تقارير وملفات إضافية

ترامب يعشق «دبلوماسية تويتر» والنتيجة تهميش وزارة الخارجية برعاية «الموظف» بومبيو

طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للملفات الكبرى، التي يعتمد فيها بشكل أساسي على صهره وابنته ومحاميه الخاص سببت أضراراً فادحة للولايات المتحدة في علاقاتها ونفوذها مع باقي دول العالم، لكن الأخطر أن التدمير الممنهج لوزارة الخارجية ربما يحتاج سنوات طويلة لإصلاح ما أفسده ترامب، حتى وإن تم عزله أو لم يعاد انتخابه.

موقع ذا ديلي بيست الأمريكي نشر تقريراً يتناول فيه القصة بعنوان: «سياسة ترامب الخارجية الطائشة تؤذي وزارة الخارجية الأمريكية»، ونشر شهادات خطيرة لدبلوماسيين يتمتعون بالخبرة استقالوا اعتراضاً على ما وصلت إليه الأمور.

في أواخر عام 2017، سأل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزير الخارجية آنذاك ريكس تيلرسون سؤالاً بسيطاً: هل يمكنك حل إحدى المشكلات؟ وكانت مشكلة ترامب آنذاك تتمثل في تاجر ذهب إيراني تركي مُدان يُدعى رضا ضراب، أو بالأحرى كانت المشكلة هي محامي ضراب وصديق ترامب المُقرَّب رودي غولياني.

إذ اشتبه المحققون آنذاك في أنَّ ضرَّاب كان يعمل لمصلحة بنك خلق التركي الحكومي، في إطار مخططٍ ضخم لتوجيه مليارات الدولارات إلى إيران في انتهاكٍ للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وأرادوا من ضراب أن يُدلي بالمعلومات التي يعرفها، وكان المحامي غولياني آنذاك في حالةٍ من الذعر.

وطلب ترامب بصراحةٍ من تيلرسون أن يضغط على وزارة العدل لإنهاء تحقيقها مع ضراب، فرفض تيلرسون رفضاً قاطعاً، حتى إنَّه تحدث مع جون كيلي، رئيس موظفي البيت الأبيض آنذاك، وأعرب عن مخاوفه بشأن ما إذا كان طلب ترامب يُعد جريمة. ومع ذلك، لم يتخذ تيلرسون ولا كيلي أي خطوات للإبلاغ عن طلب ترامب، مع أنَّه طلب واضح بعرقلة تحقيقٍ فيدرالي.

ولم تكن قضية ضراب هي المرة الأولى التي حاول فيها ترامب دفع تيلرسون إلى انتهاك القانون لخدمة أغراضه، ففي حديث تيلرسون مع المذيع الأمريكي بوب شيفر في العام الماضي 2018، قال: «في كثيرٍ من الأحيان، يقول لي الرئيس: «هذا ما أريد فعله، وهذه هي الطريقة التي أريد فعله بها»، فأقول له: «يا سيدي الرئيس، أفهم ما تريد فعله، ولكن لا يمكنك فعله بهذه الطريقة. فهذا ينتهك القانون وينتهك المعاهدات كما تعلم»، فيشعر بإحباطٍ شديد حين نتحدث في أمورٍ كهذه». 

ومنذ الأيام الأولى لرئاسته يحاول ترامب التحايل على الأطر السياسية والأطر القانونية التي تجعله مسؤولاً أمام القوانين الفيدرالية، وإضعافها. ولا يوجد ركنٌ من أركان الحكومة الفيدرالية تلقَّى قدراً أكبر من عدم احترام ترامب الشديد من وزارة الخارجية، التي كانت المؤسسة الأكثر تبجيلاً داخل الحكومة الأمريكية يوماً ما. إذ سرعان ما اصطدمت دبلوماسية ترامب الطائشة غير المسؤولة مع وزارة الخارجية، وكما نجح ترامب في إعاقة وزارة الخارجية، فقد أعاق أكثر الضوابط فاعلية على فساده واستغلاله لمنصبه.

وفي هذا السياق، ينتقد موظفو الخدمة الخارجية، الذين يتمتع بعضهم بخبرة تتجاوز الـ20 عاماً من الخدمة الاحترافية في التغلب على مآزق الدبلوماسية الدولية وفخاخها، نهج ترامب الطائش الساذج في المفاوضات الدبلوماسية. ويلاحظون بقلق أنَّ اضطهاد ترامب لدبلوماسييه يؤثر سلباً في موظفي الخدمة الخارجية الموهوبين، ويُضعِف الرسائل الأمريكية في الخارج.

إذ كتبت بيثاني ميلتون، الموظفة السابقة المخضرمة في الخدمة الخارجية، التي لديها خبرة قدرها 11 عاماً، مقال رأي في صحيفة The New York Times الأمريكية، توضح فيه سبب استقالتها المفاجئة، وتقول: «لقد راقبت ترنُّح الإدارة الشديد على مرِّ العامين الماضيين نحو رؤيةٍ تتسم بالتعصب والخوف والشوفينية ضيقة الأفق. فما الذي تبقّى من سياسات الإدارة للدفاع عن موظفي الخدمة الخارجية؟». 

غير أنَّ ميلتون ليست الوحيدة التي تشعر بتلك المشاعر الانهزامية، إذ كتب الدبلوماسي المخضرم تشاك بارك في صحيفة The Washington Post الأمريكية أنَّه «لم يعد قادراً على تبرير بقائه في وزارة خارجية ترامب الراضية عن تصرفاته». ونتيجة لذلك، تضاءلت مكانة الخدمة الخارجية، التي كانت مرموقة، في الداخل والخارج، ففي عام 2010، قدَّم ما يقرب من 23 ألف أمريكي طلبات التحاق بالخدمة الخارجية، ولكن بحلول العام الماضي 2018، كان عدد الطلبات أقل من 9 آلاف طلب.

ويتجلَّى انهيار وزارة الخارجية بوضوحٍ أكبر في ظهور عصبة «الدبلوماسيين الزائفين» التابعين لترامب، وهُم عادةً ما يكونون أصدقاء مقربين إلى ترامب أو أقرباءه، لا يشغلون أي وظيفة حكوميةٍ رسمية، ويُرسَلون سراً إلى الخارج لإجراء «مفاوضاتٍ» مبهمة مع مجموعة من القادة الأجانب المشكوك فيهم. فمنذ عام 2017 لا يُنفَّذ الجزء الأكبر من الجهود الدبلوماسية الرئيسية عن طريق مبعوثين مُدرَّبين ملتزمين بلوائح وزارة الخارجية، بل هواة أكثر استعداداً لتلبية رغبات الرئيس.

وهذا ينطبق على محاولة رودي غولياني المشبوهة، لكشف معلوماتٍ مسيئة لجو بايدن في أوكرانيا. وكذلك الأمر محاولات جاريد كوشنر صهر ترامب، الذي تعرَّض لسخريةٍ كبيرة، من أجل التوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني وحل أزمات الهجرة إلى الولايات المتحدة مع دول أمريكا اللاتينية.

وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في الشهر الماضي سبتمبر/أيلول، لم يكن الدبلوماسي الأمريكي الأبرز هو كيلي كرافت، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، كرافت، بل إيفانكا ترامب، التي أثارت جدلاً سابقاً بعدما حاولت إقحام نفسها في محادثةٍ بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو، ومديرة صندوق النقد الدولي في قمة مجموعة العشرين. ولم تسِر الأمور على ما يرام.

لم يكن من الممكن وجود هذه الدبلوماسية الفاسدة التي يتبعها ترامب لولا وجود وزير خارجية مستعدٍ للسماح لأشخاصٍ غير مسؤولين بالسعي لتحقيق أهدافهم، التي غالباً ما تكون متناقضة. وهنا وجد ترامب في الوزير مايك بومبيو أنسب شخصٍ للموافقة على جميع رغباته. 

وقد أثبت بومبيو ولاءه مبكراً، إذ تعاون مع ترامب لحماية الأمير محمد بن سلمان من عواقب قتل الصحفي جمال خاشقجي وتقطيع جثته، وفي الآونة الأخيرة، رفض التعاون مع تحقيق مجلس النواب الذي هدف إلى عزل ترامب، ولم يبلغ كذلك عن أي مخالفات بخصوص مكالمة ترامب مع نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، التي يمكن أن تسفر عن عزل الرئيس الأمريكي من منصبه.

وبدلاً من مطالبة وزارة الخارجية باستخدام جميع صلاحياتها لإظهار حقيقة مقتل خاشقجي، طلب ترامب من بومبيو والدبلوماسيين المحترفين التزام الصمت، وبدلاً من إجراء تحقيق جاد هادف بقيادة موظفي الخدمة المدنية المحترفين ووكالات الاستخبارات الأمريكية، أرسل ترامب كوشنر -خارج قنوات المسؤولية الدبلوماسية العادية مرةً أخرى- لتهدئة السعوديين سراً.

وأصبح كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، الذين كانوا يقودون السياسة الخارجية الأمريكية يوماً ما، يعرفون الآن أخبار إجراء محادثات مع الديكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن طريق «دبلوماسية تويتر» العامة التي ينتهجها ترامب. لدرجة أنَّ تيلرسون لم يكن يعلم أنه أقيل من منصبه حتى تصفَّح حسابات الرئيس الأمريكي على شبكات التواصل الاجتماعي. وأصبح ترامب -الذي تحرَّر من بروتوكولات السياسة الخارجية الرسمية وقيودها بفضل بومبيو الراضي عن تصرفاته وممكنيه في مجلس الشيوخ- يتمتع بالحرية الآن في نشر شبكته الواسعة من المتسولين الساعين إلى استغلال وضعهم لمصلحتهم الشخصية على نطاقٍ عالمي حقيقي.

غير أنَّ انهيار وزارة الخارجية الأمريكية يُمثِّل مأساة عالمية قد لا تظهر عواقبها الكاملة في غضون العقد القادم. ويبدو أنَّ ترامب ليس لديه أي نية لإيقاف تحايله على لوائح وزارة الخارجية، بل إنَّ ضعف وزارة الخارجية الذي ظهر مؤخراً يعد بمثابة أحد انتصاراته الشخصية القليلة القابلة للقياس بعد توليه الرئاسة. فهو يجد سعادةً كبيرة في الاعتراف بأنَّ الذين عارضوه قد غادروا مناصبهم، وأنَّ فرقته الدبلوماسية الشخصية -التي تضم غولياني وأفراد أسرته وعدة وسطاء من دول أوروبا الشرقية- تقف بلا منازع على الساحة الدولية.

ولكن ما زالت هناك فرصة للمؤسسات الأمريكية لإيقاف هذا التفسُّخ الناتج من فساد ترامب الغاشم. ففي صباح يوم الخميس الماضي 10 أكتوبر/تشرين الأول، أُلقِيَ القبض على اثنين من كبار مساعدي رودي غولياني، بسبب انتهاكاتٍ في تمويل الحملة الانتخابية مرتبطة بتعاملاتٍ مشبوهة مع أوكرانيا بتوجيهٍ من ترامب. بل وهناك علامات تشير إلى أنَّ بعض المشرعين الجمهوريين يشعرون بالقلق إزاء عدم قدرة غولياني على شرح دوره في البيت الأبيض، لذا يتضح بصورةٍ متزايدة أنّ عزل ترامب هو العلاج الوحيد القابل للتطبيق للقضاء على هذا السرطان العام المتقدم.

 لقد خابت مساعي غولياني وترامب على يد ريكس تيلرسون وجون كيلي، حين حاولا إخفاء قضية رضا ضراب. والآن يتعرَّض المسؤولون الذين يعارضون ترامب للإقالة من مناصبهم. فيما يقف غولياني وترامب على أطلال مؤسسات السياسة الخارجية وشبكات جمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية. وهنا يصبح أمام مجلس الشيوخ خيار واحد: إمَّا مساءلة ترامب وعصابة السياسة الخارجية التي يرأسها، أو الوقوف في موقف المتفرج على موت القوة الناعمة الأمريكية في الخارج، هذه هي فرصتنا الأخيرة لاتخاذ الخيار الصحيح.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى