ثقافة وادب

تركُه دون غسيل كان فضيلة دينية، والذهاب للحلاق ممنوع لأسباب سياسية.. تاريخ تغيُّر قصات الشعر

“أشعر بالملل من شكل شعري.. سأذهب لصالون التجميلالحلاق لأقصه”، الأمر سهل الآن، فقد تقرر ما تريد وتفعل بشعرك ما يحلو لك، لكن لو كنت تعيش في العصور الوسطى، قد يكون تغيير تصفيفة الشعر مربكاً لدرجة خطيرة، حيث اعتقد متشددو القرن السابع عشر أن قصة الشعر مرتبطة ارتباطاً خطيراً بخطيئة الغرور. 

استعرضت مجلة BBC History البريطانية بعض اللقطات التاريخية البارزة فيما يخص الشعر، ففي فترات كانت قذارته وجاهة اجتماعية، وفي مراحل أخرى كان قصه حكراً على طبقات اجتماعية دون غيرها، كما أقيمت تحالفات سياسية بالشعر، وتغيرت موضات الشعر وارتبطت بالسياسة، كما منع الحديث في السياسة عند الحلاقين خوفاً من التحريض على الثورة.

يقول الراهب الذي عاش في القرن الثاني عشر وألَّف كتاباً بعنوان An Apology for Beards، إن “الغموض الرائع” في الشعر الدهني الملبد يشير إلى “النظافة الداخلية” و”الفضيلة المقدسة”. وقد وجدت النزعة السائدة في المسيحية فضيلة في المعاناة، واعتقدت أنه من الجدير الحصول على رأس قذر مروع.

انتُقد فرسان العصور الوسطى باستمرار بسبب تسريحات شعرهم التي تتغير باستمرار (تماماً مثل نظرائهم المعاصرين في الدوري الممتاز لكرة القدم). تقول مؤرخة أزياء العصور الوسطى، مارغريت سكوت، إن جزءاً من مشكلتهم كان مفهوم “سلسلة الوجود العظمى” التي تحكم مكان الجميع في المجتمع. إذ كانت المنازل ترتب هكذا: الله ثم ملائكته، ثم الملك، ثم الأشخاص المرموقون، كالدوقات والضباط، وفي آخر منزلة الفلاحون.

لم يكن من المفترض أن يتحرك أحد من مكانه؛ لذلك يمكن لتغيير تصفيفة الشعر أن يكون مربكاً بدرجة خطيرة. وفي حالة أطال الفرسان الصغار شعورهم أطول مما ينبغي، فقد يُقابلون بالنقد؛ لأنها تبدو كشعور النساء. وإذا قاموا بقصها، فسيكون ذلك سيئاً أيضاً؛ فقد يُخلط بينهم وبين الرهبان ذوي الشعر المحلوق من المنتصف.

كان للملوك والملكات شعر “سياسي” خاص، حتى أن بإمكانك تتبع صعود وهبوط علاقة إنجلترا بفرنسا من خلال تسريحات شعر هنري الثامن وبلاطه. ففي شبابه، كان شعره طويلاً وبتصفيفة بيدج بوي. لكن في وقت لاحق، أبرم هنري تحالفاً مع فرنسا، وعندما أُصيب الملك الفرنسي فرانسيس الأول في رأسه، حلق هنري رأسه. وفي أوج صداقتهما، أقسم هنري وفرانسيس بالامتناع عن الحلاقة حتى يلتقيا مرة أخرى.

بالرغم من ذلك، كانت كاترين الأرغوانية، زوجة هنري الأولى، تفضل التحالف مع إسبانيا بدلاً من ذلك. وقد اشتكت من وجه زوجها المُدَغدِغ، وأقنعته بإزالة شاربه. 

فيما كانت والدة فرانسيس هي الوحيدة القادرة على تجنب وقوع حادث دبلوماسي يلوح في الأفق مع اقتراب اجتماع هنري المخطط له مع فرانسيس الأول، حيث أعلنت بذكاء أن ذلك لا يهم؛ لأن الحب الذي يحمله الملكان كان “في القلوب لا اللحى”.

مثل النُّساك المشعرين في العصور الوسطى، اعتقد ويليام برين، القس البيوريتاني (مذهب مسيحي بوتستانتي) المتشدد الذي عاش في القرن السابع عشر، أن تصفيفة الشعر كانت مرتبطة بشكل خطير بخطيئة الغرور. 

فيما ندد بقصات ثلاثينيات القرن السابع عشر ذات الشعر الطويل والشعر المجعد بوصفها “محرمة، ومخنثة، ومختالة، وشريرة، وبغيضة، وغير أخلاقية، وبذيئة، وفاسقة، وخليعة، وفاجرة، وداعرة، وزنديقة، ومرعبة، وغريبة، وأجنبية، ووقحة، وخبيثة، ومسيئة، وسخيفة، وحمقاء، وطفولية، وتتنافي مع المسيحية”.

كثيراً ما ترافقت السياسات الراديكالية مع الشعر القصير، من برلمانيي القرن السابع عشر إلى حليقي الرأس في أقصى اليسار واليمين خلال سبعينيات القرن العشرين. أما تسريحات الشعر المتعاكسة لداعمي البرلمان الإنجليزي وداعمي الملك تشارلز، فتُحاكى في الكاريكاتيرات الساخرة، منذ عام 1640 تقريباً. وتعد رمزية للحرب الأهلية الوشيكة، وتُظهر معركة حتى المشاركين فيها من الكلاب يملكون نفس تسريحات شعر ملَّاكها.

عاد تشارلز الثاني من منفاه في فرنسا عام 1660 مغرماً بالشعر المستعار. وقلَّد الرعية سيدهم، وكانت لدى أشهر الشعور المستعارة خصل شعر أسود مجعدة طويلة تحاكي شعر الملك الطبيعي.

تلاعب المؤلف الإنجليزي صموئيل بيبيس بفكرة حلق رأسه وأن يصبح من مرتدي الشعر المستعار لبعض الوقت قبل أن يستسلم في النهاية بحجة أنه يكره غسل شعره. لكن ارتداء الشعر المستعار أصبح بعدها بقليل العلامة الأساسية للرجل المحترم. وكان الشعر المستعار من بين المنتجات الاستهلاكية الجديدة العديدة التي تهدف إلى تحسين الطبيعة والسماح لمن لديهم المال للتعبير عن ذوقهم.

عندما فقد الرسام النيوزيلندي جيمس بوسويل شعره المستعار عن طريق الخطأ، هرع لمسافة 40 كيلومتراً ليحصل على غيره، بدلاً من مواجهة سخرية رؤيته عاري الرأس. 

استطاع هو ومن عاصروه الاختيار من بين مجموعة متزايدة من الشعور المستعارة المتنامية في الحجم، التي حملت أسماء مثل: المذنب، والقرنبيط، والطائر الملكي، والدرج، وأنثى التنين، والوردة، وظهر الحلزون، وبذور السبانخ.

وقد كتب تشارلز نايت من القرن التاسع عشر، في نهاية عصر الشعر الكبير، أنك حتى لو كنت تظهر شعرك الطبيعي فقط، “كان أولئك الذين يفعلون ذلك يضطرون لقضاء ساعة كل يوم تحت يدي مصفف الشعر كي يحافظوا على مظهر لطيف”. فقد كان المظهر مؤشراً هاماً على أن الإنسان ذو مكانة متميزة، حيث لم يوجد عمل أكثر إلحاحاً من التأنق.

ترافق أفول الشعر المستعار مع تراجع الحكم المطلق. ومع اقتصار ارتداء الأحذية التي يستحيل المشي فيها والفساتين التي يستحيل الجلوس فيها، والشعر الذي يتطلب ساعات لتحضيره، على الطبقة الأرستقراطية التي تملك ثروة غير محدودة، بعد أن فقد العديد من هؤلاء الأشخاص حياتهم على المقصلة خلال الثورة الفرنسية، فقد أولئك الذين نجوا أعصابهم.

يشير دون هيرتسوغ، مؤرخ من أصل جورجي، إلى أن المسؤولين الفرنسيين تركوا بعد عام 1789 “شعرهم المجعد، وشعرهم المستعار، وضفائرهم” من أجل “استبدالها بشعور قصيرة كالمزارعين الإنجليز دون أي مسحوق”. 

سافر العديد من مصففي الشعر الفرنسيين العاطلين عن العمل بحثاً عن عمل في بريطانيا العصبية المتقلبة. وهنا، تسببت همساتهم بالفتنة الثورية المحتملة التي يلقونها على أسماع عملائهم، في إثارة قلق المعلقين المحافظين. 

وقد كتب أحد الصحفيين وقتها: “من الخطر ترك عنق المرء تحت رحمة رجل مسلح بشفرة الحلاقة. ونصح في هذه الأوقات الخطيرة بأنه من الأفضل “عدم التحدث عن السياسة أبداً” عند الحلاق.

ونتيجة لذلك، تعرض مصففو الشعر للكثير من الانتقادات، وأصبح الشعر الناعم والبسيط هو القاعدة. وفي عام 1795، أطلقت الحكومة الخائفة طلقة الرحمة على الشعر الكبير المنتفخ والمسحوق الأبيض من خلال فرض ضريبة على المسحوق.

مرة أخرى، خلال عشرينيات القرن العشرين، ترافقت الرغبة في التحرر برغبة في الشعر القصير. ولكن الآن جاء دور نساء الأمة، اللواتي أدين عمل الرجال خلال الحرب واللواتي تمنوا مكافأتهن بحق التصويت. 

كان هناك تأثير أيضاً لبعض الاختلافات بين الطبقات والأجيال، فقد وجدت السياسية البريطانية الأمريكية الرائدة نانسي أستور صعوبة في تقبل تصفيفة الشعر الجديدة بالرغم من كونها أول نائبة تشغل مقعدها في البرلمان. 

لذا رفضت في البداية الإذن لخادمة بتقصير شعرها، فحذرها كبير الخدم قائلاً: “إذا تبنيتِ هذا الموقف المتصلب، فستكونين عما قريب محظوظةً إن حصلتِ على خادمات لهن شعر على الإطلاق”.

ترافق توسع وانكماش الإمبراطورية البريطانية الأولى مع صعود وسقوط الشعر المستعار، ورافق توسع وانكماش إمبراطوريتها الثانية العصر الذهبي للشارب. فهل كان الموظف الفيكتوري العام المبعوث لحكم جزء ناءٍ من إفريقيا يرعى إطالة شعر الشارب لإخفاء أي تذبذب في شفته العليا؟

يشير المؤرخ بيرس بريندون إلى أن تراجع الإمبراطورية كان مصحوباً بتراجع الشارب، ويحدد تراجع كل منهما. فقد تحتم على السياسي البريطاني أنطوني إيدن في خضم أزمة السويس عام 1956 أن يضفي لمسة تحسينية على شاربه الهزيل نسبياً كي يكون أكثر وضوحاً، خلال بث تلفزيوني بدا غير مقنع إلى حد ما. وذات مرة أخرى تدل على الضعف وانعدام الثقة، طُلي شعر وجهه بماسكارا زوجته.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى