ثقافة وادب

تاريخ اليمن كله في قصة رجل وزوجته .. عن رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» التي يجب أن تقرأها

«صنعاء مدينة مفتوحة» رواية محمد عبدالمولى، روائي يمني
مات شاباً، ويبدو أنه كان يسارياً فقد تخرج في أحد المعاهد السوفييتية، لكن الأدب
الرفيع يتخطى أسوار الأدلجة. روايته هذه التي لا تزيد صفحاتها على المئة
والثلاثين، رسمت صورة اليمن الذي كان يوماً ما -في بداية التاريخ- سعيداً ثم لم
يعد كذلك، النسخة التي بين يدي صدرت عن دار الجمل في مطلع الألفية، ولكنها يمكن أن
تكون صادرة في مطلع القرن السابق أو في أي وقت فيه.

علي الغلاف صورة تمثل العمارة الصنعانية المدهشة الجمال، وفي
الداخل صورة للمأساة الصنعانية المدهشة البشاعة أيضاً.

يعود الراوي إلى قريته من عدن ملولا من غير شوق…. زوجته التي
تزوجها عن حب تقوم بما يفترض أن تقوم به النساء في اليمن، تعمل هند، وهند تعني
مئة، عمل مئة رجل، تهدها أعمال الحقل وأعمال المنزل وتزحف، خطوط المأساة على جمال
وجهها، سعيدة؟ كلا، ماذا تشتهين؟ لا شيء، تريدين معونة؟ كلا، تعمل عشرين ساعة،
وللمفارقة حين تذهب مع زوجها لإحضار طعام الحيوانات تحمل عشر حزم، بينما زوجها لا
يستطيع أن يحمل إلا اثنتين، ويقف في منتصف الطريق عاجزاً، فتكمل رحلتها وتوصل
حمولتها، وتعود لمساعدته، اليوم الوحيد الذي انفرد بها فيه زوجها بكت على كتفيه،
قالت له بعد فترة إنها تشعر أن شيئاً ما يتخلق داخلها، لا يعير المسألة أي اهتمام،
في جولاته على الجبل يتعرف بفتاة الجبل، فتاة يمنية جميلة أخرى، وككل النساء في
اليمن هاجر زوجها ولم تسمع به، وهي تجمع من الجبل ما يؤكل وغير ذلك، وأهلها
يتصدقون عليها بملابسهم، جمال يشحب، لا تشكي ولا تبكي، يتعلق بها الراوية، تسأله
عن زوجته لا يعرف الإجابة، وفي القرية يخترعون الإجابات، علاقتها بالراوي تعاطف…
نعم… حب… ربما….. جسد… لا ندري، القرية عطشى للماء تستسقي لا استجابة يأتي
الدجالون يجمع لهم الفقراء الهدايا حتى تتحقق المعجزة… دجل واضح.. يسأل الإمام كيف
تسمح بهذا الدجل؟ يرد: ولكن الناس يصدقونه، أنا أعرف أنه دجل، لكن لن يصدقني الناس
إن أعلمتهم بحقيقته… يتراجع الدين الحق أمام الخرافة التي تلبس ثوب الصلاح.. تفشل
الخرافة ولكن العطشى يصدقون… تهدر الأمطار والسيول، فتاة الجبل انهد البيت عليها
وعلى عائلتها… ليس في القرية إلا خمسة رجال، كل رجال القرية يكسبون قوتهم خارجها،
ولا يعرف أحد متى وبم يعودون، الراوية مع الرجال القلائل ومئات النسوة يستخرجون
الجثث من تحت الأنقاض… السيل يجرف الماشية والبيوت والأطفال… لا بد من معاودة
الهجرة إلى عدن للعمل، زوجة الأخ عادت وتركت زوجها في عدن، المرأة تعمل في الريف،
لكنها عبء على زوجها في المدينة. الراوية في عدن يعمل مع غيره، بعدها ينفق الوقت
في المقهى مع الرفاق وفي القات، الطريق إلى عدن فيه نقاط شرطة تأخذ إتاوة من
الفقراء، ومن لا يجد ما يدفع يتسلون بضربه. في عدن الأخ هاجر إلى جدة، والعجوز
الصنعاني الغارق في خمره كان له ابنة يحلم أن يدرسها لتطلع دكتورة وزوجة يحبها
وعمل يرتزق منه. تحدث ثورة على الإمام ثم ثورة للإمام، صنعاء مدينة مفتوحة..
المقاتلون يفتحون المدينة، يستعيدون النظام، يسلبون البيوت، ويغتصبون ويقتلون.
زوجته وابنته قتلتا.. وضاع حلمه، أما البحار الذي ترك قبيلته وطاف الدنيا في
البحر، ترك قبيلته مع الأخدام، ترك قبيلته لم يترك إنسانيته، وهو ابن عشر عمل في
دكان في تعز لصديق أبيه، عمل ككل أطفال اليمن، من الخامسة صباحاً حتى الثانية عشرة
ليلاً، استجاب لنصيحة من نصحه بالذهاب إلى زبيد لطلب العلم.. في زبيد لم يجد
علماً، استولى الحكام علي الأوقاف وما عاد أحد يتعلم.. يعطف عليه شيخ أعمى يعلمه
القرآن، ولكنه لا يتعلم الكتابة، يقرأ القرآن في بيت الحاكم وبيت نائبه، تارة يقرأ
للحاكم الستيني وتارة لزوجته العشرينية، يجزلون له العطايا. اكتشف أن أستاذه ليس
أعمى بل متعام حتى لا يرى ما يسوءه، يصبح  للفتى سرير في بيت الحاكم وآخر في
بيت العامل وله هنا وهناك امرأة العزيز، المفارقة واضحة، الحاكم يخون الشعب والشعب
يخون الحاكم، يترك البحار زبيد التي تكاثرت قبورها ووهت علومها إلى الحديدة ومن ثم
للبحر.. لا زال يبحث عن إنسانية. 

نعمان الراوي يتلقى رسالة من قريته يتركها في جيبه يوماً… لم يكن
متلهفاً على شيء… يفتحها… هند ماتت وطفله ساعة الولادة… الآن فقط أصبح هناك معنى
…. هند والحمل… نترك الأحلى يموت ثم نندم عليه نترك وطناً  كان سعيداً ليغرق
في البؤس وحده… ثم نتذكر أنه كان يكن أن نفعل له شيئاً. يريد نعمان أن ينسى..
الخمر وبين ذراعي الفقيرة التي دفعها الفقر لتطفئ بجسدها حرائق الذكور، تذكره بأن
عليه أن يجرب أن يحب وأن يكون إنساناً…. عاجز هو.. يريد أن يعود لعمله، شركته في
عدن أنهت أعمالها وسرحت عمالها، والده في القرية يريد منه مالاً ليدفع الضرائب حتى
لا تستولي الحكومة على حقله… الموت…. تستقبله نساؤه…. نساؤه الوطن… هند التي تكدح
وكان يمكن أن تهبه طفلاً.. فتاة الجبل الوطن الواعد، الفتاة الفقيرة الإطفائية وطن
كذلك.. وهو عاجز حتى عن الحب. 

يمن لم يعد سعيداً

رواية صغيرة حشدت من الرموز ما يغنيك عن قراءة آلاف الصفحات عن
تاريخ اليمن، لكنها لا تتركك محايداً، يحب أن تحترق كما يحترقون، وتعطش كما
يعطشون، وتتصدى للسيل وللدجل والتدين المغشوش… وللحاكم الفاسد.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى