحث البيئي كارل سافينا في كتابه Beyond Words: How Animals Think and Feel، وقال في حوار مع مجلة National Geographic الأمريكية إن دراسته للحيوانات البرية جعلته يستنتج أنها أكثر وعياً بكثير مقارنة مع البشر.

إذ يخرج الإنسان المعاصر خارج منزله ولا يرى، ولا يسمع، ولا يحس بشكلٍ جيدٍ، فقد فترت حواسنا عبر آلاف السنين من الحضارة والعيش المستقر، على عكس الحيوانات التي لا يزال يتوجب عليها التنبه لما حولها للبقاء على قيد الحياة.

لا يتساءل الذين يراقبون الحياة البرية عن كثب عما إذا كانت الحيوانات واعية أم لا؛ لأنهم يرون سلوكياتٍ معقدةً وتنوعاً واسع المدى من الشخصيات في صفوف الحيوانات، لاسيما الثدييات منها.

وبالرغم من ذلك فإن البعض قد يصنفون الحيوانات على أنها كائنات غير واعية، بسبب عدم الاتفاق على تعريف محدد لكلمة «الوعي».  

فالبعض يعتبرون القدرة على التخطيط مثلاً وامتلاك الخبرات العقلية من دلائل وجود الوعي لدى الحيوانات، لكن يبقى السؤال: هل تملك الحيوانات خبراتٍ عقليةً فعلاً أم أنها فقط تشعر بالأشياء الواجب فعلها دون أي إدراكٍ لما تعنيه؟

فقبل تطور علم الأعصاب، كان تصنيف سلوكيات الحيوانات يعتمد على الأساطير مثل أن الثعالب ذكيةٌ مثلاً، والسلاحف دؤوبةٌ.

لذا قال العلماء «كل ما نستطيع أن نعرفه عن الحيوانات يعتمد على ما نراه من سلوكياتها. يمكننا فقط وصف ما تفعله، لكن لا نستطيع أن نعرف أي شيءٍ عما يدور في عقولها».

ترسَّخ ذلك للأسف ليتحول إلى اعتقادٍ تام أننا إن لم يكن باستطاعتنا أن نعلم أي شيءٍ عن عقولها فإننا لا نستطيع تأكيد امتلاكها للوعي.

لكن العلماء البيئيين الذين انشغلوا بمراقبة الحيوانات البرية وملاحظة تصرفاتها لا يشكّون مطلقاً في امتلاك الحيوانات للوعي.

يقول الخبير والكاتب البيئي كارل سافينا إنك إذا راقبت الثدييات أو حتى الطيور، ولاحظت استجابتها للعالم الخارجي سيبدو الاعتقاد بأن الحيوانات كائنات غير واعية غير منطقي تماماً، فهي تتفاعل مع محيطها، تلعب وتقاتل وتهرب وتشعر بالفضول والخوف والحب.

لذا من المثير للدهشة استمرارية الجدل بين العلماء -بحسب رأي سافينا- حول ما إذا كانت الحيوانات واعية أم لا.

قضى الباحثون عقوداً في مراقبة الحيوانات البرية مثل الفيلة والذئاب والطيور وغيرها، واهتموا بدراسة سلوكياتها وتصرفاتها.

وبعد التعرف عن كثب على طبائع تلك الحيوانات بات الكثير من الباحثين يطلقون أسماء تميز الحيوانات كتلك التي تميز البشر، وذلك لاختلاف واضح لاحظه الباحثون بشخصياتهم.

فبعض هذه الحيوانات جريئة، وبعضها خجولة، وبعضها أكثر عدوانيةً، وبعضهم أكثر نضجاً، وبعض الصغار من الحيوانات أكثر حزماً من غيرها.

كما لاحظ العلماء أن الأمهات تكون أقل دراية بكيفية التعامل مع صغارهن حين ينجبن لأول مرة، بينما الأمهات ذوات الخبرة تكون أكثر استرخاءً وثقةً في التعامل مع صغارها.

كما أن بعض الذئاب قد تكون شديدة الحزم والعدوانية، وبعضها الآخر تكون أكثر حلماً، فحينما تتقاتل مجموعات الذئاب مع بعضها يميل بعض المنتصرين إلى قتل الأعداء، بينما تفضل ذئاب أخرى الصفح عن عدوها حتى ولو انتصرت.  

لذا يجزم الباحثون في مجال الحيوانات البرية أن الحيوانات ليست واعية فحسب، بل تملك شخصيات مختلفة تميز أفراد النوع الواحد عن بعضها تماماً كما البشر.

يظن الكثيرون أن التعاطف شعورٌ بشريٌّ خاصٌّ يُظهره البشر وحدهم، غير أن الكثير من الحيوانات تُظهر التعاطف لبعضها البعض.

الفيلة على سبيل المثال هي من الحيوانات التي رُصدت وهي تُظهر الكثير من التعاطف والحب في العديد من المواقف.

وفي إحدى الحالات الموثقة شوهدت الفيلة وهي تحرس امرأة تائهة ضعيفة البصر، إذ التفّت حولها لحمايتها من هجمات الضباع، وفيما يبدو هذا عملاً استثنائياً بالنسبة لنا فهو أمر اعتيادي جداً في عالم الفيلة.

رُصدت كذلك حيتانٌ حدباء تساعد فقماتٍ تعرضت لاعتداءاتٍ من الحيتان القاتلة.

وهناك سجلاتٌ موثقةٌ لحوتٍ أحدبٍ يقلب فقمةً على ظهرها خارج الماء بعيداً عن حوتٍ قاتلٍ.

تبدو تلك أموراً استثنائية وجديدة علينا؛ لأن العلماء لم يبدأوا بتوثيق مثل هذه الوقائع إلا مؤخراً، لكن الحيوانات كانت تقوم بمثل تلك التصرفات لملايين السنين على الأغلب.

تعتبر الفيلة في متنزهات كينيا الوطنية، والذئاب في متنزه يلوستون القومي، والحيتان القاتلة في شمال غرب المحيط الهادئ، من أكثر فصائل الحيوانات حماية في العالم، لكنها مع ذلك مازالت تتعرض للقتل، مواجهةً خطر الانقراض.

إذ كانت الفيلة تتعرض لمذابح مهولةٍ منذ عام 2009، عندما سُن القانون الذي يسمح للصين باستيراد عاج الفيلة الميتة فقط.

نتيجةً لذلك انخفضت أعداد الفيلة بشكلٍ خطيرٍ بسبب الصيادين عبر إفريقيا وآسيا.

وفي حالة الذئاب فهي محمية فقط في متنزه يلوستون الوطني، لذا، حين تشرد الذئاب خارج حدود المتنزه عادةً ما تتعرض للقتل.

وفي حال فقد قطيع الذئاب قائده أو قائدته عادةً ما ينفرط عقده، إذ لا تملك الذئاب الأصغر الخبرة الكافية للنجاة التي يملكها الكبار.

أما  الحيتان القاتلة فهي تتناسل بأعدادٍ ضئيلةٍ جداً؛ لأن مخزون السلمون الذي تعتمد عليه يُستنزف بشدةٍ، إلى حد أنها لا تجد طعاماً كافياً، وليست في حالةٍ جيدةٍ لتحافظ على شبابها.

كما أن الحيتان القاتلة غالباً ما تتأذى بالكيماويات السامة التي تصل إليها من طعامها ومن المياه الملوثة التي تسبح فيها في سواحل ولاية واشنطن والساحل الغربي للولايات المتحدة.

ومع أنها حيواناتٌ معرضةٌ للانقراض، ومن المفترض أن تحصل على أقصى درجات الحماية، تستمر القوات البحرية في إجراء تجارب على القنابل في المياه التي تسبح فيها تلك الحيتان.

أحد أسراب الحيتان تلك كان بحاجة ماسة لأنثى بحالة صحية جيدة، لكن الأنثى الشابة الوحيدة لديها قُتلت بنزيف في قنواتها السمعية جراء قصف مكثف.

وإلى جانب هذه الحيوانات المهددة بالانقراض، جاءت حرائق أستراليا لتقضي على قرابة نصف مليار حيوان أيضاً.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى