تحالف الفلاح والأفندي الذي لا يقهر.. كيف تقتدي العواصم بالأقاليم في الثورات العربية؟

أحد الأمور اللافتة في الموجة الجديدة من الربيع العربي هو دور الأقاليم والأطراف الكبير في الحراك المطالب بالتغيير، وهي ظاهرة بدأت في الموجة الأولى للربيع العربي، فلماذا تبدأ الثورات من الأطراف في كثير من الأحيان؟.

في حين ظهر ميدان التحرير في بغداد بوصفه مركزاً للاحتجاجات في العراق، إلا أنَّ المُدن الصغيرة والمتوسطة بطول وسط وجنوب البلاد كانت مضطربةً بالقدر نفسه.

وبالقدر نفسه، تبرز التظاهرات المدنية في لبنان، حيث تلعب مدينة طرابلس الواقعة في شمال البلاد دوراً مشهوداً في الحراك حتى وصفت بعروس الثورة اللبنانية.

وتكشف الجولة داخل المنطقة عن سابقةٍ كبيرة لصالح الحماس الثوري الذي يُسيطر حتى الآن على المحافظات الهامشية في العراق ولبنان، حسب ما ورد في تقرير لموقع Lobe Log الأمريكي.

وفي الواقع، فبدايةً من تضحية محمد البوعزيزي بنفسه في محافظة سيدي بوزيد التونسية؛ ترجع أصول العديد من الحلقات المميزة للربيع العربي (في تجسيداته عامي 2011 و2019) في المعاقل النائية والبلدات المنسية في أعماق المُحيط البعيد عن العواصم.

أما في سوريا، فقد اندلعت الاحتجاجات أول الأمر إثر اعتقال الشباب بتهمة التخريب في مدينة درعا، التي تُعَدُّ منطقة زراعية تقع على طول الحدود الأردنية.

وبالمثل، بدأ سقوط عمر البشير في السودان فعلياً باحتجاجات الخبز في عطبرة، التي تُعتبر معقلاً للعمالة من ذوي الياقات الزرقاء، وتتميَّز بأنَّها ملتقى خطوط السكك الحديدية ومصانع الأسمنت.

بينما يقع مهد الثورة الجزائرية المُستمرة حالياً (وحتى حركة تحريرها من الاستعمار في منتصف القرن العشرين أيضاً) في الشمال الشرقي للبلاد، وهي المنطقة التي تُعَدُّ موطناً لشعوب القبايل والشاوية البربرية. 

ويُشير التونسيون والسوريون والسودانيون والجزائريون إلى تلك المناطق التي تقع خارج العواصم باعتبارها مهد ثوراتهم.

وفي كلٍّ من تلك الحالات؛ لاحظ المركز (العاصمة) انشقاق المُحيط واستمد الإلهام منه. 

ومع تحوُّل النشاط والزخم إلى النواة الحضرية خلال تلك الثورات الديمقراطية؛ تراجعت مناطق المُحيط عن صدارة المشهد.

لكن دورها البطولي في المشاهد الافتتاحية للصحوة العربية المُناهضة للاستبداد بطول مُختلف المراحل يُمثِّل ظاهرةً لافتة، بسبب ما يكشفه ذلك عن المجتمعات العربية وبسبب التحديات التي يطرحها على النظريات التقليدية حول الثورة.

ربما يحق للمرء أن يُفاجأ بالأصول المحدودة لبعض أكثر الحركات الاجتماعية أهميةً في التاريخ العربي الحديث.

وتُشير أبحاث العلوم السياسية إلى وجود علاقةٍ بين تعداد السكان والعوامل المُرتبطة بالنشاط الثوري.

ففي الحشود الأكبر، يجب أن تتحرَّك الدولة بقوةٍ أكبر لقمع التمرُّد، ما يُؤدِّي إلى أوضاعٍ أكثر قمعية، وبالتالي سخط شعبي أكبر. وتمتلك جماعات المعارضة العاملة في تلك البيئات سهولةً أكبر في جذب وتعبئة الأنصار. كما تمنحهم التغطية الإعلامية الأكبر مزيداً من الظهور والنفوذ.

وتتميَّز الأعداد الأكبر من السكان بتفاوتٍ أكبر، وتتضمَّن فصائل مُتنوِّعة تتنافس في ما بينها من أجل الهيمنة السياسية.

وبعيداً عن الكثافة السكانية، يتميَّز المركز عادةً عن المُحيط بطبقته الاجتماعية، وهو العنصر الحاسم في الثورة. 

وكما كتب العالم السياسي جاك غولدستون؛ يُمثِّل القرويون والعمال دور «جنود المشاة» في الثورة، في حين تشغل «طليعةٌ من الطبقة المتوسطة والمهنيين» الحضريين صفوف ضباط القيادة.

إذ تستضيف المُدن الكُبرى أكثر من حرمٍ جامعي، وهي أماكن تُمثِّل أراضي خصبة للفكر المُتشدِّد ونخبة المثقفين الجامحين.

وفي الكثير من العواصم العربية، تتضخَّم حدة الصراع الطبقي أكثر جراء تدهور سوق العمل الذي لا يُمكن أن يستوعب المعروض من مؤهلات القوى العاملة الشابة المُتعلمة.

وبرغم التأثير الديمقراطي للشبكات الاجتماعية على الانطباعات والوعي السياسي اليوم؛ فهناك ضرورةٌ لفطنة الاتصالات البرجوازية والكفاءة الفنية من أجل تنظيم الحركات الجماهيرية.

وربما تبدو العاصمة بمثابة الموقع الأنسب لإطلاق الثورة. إذ إنَّها الموقع الأكثر احتمالاً أن يستمع فيه المشرعون إلى مظالم المتظاهرين، بوصفها مقر الحكومة. كما تتميَّز العاصمة بسكانٍ على درايةٍ كاملة بالتطوُّرات السياسية ومعرفةٍ بخبايا الدولة، بدءاً من البيروقراطيين والمُتعاقدين الحكوميين ووصولاً إلى نشطاء المجتمع المدني.

علاوةً على ذلك، يظهر كيان الدولة في العاصمة أكثر من غيرها، إذ لا مفر من وجودها الدائم في الحياة اليومية تقريباً. إذ تُطّغي مباني المكاتب الحكومية والرموز الوطنية على منظر المدينة في العواصم العالمية، وجميعها تُمثِّل منابر مُجهَّزة للمحتجين الأذكياء.

وفي وجود كافة تلك الظروف التي تصُب في مصلحة المراكز التجارية والسياسية، بوصفها محاور للثورة؛ يبدو من غير البديهي أن تقع نقطة الصفر للعديد من الانتفاضات العربية بعيداً تماماً عن تلك النقاط المحورية.

وهناك العديد من التفسيرات لتلك الظاهرة، ومنها أسبابٌ مُتعلِّقةٌ بالاقتصاد والسياسة والأمن. وربما كانت أكثر تلك الأسباب قهريةً هو تفاوت الثروة الكبير بين النواة والمُحيط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

وكما حدث مع البوعزيزي نفسه؛ فإنَّ الثورات من الجزائر إلى العراق كانت مدفوعةً بالإهمال الاقتصادي، الذي تجسَّد في الفجوة بين الريف والحضر، بقدر ما كانت مدفوعةً بالتجاوزات السياسية.

وتختلف النواة عن المُحيط عادةً من الناحية السياسية أيضاً، وهو تنافرٌ أثبت أنَّه مُؤشرٌ قويٌ عن الثورات.

فمع حركة التحديث الأبطأ داخل المناطق الريفية؛ يصير من المُرجَّح أن تسود المعايير التقليدية والميول السياسية المُحافظة. ويزداد هذا التنافر بسبب قوة الهويات القبلية في المحيط، ووجود الأقليات العرقية. إذ يُمكن أن يُؤدي توزيع النظام للمنافع بشكلٍ غير مُتساوٍ، لدى الأنظمة الاستبدادية، إلى خلق تضاربٍ إضافي في المصالح بطول الخطوط الإقليمية أي بين العاصمة والأقاليم.

وتحشد الأنظمة الديكتاتورية دعمها في المركز من خلال شبكات المحسوبية الضخمة، وتُحيط نفسها بأصدقائها من الرأسماليين والجنرالات المخلصين. وبصرف النظر عن الفساد، تتميَّز دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بتضخُّم وظائف الدولة وبرامج الرعاية الاجتماعية الهائلة، وهي المزايا التي لا يُحتمل أن يحصدها سكان الريف عادةً. وفي غياب الحوافز المماثلة، تقل احتمالية إشراك المواطنين الريفيين في مشروع بناء الدولة.

ومن عواقب مركزية الدولة الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أنَّ السلطة تتركَّز في النواة وتنحسر بالابتعاد عنها. ونتيجةً لذلك، يميل المُحيط إلى أن يكون أكثر عرضةً للتهديدات الأمنية، بدءاً من الخلايا الإرهابية وحركات التمرُّد ووصولاً إلى التهريب عبر الحدود.

ومن المنطلق نفسه، نجد أنَّ الدولة تصير أقل قدرةً في فرض القدر نفسه من السيطرة على المناطق النائية في أراضيها. 

وبالتالي تتمكن الدولة من السيطرة على المعارضة في المركز الحضري، لكن غياب الدولة عن مناطق المُحيط يُضعف من القانون والنظام، ويُقوِّض العقد الاجتماعي، ويُؤدِّي إلى تآكل الهوية القومية.

اقتبس غولدستون من أعمال صامويل هنتنغتون، حين فرَّق بين شكلين من أشكال الثورة.

في «الثورات المُحيطية»، يقتضي دعم الحضر للحكومة أن تحدث «التعبئة الشعبية من قاعدةٍ آمنة، ونائية عادةً».

ومن هناك، تبني الحركة دعماً شعبياً على الأطراف، مما يُشجِّع النخبة الحضرية بنهاية المطاف على الانشقاق، ويُمكِّنها من دخول العاصمة.

وأدرج غولدستون ثورات أفغانستان وكوبا وفيتنام تحت هذا التصنيف.

وعلى النقيض، تسير «الثورات المركزية» في مسارٍ مُعاكس. إذ تبدأ من تحدٍّ تُثيره النخبة -أو تتعاطف معه- للنظام المركزي، مما يُسفر عن زواله.

وبعد انهيار النواة، يتعيَّن نقل الثورة إلى المُحيط، بالقوة عادةً. وخير مثالٍ على ذلك ثورات فرنسا وإيران وروسيا.

أما حالات الجزائر والسودان وسوريا وتونس، فهي لا تتوافق بدقةٍ مع أيٍّ من النموذجين. بل تُمثِّل بدلاً من ذلك آليةً هجينة لا تدعم داخلها الطبقة الوسطة النظام بالضرورة، لكنَّها لا تستطيع التعبئة ضده إلى أن تتمكَّن من الاحتشاد خلف لواء مُحيطٍ مُهتاج.

وخير مثالٍ على ذلك فشل «يوم الغضب» السوري الأول في دمشق، أو إلغاء مسيرة تجمّع المهنيين السودانيين من أجل المطالبة بحدٍّ أدنى للأجور في الخرطوم خلال شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2018.

ومن المنطلق نفسه، لا تُنذر الاحتجاجات الريفية العفوية، التي تُركِّز على قضايا بعينها (مثل أسعار الخبز والوقود، وانقطاع الكهرباء، والمعتلقين السياسيين)، بتغيير النظام حتى يتولّى المهنيون الحضريون المسؤولية عن الرسائل والتنظيم.

إذ كانت مُشاركة النقابات العمالية ضروريةً لنجاح انتفاضات السودان وتونس، في حين جذبت الشبكات الاجتماعية الحشود إلى الجزائر العاصمة ودمشق.

وفي حين تتحدَّث دراسات الحالة هذه عن التفاوت الواضح بين النواة والمُحيط من ناحية، لكنها تكشف من ناحيةٍ أخرى عن وحدة الأهداف والاعتماد المُتبادل في العمل.

وتُبرهن تلك الأمثلة، أكثر من أيّ شيءٍ آخر، على فشل الدولة ثنائي الجبهة في دمج شرائحٍ حاسمة من المجتمع، ما يتركهم عرضةً للتمرُّد.

ولاحظ هنتنغتون أنَّ «المجتمع يكون أكثر عرضةً للثورة فقط حين تتزامن معارضة الطبقة المتوسطة للنظام السياسي مع معارضة القرويين له«.

إذ يُولِّد الاستبداد عداءً في النواة والمُحيط على حد السواء، لكن التعبيرات الفعَّالة عن المقاومة تستلزم جهداً منسقاً بين العنصرين.

وقدرة الطبقة المتوسطة على بدء ثورةٍ دون الانضمام إلى تحالفٍ ريفي تكون محدودةً بسبب قبضة النظام القوية على المركز، والكتلة الكبيرة من النخب الحضرية المرتبطة به عن قرب.

وفي الوقت ذاته، تُحاصر الاختلالات الهيكلية نطاق حركات الاحتجاج في المقاطعات إلى أن تتمكَّن من تجنيد حلفاءٍ في المركز.

والدرس المُستفاد للمعارضين هنا في أيٍّ من الجانبين هو أنَّهم يستطيعون زيادة احتمالات النجاح من خلال التعاون مع شركائهم الطبيعيين في القطاع المُقابل.

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى