منوعات

بين فقدان الجسد والتحدث إلى الحيوانات والثياب المسكونة.. أغرب أفلام 2019

ربما قد تتوقع عناوين مثل «Joker«، و»Jojo Rabbit»، و»Us».. ولكن هذه بعض الأفلام التي لم تكن بالغرابة الكافية لتدخل في القائمة التالية. لكن في وقتٍ تسمح فيه الرسوم الحاسوبية والمنصات الحديثة لمختلف فئات الأفلام بالتوغل في أعماق الفانتازيا والمستقبلية والجنون؛ من العادل أن نسأل ما هو معنى الغرابة؟ وما هي أغرب 10 أفلام في 2019؟ هذا ما سوف يخبرنا به المقال التالي، والذي نشره موقع Taste of Cinema، وبالطبع يجب التنويه إلى أن التقرير قد يحتوي حرقاً لبعض أو كل أحداث الأفلام الواردة فيه.

صدر ثاني أفلام المخرج كريس موريس في دور العرض دون اهتمام ولا دعاية تُذكر. ومع أنه من عناصر هذه القائمة الأكثر توازناً، فله شعور غريب فريد خاص به. ويتناول في جوهره كيف أن السياسة الأمنية التابعة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول تتغذَّى على المعتلِّين ذهنياً للإفراط في توجيه تهم الإرهاب. يناقش «The Day Shall Come» الظلم الحقيقي المتفشِّي بجنونٍ يليق بموضوعه.

يركِّز الفيلم على شخصية موزيس، وهو رب أسرة يخاطب الحيوانات ويقود جماعته الصغيرة في مشي البطِّ ويجول شوارع حيِّه بولاية فلوريدا مبشِّراً بانهيار الهيمنة العرَضية للعرق الأوروبي. وتضعه رغبته الشديدة في الاحتفاظ بـ»مزرعته» على مسار تصادمٍ مع عدة وكالات أمنية أمريكية تسعد بمنحه لقب الإرهابي الخطير. من الألفاظ التي وُصف بها فيلم موريس كانت «مهترئ»، وهو وصف غير دقيق، لكنه أيضاً يعبِّر بتحفُّظٍ مخبولٍ أكثر تشويقاً وتدميراً من المجادلات الانفعالية التي أنتجتها هوليوود هذا العام.

«I Lost My Body» هو فيلم محيِّر للغاية، واستكشاف قاتم لإمكانية تحدِّي حس المرء بذاته وإسقاطه وقطعه واستعادته. ويُنفَّذ هذا بحسٍّ من الواقعية السحرية التي ما كان لشركةٍ مثل ديزني أن تمسَّها. «I Lost My Body» هو الفيلم الكارتوني الوحيد في هذه القائمة، وهذا في الغالب لأن بعض الفئات تبدو أقل غرابةً بمجرَّد انتمائها إلى فئة يكون الغريب فيها متوقعاً (على سبيل المثال، «Promare»).

يحكي «I Lost My Body» قصَّتين متوازيتين، نوفل هو شاب صغير يُتِّم في صغره ويسعى إلى إيجاد مكانٍ في العالم بينما هو بأمسِّ الحاجة للإرشاد. وفي القصة الأخرى، تجوب يد مقطوعة مدينة باريس دون تصويرٍ رومانسيٍّ لها، بجرذانها وقبحها، بحثاً عن صاحبها. إنها اليد التي تدير الفيلم حرفياً، إذ تعبِّر عن كل العواطف التي يبدو البشر الطبيعيون عاجزين عن النطق بها. إنها مغامرة عجيبة ولكن قاسية، ومع أن طبيعتها الغريبة مقتصرةٌ في الأغلب على مقدِّمتها، فهي لا تتردَّد عن الغرابة حين تريدها.

احتفظ روبرت إيغرز في فيلمه الثاني بعد «The Witch» بالإخلاص لتصميم الإنتاج والتعبيرات اللفظية الدقيقة تاريخياً، وهذا مجرَّد غيضٌ من فيض الغرابة المتمثِّلة في «The Lighthouse». فهناك تلميحاتٌ عن علاقات جنسية بين كائنات مختلفة، وطيور نورس مخيفة، وما يكفي من الثمالة لمنح الأحداث شعوراً ثقيلاً بالدوار الذي يزداد سوءاً بدويِّ الريح العاصفة العاتية.

فيما يواصل روبرت باتنسون خوض التجارب مع أبرز مخرجي عصره، مقدِّماً أداءً غريباً آخر يُضاف إلى سجلِّه. ولا أقصد الانتقاص من مجهوده الكبير حين أقول إن «The Lighthouse» يبدو أشد غرابةً حتى منه. ويلم دافو هو من يسرق الأضواء في الفيلم، وحتى هو اضطُرَّ للمجاهدة ضد نورسٍ أعور وتمثالٍ صغيرٍ لحورية بحرٍ يسيطر كلاهما على الشاشة. ومما يشهد على طبيعة «The Lighthouse» العجيبة أن كل جمادٍ فيه يشعُّ شخصيةً وغضب الريح الشمالية الشرقية الجبَّارة.

هل بقي ما يُقال عن «Parasite»، بعد حصوله على جائزة السعفة الذهبية/Palme d’Or، وعشق النقَّاد له، وترشيحاته العديدة لمختلف الجوائز؟ مع كل تناولاته الاجتماعية، ما زال هناك شيء غريب في قلب «Parasite». وسرعان ما ينجح المخرج بونغ جون في التواصل ذهنياً مع عقل المشاهد، بحيث يصير كل ما يلي لائقاً بالجنون الذي يبدو بشكلٍ ما طبيعياً تماماً. و يستحق تمامً أن يكون من أغرب أفلام 2019

لكن غرابة «Parasite» تعود في الأساس إلى تكشُّف مقدِّمته بثقة، وبنسبةٍ أكبر إلى أن كل تطوُّرٍ غير معقولٍ هو ناتجٌ عن غفول الأثرياء. كانت السينما خلال العقد الثاني من الألفية مليئةً بالقرناء أشباه الشخصيات ومنتحليها، وقد يكون «Parasite» هو أقوى ما استخدم هذا العنصر لأنه يحوِّل هذا التوتُّر إلى مهزلةٍ ويبيِّن في أثناء ذلك مدى صلاحيته واضطرابه.

يجب أن تتعادل كفَّتا فيلمَي خيالٍ علميٍّ جنونيَّين يتناولان فكرة معنى أن تكون إنساناً، وأن تكون حراً، وأن تعيش كما ينبغي. «High Life» هو الفيلم الأعلى شهرةً، إذ يضع أول أفلام كلير دينيس باللغة الإنجليزية كلاً من روبرت باتنسون وجولييت بينوش ومغنِّي الراب الأمريكي آندري 3000 وميا غوث في مفرمةٍ ويجمع كل ما ينتج عنهم. 

إنه فيلم صبور ومتفائل إلى أبعد الحدود تكتنفه نبرات قاتمة، وألوان جميلة، وتصميم إنتاجي مدروس. إن كلير دينيس على استعدادٍ لاستكشاف مناطق لا تجرؤ هوليوود عليها.

كيف يكون رد فعل المرء في وجه الموت الوشيك في الفضاء؟ يقدِّم لنا «Aniara» بعض الأجوبة. سفينة فضاءٍ تحمل ركاباً إلى المريخ وتحيد عن مسارها مرسلةً إياهم نحو الهلاك. وما ينتج عن ذلك هو جرعةٌ جامحةٌ من الفوضى. 

يجعلنا «Aniara» -المستوحى من قصيدة هاري مارتنسون من عام 1956- نتفكَّر في الهلاك بفوضى الكون العشوائية. واحد من أغرب أفلام 2019؛ يحتوي على مشاهد للتعاطي الصريح للممنوعات وحفلات المجون الفضائية، ووفرةٍ من التأمُّلات، والأهم من هذا كله، تصوير مروِّع ومؤاتٍ لجماعةٍ من الناس يشهدون مصيرهم يفلت من بين أيديهم.

ثاني أفلام آري أستر هو تجربة تتسلَّل نحو المشاهد كما النباتات التي قد تكون من هلاوس شخصيته الرئيسة. وقد لاحظت تحليلات الفيلم أن كل أحداثه تقريباً تقع في ضوء النهار، وهو أمر نادر بالنسبة إلى الفئة التي ينتمي إليها. لكن من رأوا الفيلم سيعرفون أن هذه مجرد نقطةٍ في بحر الغرابة التي يمتاز بها.

يبني «Midsommar» أساسه على تيمات الحزن، والتعلُّق المرضي المشترك، والحاجة إلى الانتماء. تبدأ رحلته عبر احتفال بانقلاب شمسي يحدث مرةً كل 90 عاماً، ويستغل الصور الوثنية المرعبة أمثل استغلال. لكن ما يمنح «Midsommar» غرابته الحقيقية هي طريقته في وضعنا أمام منظورات شخصياته المشوَّهة، وواقعهم الملتوي، واستسلامهم للجنون.

«Bacarau» هو فيلم تنكشف أحداثه في صبرٍ ويترك مهمة توصيل النقاط للمشاهد. إنه فيلم حديث ينتمي إلى فئة أفلام رعاة البقر في مستقبل ليس بالبعيد ومألوف بشدة للأسف. به أناس يشاهدون برامج جرائم قتل واقعية على شاشات تليفزيون رقمية ملصقة بظهر شاحنات، وطائرات مسيَّرة فضائية الشكل تطير عبر الأرياف، وشحٌّ في المياه.

تنفتح الكاميرا على طريقٍ مليءٍ بالنعوش، وباكاراو (أي طائر السبد بالبرتغالية) هو اسم منطقة يسكنها مجتمع يصارع من أجل التحرُّر من سياسيِّين قذرين، وجفاف، وبلاء السياحة. ويحمل «Bacarau» في جعبته عديداً من المفاجآت، لكن أغربها على الإطلاق هي نبرته. فهو يأسر انتباه المشاهد أمام الشاشة تماماً ويضعه في حالة نشوةٍ تقدِّم تأمُّلاتٍ في ماضي دولة البرازيل، وعالمنا الحالي المتقارب، ومستقبل روح سلالتنا البشرية الجماعية.

قصة «In Fabric» هي في الأساس عن فستان مسكون بالجنِّ، ولا يجد داعياً للمبالغة من أجل المشاهدين أو إعطاء أية إشارات مباشرة. فالقصة تكشف عن شعورٍ قويٍّ بالمكان يخلط بين الجنون والاعتيادية. بعض الأفلام تكافح من أجل توصيل أي شعورٍ بغرابتها أو شذوذها أو فرادتها على أي نحو. أما مع «In Fabric»، فهناك إحساس بأن الفيلم يجاهد لحفظ غرابته وتوجيهها إلى طريق مثمر.

لقد شهد عام 2019 وفرةً في الأفلام التي تحكي عن أغراضٍ جماديةٍ تقود شخصياتها نحو مآزق لا مفرَّ منها. من الفنِّ في «Velvet Buzzsaw» إلى حقيبة اليد في «Greta» والهاتف الخلوي في «Wounds» الذي لم ينل حقه من الثناء. 

لكن «In Fabric» هو الوحيد الذي يقدِّم شيئاً عن المعنى الذي نحتاج إلى إضفائه على الأغراض وما قد تفعله بنا. وربما لا يعني هذا شيئاً، وربما يعني كل شيء، لكنه يكسر زمانه ومكانه بانتباهٍ إلى الهزل الذي لم ينجح أي مخرجٍ آخر في تحقيقه هذا العام.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى