آخر الأخباركتاب وادباء

بين يدي الحلاق “صفحة من ذاكرة الإسكندرية”

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس / محمود صقر

30/03/2021
“ميشيل” الحلاق اليوناني كان أحد ثلاثة من جنسيات مختلفة يحملون الاسم نفسه، وتحملهم ذاكرة من كان طفلا في أوائل سبعينيات القرن العشرين في حي اللبان بمدينة الإسكندرية، قصتهم تستدعي معها ذاكرة خمسين عاما من تاريخ مهمل لواحدة من أعرق مدن العالم، وهي مدينة “الإسكندرية”، التي تفقد ذاكرتها تدريجيا.
كان يوم ذهاب الطفل بصحبة والده لمحل “ميشيل” الحلاق ليس يوما سعيدا ولا حميميا؛ فقد كان الحلاق عجوزا بدأ يفقد السيطرة على ثبات حركة يديه التي أصبحت ترتعش بفعل الزمن، ولم تكن رعشة اليدين هي العلامة الوحيدة التي تركها الزمن عليه؛ فمع نحول جسمه ونفور عروق كفيه، انحنى ظهره بحكم المهنة، ومع صعوبة تحكمه في يديه كانت بعض شعرات رأس الطفل تعلق بين حدي المقص، وتتحول الحلاقة من القص إلى النتف غير المقصود والمؤلم ولو للحظات خاطفة.
أما اللحظة الفارقة والنهاية غير السعيدة التي كان يترقبها الطفل في ختام الحلاقة؛ فهي لحظة استخدام الماكينة المعدنية اليدوية لتحديد أطراف الشعر وخاصة على القفا؛ فحين يلمس سطحها المعدني البارد قفا الطفل الناعم، تسري في بدن الطفل قشعريرة يظل الشعور بها قائما حتى موعد الحلاقة التالي، ويزيد من عدم حميمية المشهد في نظر الطفل سيطرة اللون الأبيض على المشهد، فعم ميشيل الحلاق كان يرتدي رداء أبيضَ فوق لباسه العادي مثل الأطباء أو الممرضين، وشعره كثيف أبيض بلون رغوة الصابون فوق فرشاة الحلاقة ولون الجدران والمناشف، وتزداد سيطرة اللون الأبيض بانعكاس محتويات المحل على المرايا الممتدة في مساحة جدران المحل.


عم “ميشيل” يوناني مولود في الإسكندرية، كان والدي يصطحبني لمحله الكائن في شارع “باب الكراستة” قريبا من تقاطعه مع شارع “السبع بنات”، والذي يبعد عن بيتنا رقم 33 شارع باب الكراستة بنحو مائة متر، وبين الحلاق وكراكون اللبان فقط بضع خطوات لعبور شارع السبع بنات، وكلمة كراكون الشهيرة في إسكندرية هي تحريف للكلمة الأصلية “قرة قول” وهي كلمة تركية تعني قسم الشرطة.
كان قسم اللبان يقع في شارع السبع بنات متعامدا على شارع باب الكراستة، وكان ببنيانه الأنيق وأعمدة وأقواس واجهته المتوازنة، والإضاءة التي تزين واجهته ليلا، كان علامة مميزة للشارع ومصدر حيوية لشارع باب الكراستة الذي يبدأ من كاراكون اللبان وينتهي عند باب الجمرك رقم 14، والذي كان بدوره مصدر الحركة والحياة في الشارع بصفته من أكبر أبواب تصدير واستيراد البضائع، وبسببه انتشرت محلات الأنتيكات ومحلات معدات وأدوات ووسائل رفع ونقل البضائع، ومكاتب التخليص الجمركي، وتحت بيتنا مباشرة كان واحد من أكبر محلات بيع السجائر بالجملة في الإسكندرية، لصاحبه “الخواجة ميشيل” وهو لبناني الأصل ويحمل جنسية أوروبية، ومع تشابهه في الاسم مع “عم ميشيل الحلاق”، وتشابهه معه في أنه أجنبي، إلا أن لقب “خواجة” كان من نصيب تاجر الدخان الذي كان واحدا من أثرى أثرياء المدينة.
وعلى الجهة المقابلة له مباشرة كان محل “ميشيل النجار”، كان لنجارة الموبيليا، وعم ميشيل النجار مصري دقيق الصنعة يقولون عنه “يده تتلف في حرير”، وقد أدركته بعد أن كبرت سنه وهاجر ابنه إلى أمريكا، ثم تبعه أبوه، وقبل مغادرة عم ميشيل النجار لمصر متوجها لأمريكا قام بدخول بيت الأميرة شهرزاد -منزلنا الذي اتخذ اسمه من اسم الأميرة المنتسبة للعائلة الملكية التي كانت تحكم مصر- وطرق أبواب الشقق وودع سكانها ورحل.
تحول محل عم ميشيل النجار إلى محل لتصليح الأدوات الميكانيكية ولف الموتورات، كان صاحب المحل الجديد الذي صار ممثلا مشهورا فيما بعد ضخم الجثة جهوري الصوت شديد الصخب في الشارع، يمضي معظم وقته جالسا أمام المحل على كرسي من الخوص لابسا فانلة قطنية داخلية بيضاء بحمالات لا يغيرها، وتكشف عن جسده الضخم وشعر صدره وذراعه الكثيف، كان هذا الرجل هو “يوسف داود” -الذي صار ممثلا مشهورا فيما بعد-، وكان يحب الغناء برغم خشونة صوته، وكان يجالسه العواد حسن، وهو أحد جيراننا في الحي الذي يجيد العزف على العود، وكان ثالثهم في الصحبة صبي العلاف المجاور لمحل عم يوسف، وكان رابع الشلة جاري محمد الشهير بـ”مِشمِش” -رحمه الله– والذي كان يكبرني بعشر سنوات، وكان يعشق الفلسفة وفن التمثيل.
وفجأة في نهاية السبعينيات اختفى عم “يوسف داود” من شارعنا نهائيا، فقد واتته فرصة الاشتراك في دور ثانوي في إحدى مسرحيات “عادل إمام”، وانفتح بعدها أمامه تدريجيا باب الشهرة، واستمرت باقي الشلة في محاولاتهم الفنية، واصطحبوني معهم وأنا في المرحلة الثانوية للاشتراك في فرقة معهد جوتة المسرحية.
في شارع باب الكراستة كان يمر ترام المدينة (الترام الأصفر) المتفرع من الخط الرئيسي لشارع السبع بنات متوجها للالتحام مع الفرع المتوجه إلى رأس التين بمنطقة بحري مرورا بحي الجمرك، أو متجها للمكس مرورا بالقباري والورديان، أو ترام رقم 6 المتجه للحضرة مرورا بمحطة مصر ومحرم بيك.


خط الترام الحديدي يعلوه كابلات كهرباء يتصل بها الترام بذراع حديدي مائل جهة الخلف، وتعلوه بكرة من الحديد يدخل الكابل بتجويف داخلها، أمام محل ميشيل الحلاق عند التقاء الشارعين كانت التحويلة اليدوية لخطوط الترام، وكثيرا ما كانت الذراع تنفلت عن الكابل ويَصدر شرار كهربي وصوت أزيز من احتكاك الذراع الحديدي مع الكابلات، وتتعطل حركة الترام لحين إعادة الكابل إلى التجويف في البكرة التي تعلو الذراع، وكان يقوم بهذه العملية السائق أو الكومسري (قاطع التذاكر) بسحب الذراع الذي يسمونه “بِرْش” من خلال حبل يرتبط بالذراع ويتدلى على جانب الترام، ثم يعاود الترام مسيره. وكثيرا ما كان الأولاد الأشقياء يشدون الحبل عمدا لتعطيل الترام لمجرد التسلية وسماع شتائم الكومسري والسواق.
بعد رؤيتي فيما بعد لترام القاهرة اكتشفت كم هو جميل ونظيف ترام إسكندرية، سواء ترام المدينة الأصفر أم ترام خط الرمل الأزرق. أما الترام الأزرق ذو الطابقين من محطة الرمل فكان نزهة لأهل إسكندرية وللقادمين إليها، سواء من السياح أم من القادمين إليها من أهل المحافظات، وقد أفرد له الدكتور “عبد الوهاب المسيري” جزءا معتبرا من ذكرياته في إسكندرية أثناء دراسته للأدب الإنجليزي في آداب إسكندرية مصحوبة بقصة الحب التي جمعته بزوجته.
أعود إلى الحلاق “ميشيل” الذي أدركته في طفولتي بداية السبعينيات قبل عودته النهائية من إسكندرية إلى بلده الأصلي “اليونان”، كان يونانيا متمصرا في لسانه ووجدانه، يناقش والدي في آخر أغنية لأم كلثوم، ويشارك والدي في عشق صوتها، ونقد أغانيها الأخيرة التي كانا يريان فيها خروجا على تقاليد أصالة ألحان القصبجي والسنباطي وزكريا أحمد، وكان أبي يصرح لعم ميشيل عن أمنيته في أن يصبح ابنه محمود عازفا في التخت الأول في الفرقة المصاحبة لأم كلثوم.
في آخر حديث سمعته من عم ميشيل الحلاق في صيف عام 1974 قبيل وفاة والدي، كان يشكو لوالدي من شعوره بالوحدة؛ فمع بداية السبعينيات وجد نفسه خلوا من الأصدقاء بعد أن هاجر عدد كبير من الجالية اليونانية بعد قرارات تأميم ممتلكاتهم بداية الستينيات، ثم زاد شعوره بالوحدة بعد أن قرر أبناؤه العودة لليونان بحثا عن الرزق الذي ضاقت أبوابه لهم في مصر، وبدا حديثه حديث مودع، وهو لا يدري أنه يتحدث حديث مودع لمن سيودع الدنيا أسرع من وداعه هو لإسكندرية، فقد توفي أبي عام 1974، وبكاه ميشيل بكاء حارا ثم اختفى من الإسكندرية عائدا لليونان، وخلال ثلاثة أعوام من وفاة أبي، رحل ميشيل الحلاق وميشيل النجار والخواجة ميشيل، وتم هدم قسم اللبان، ثم تحول فيما بعد إلى مبنى متواضع من دور واحد باسم “نقطة شرطة السبع بنات”، ثم تم هدمها وأصبحت خرابة مهجورة حتى كتابة هذه السطور.!
ومع رحيل البشر، وسقوط الحجر، تتساقط قطع من ذاكرة الزمان والمكان، وكم هو مؤلم أن تفقد إسكندرية ذاكرتها، ولا تجد من يحافظ عليها، وهي المدينة التاريخية العريقة والجميلة، التي حملت للبشرية مشعل نور العلم والفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى