كتاب وادباء

تجديد الخطاب الديني حق أريد به باطل..

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* لاشك أن مظهر وجوهر الخطاب الديني في مصر يحتاج إلى إعادة هيكلة وتجديد وتحديث بما يتوافق مع عالمية الدعوة الإسلامية. فتجديد الخطاب الديني كلمة حق أريد بها باطل ولم يرد بها وجه الله ولا مصلحة الدين ولا حاجة المجتمع إلى ضرورة تبنى خطابا جديدا يتوافق مع عظم وأهمية وغاية رسالة الإسلام إلى البشرية كلها . فشريحة كبيرة من الخطباء والدعاة والمشايخ الذين يتصدرون الدعوة ويعتلون المنابر فى حاجة ملحة وعاجلة إلى ضرورة تصدير خطاب دينى كامل شامل يتوافق مع عالمية دعوة الإسلام وشمولها لكل جوانب الحياة . ولايمكن فى عصر ثورة الانترنت والتكنولوجيا وسرعة تداول المعلومات والسماوات المفتوحة , أن يظل دعاة الإسلام يتحدثون عن عصر البغال والحمير والرق والعبيد وكأنهم يريدون أن يعطوا انطباعا خبيثا للناس بان الإسلام مرتبط بهذا العصر وهو مرهون بعصر الصحراء بقصد أو بغير قصد . أو كما ذكر الزعيم والقائد البوسني ” على عزت بيجوفتش ” أن هناك من العلماء من يحاول ” نصرنة ” دين محمد صلى الله عليه وسلم .

  • * لابد لدعاة الإسلام وخطباء المنابر وأصحاب الحناجر أن يصدروا خطابا متوازنا تربويا للمجتمع لكى ينفضوا من على رؤوس القوم أكواما من الأتربة الفكرية التي علقت بأذهانهم منذ عشرات بل مئات السنين بأن ما لله لله , وما لقيصر لقيصر . لأن هذا مفهوم خاطئ ومغلوط وغير صحيح لأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , وطالما أن ” قيصر ” يعيش على الأرض , فإنه وما يملك لله أيضا شاء أم أبى . ولايمكن أن نضع هذا القيصر ندا لله عز وجل . ينتابني الحزن العميق والقلق الشديد عندما استمع لداعية أو خطيب أو شيخ وهو يحاول جاهدا أن يفهم الناس أن دين الإسلام هو فقط علاقة بين العبد وربه ولأشأن له بالمعاملات ولا نظام الحكم ولا الاقتصاد ولا السياسية . وتلك الشريحة من دعاة ومشايخ النفاق يريدون أن يجردوا الإسلام من أفضل مافيه , ألا وهو قيادة البشرية إلى ما فية خير الناس دنيا وآخرة . ومن هنا كان تجديد الخطاب الديني ضرورة اجتماعية وشرعية أيضا .

    4239

    * لابد لدعاة الإسلام ومشايخ الدعوة وخطباء المنابر أن يصدروا للناس خطابا متوازنا متكاملا يفتح العقول المغلقة والقلوب التي ران عليها تلال من الصدأ والغبار الفكري بسبب التشويه المستمر للإسلام دينا وشريعة وعقيدة عبر وسائل إعلام موجهة وتقف فى الخندق المعادى للإسلام شكلا وموضوعا . فإذا وقعت حادثة قتل أو سرقة أو نهب أو انفجار هنا أو هناك , فإن دعاة الإسلام يسارعون بالقول بان الإسلام برئ من تلك الجرائم ” وهو فعلا برئ ” لكن المغزى هنا أن الإسلام متهم دائما بأنه سبب كل كوارث الدنيا , وبناء عليه فانه يجب الإسراع بنفى تلك الجرائم عن الإسلام المتهم . وكان الإسلام سيظل حبيسا فى قفص الاتهام وعلى ذمة التحقيق . إننا كمسلمين نسئ لديننا أكثر مما يسئ إليه الآخرون ونشوه عقيدتنا أكثر مما يشوها الآخرون , لذا كان تجديد الخطاب الديني ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية .

    * لابد لدعاة الإسلام ومشايخ الدعوة وخطباء المنابر أن يوحوا ويبينوا للناس أن الإسلام ليس محصورا فى أحكام الحيض والنفاس وآداب دخول الحمام وبر الوالدين ومساعدة الفقراء وكأن الإسلام جمعية خيرية لا أكثر من ذلك . إن تغييب الوعي الديني لدى عوام الناس , مسؤول عنه الذين يتصدرون المنابر بقلة حيلتهم وفقرهم الثقافي وتدنى مستواهم اللغوي وانحدار لغة الخطاب إلى مستوى ردئ متدنى هابط يسئ للإسلام أكثر مما يحسن إليه , ويشوه صورته أكثر مما يزيل عنه كيد الاتهامات ومنصات الصواريخ التى تطلق عليه صباحا ومساء بالليل والنهار . أعتذر فى القول بأن بعض الخطباء اليوم كالدابة التي قتلت صاحبها بغبائها عندما رفعت حافرها لتهش الذبابة من على وجهه فأغرقته فى بحر من الدماء , فلا هى هشت الذبابة ولاهي أبقت على حياة صاحبها . كذلك بعض الدعاة والخطباء اليوم أطلقوا ألسنتهم للدفاع عن الإسلام , فإذ بهم يكبلونه من الخلف والأمام ويقذفون به فى قفص الاتهام حتى يثبت الإسلام براءته أمام أعدائه..!.

    * لقد تنبه شيخنا الكبير العلامة الفقيه محمد الغزالي إلى هذا الأمر مبكرا فقال : ” وقد تأملت فى أحوال الناس الذين يعملون فى الحقل الإسلامي ويتحمسون لنصرة دينهم ولكنهم يحملون فى دمائهم جراثيم الفوضى القديمة والجهالة المدمرة فأدركت أن هولاء يتحركون فى مواضعهم وأنهم يوم يستطيعون نقل أقدامهم فسيتجهون إلى الوراء لا إلى الإمام . وسيضيفون إلى هزائمنا الشائنة هزائم أنكى وأخزى. من أجل ذلك رأيت استثارة الهمم لبدء نهضة واعية هادية تعتصم بالوحي الأعلى وتتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه وتنتفع بتجارب القرون الأربعة عشر التي مرت بنا .” ويقول فى موضع آخر ” فلما رجعت ببصري إلى ميدان الدعوة فى أرض الإسلام غاص قلبى من الكآبة كأنما يختار الدعاة وفق مواصفات تعكر صفو الإسلام وتطيح بحاضرة ومستقبله . وما أنكر أن هناك رجالا فى معادنهم نفاسه وفى مسالكهم عقل ونبل , بيد أن ندرتهم لاتحل أزمة الدعاة التي تشتد يوما بعض يوم . والغريب أن الجهود مبذولة لمطاردة الدعاة الصادقين من العلماء الأصلاء والفقهاء والحكماء للقضاء عليهم وترك المجال للبوم والغربان من الأميين والجهلة والسطحيين يتصدون للدعوة ويتحدثون باسم الإسلام . وذلك وراءه مخطط استعماري مدروس بدهاء تنفذه الحكومات المدنية بدقة حتى لايبقى للإسلام لسان صدق وحتى تبقى العقول المختلة هى التي تحتكر الحديث عن هذا الدين المظلوم .

    * يقول الشيخ الغزالي أيضا : ” بين يدي القرن المقبل أطلب من المسلمين أن يطرحوا الأسمال العقلية والاجتماعية التي أزرت بهم وحطت مكانتهم وأن ينصفوا الإسلام من أنفسهم حتى يستطيع هذا الدين الانطلاق فى الأرض وإسعاد البشرية وتحقيق رحمة الله للعالمين . إما استقبال القرن الخامس عشر بحكم فردى يخنق الحرية ويستبيح الحرمات أو استقباله ببطالة عقلية تهمل العمل والفكر وتحقر نتائجها وتؤخر العباقرة وتقدم التافهين , أو استقباله بذاكرة مفقودة لا تستفيد من التجربة ولا تنتفعع من عبر التاريخ . آو استقباله بدعاة يتساءلون عن الصلاة مع دم البعوض فى قمصانهم ولايتساءولون عن مستقبل قبل أمة أرخص دمها حتى أصبح سفكه لايثير جزعا ولا فزعا . إن استقبالنا للقرن الخامس عشر على هذا النحو خزي للأبد . فإما عشنا مسلمين حقا , وإما ممات لاقيام بعده…. ممات لعمرى لم يقس بمات . ” أليس كل ماسبق ذكره نستحق معه تجديد الخطاب الديني الموجه للمجتمع…؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى