بيعت واغتُصبت ولم تيأس حتى في موتها.. ماتيلدا آخر ناجية من سفن العبودية بأمريكا

لا ترجع العبودية في أمريكا كثيراً إلى الوراء، فالدولة التي قامت على الحريات الفردية تحمل إرثاً مؤلماً للأمريكيين من أصول إفريقية، وكل القوانين المدنية التي أقرت مساواتهم مع الآخرين لم تنسهم الماضي غير البعيد.

ماتيلدا ماكرير، آخر
أمريكية من أصول إفريقية حضرت إلى الشواطئ الأمريكية لبيعها مع العبيد، كان عمرها سنتين عندما وطئت قدماها أمريكا
وتوفيت عام 1940 عن عمر يناهز 82 عاماً، لتصبح آخر إفريقية مستعبدة معروفة على
الأراضي الأمريكية.

وفي عام 2020، أي بعد
أكثر من 7 عقود على وفاتها، يروي أحفادها فصولاً من قصتها المحفورة في تاريخ
أمريكا المعاصر.

على لسان حفيدتها إيفا بيري التي تبلغ من العمر حالياً 82 عاماً، نقلت مجلة National Geographic فصولاً شائقة ومؤرِّقة من حياة ماتيلدا.

حضرت ماتيلدا إلى مدينة Mobile على
متن سفينة Cotilda، آخر سفينة نقلت العبيد
من إفريقيا في القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1860.

على وجنتها ندوب، أوضح
خبير في الثقافات الإفريقية يدعى بابالولا ياي، أنها كانت ترمز إلى اسمها وموطنها
الأصلي.

فماتيلدا كانت تنحدر من
قبيلة يوروبا غرب إفريقيا، والرموز التي على وجهها كشفت أن اسمها أباكي، أي
“خُلقت لتكون محبوبة من الجميع”.

لكن ماتيلدا لم يكن لها
نصيب من اسمها الإفريقي، لتشهد عقودها الثمانية حياة قاسية من الاستعباد
والاستغلال.

كانت ماتيلدا تعيش في كنف
قبيلةٍ أغار عليها جيش داهومي المؤلف من سيدات فقط، فيما يُعرف الآن بجمهورية بنين
غرب إفريقيا.

من ميناء هناك، أبحر
قبطان سفينة كوتيلدا إلى ألاباما في أمريكا، وعلى متن سفينته 110 رجال ونساء
وأطفال مسجونين في أقبية السفينة.

لم تكن ماتيلدا وحدها، بل
مع أمها و3 من أخواتها، في رحلة استمرت 6 أسابيع، تعرفت فيها والدتها على رجل
سيصبح زوجها لاحقاً.

لا تذكر ماتيلدا شيئاً عن
الرحلة، ولكنها نقلت لاحقاً عن والدتها كيف كان الأطفال يتمسكون بأهاليهم بشدة؛
خوفاً من الظلام والبرد القارس. 

توفي 3 أطفال في تلك
الرحلة، ليصل 108 ناجين فقط إلى مدينة Mobile في
ألاباما.

تم بيع معظم العبيد
القادمين إلى مزارع محلية، ولكن بعد 5 سنوات من وصولهم، أنهت الحرب الأهلية
الأمريكية عبوديتهم.

ربما كانوا من المحظوظين،
إذ لم تستمر عبوديتهم أكثر من ذلك، لكن الرحلة الشاقة كانت على وشك أن تبدأ.

التأم عديد من الأفارقة
في مجتمعات صغيرة داخل المدن التي كانوا يعملون فيها، وأُنشئ ما يسمى Africatown، أو البلدة الإفريقية.

ما زال أحفاد هؤلاء أحياء
يُرزقون حتى يومنا هذا، وتبين أن مصير 25 شخصاً كانوا على متن كوتيلدا تم بيعهم
إلى ولاية ألاباما في العام 1860.

وقتها تم بيع ماتيلدا ووالدتها غريسي وشقيقتها سالي ابنة الـ10 أعوام إلى طبيب يملك أراضي زراعية وممثل عن الولاية يدعى واكر كريغ. بيعت شقيقتان لها إلى شخص آخر ولم يُعرف عنهما شيء.

وفق ما قاله حفيدها جوني
ماكرير (83 عاماً) للمجلة، فإن أولى ذكريات ماتيلدا أنها كانت ثائرة منذ نعومة
أظفارها، إذ تذكر أنها هربت مع شقيقتها من المزرعة، لتختبئا في مستنقع صغير عدة
ساعات قبل أن تعثر عليهما كلاب المزرعة.

في عام 1865، تبنت
العائلة اسم كريغير اسماً لشهرتها، في ذلك العام كان يقطن بلدة أثنيا التي استقروا
فيها 300 مالك أراضٍ بيض البشرة وأكثر من 3 آلاف عامل من ذوي البشرة السوداء.

تعلمت ماتيلدا اللغة
الإنجليزية، وأصبحت المترجم اليومي لوالدتها وزوجها.

لم تطُل فترة براءة
ماتيلدا، إذ أنجبت في عمر الـ14 ابنة سمَّتها أليزا من أب أبيض البشرة. قد تكون
العبودية أُنهيت على الأوراق وفي نصوص القوانين، لكن ذلك لم يمنع بعض الأمريكيين
البيض من اغتصاب الفتيات والنساء الإفريقيات.

لا يُعرف حتى الآن من هو
والد ابنتها الأولى، ولا حتى ابنتيها اللاحقتين، واللتين وُلدتا أيضاً لأب أبيض
البشرة.

لاحقاً توفيت والدتها
غريسي عام 1879، وتشير الوثائق إلى أن عمرها التقديري كان 60 عاماً، إلا أنها كانت
في أواخر الأربعينيات، لكن المعاناة التي شهدتها تلك الأم أسرعت من الهرم والمرض،
وفق ما قاله حفيد ماتيلدا.

بعدما أصبحت ماتيلدا
وحيدة في الحياة، انتقلت إلى بلدة أخرى في ألاباما إثر إعصار دمر المدينة التي
كانت تعيش فيها.

هناك تعرفت على رجل مهاجر
من ألمانيا يعمل في الكتب ويدعى جايكوب شولر، كان يجسد كل ما كان يخاف منه
الأفارقة، شرطي ونائب العمدة.

أنجبت ماتيلدا من شولر 7
أولاد على مدى 17 عاماً، ويبدو أنه أخفى علاقته بماتيلدا عن سائر سكان البلدة.

ولم تؤكد ماتيلدا أنه
تزوجها أصلاً، بل ضحكت عندما سألها أحدهم يوماً عن شرعية علاقته بها.

حافظ أولاد ماتيلدا على
علاقاتهم الاجتماعية ببعض، وفي مطلع القرن العشرين، تمكنت ماتيلدا من استئجار
مزرعة.

ساعدها أولادها في العمل
بالمزرعة، إلى أن تعرض القطن لآفة ضربت المحاصيل، فانتقل أولادها إلى عدة مدن.

في عام 1931، أخبر حفيد
ماتيلدا جدته بأنه حصل على تعويض نتيجة خدمته في الحرب العالمية الأولى، وعندها
قررت ماتيلدا أن تسير 27 كيلومتراً على الأقدام إلى مدينة Selma أو
سلمى، في عمر الـ73.

في تقرير بالصحيفة
المحلية آنذاك، قالت ماتيلدا: “أعتقد أن سرقتي من بيتي في إفريقيا وأنا طفلة،
تستحق تعويضاً من الدولة”.

وعندما سُئلت عن الدليل،
كانت الندوب على وجهها صارخة وبيّنة.

وعندما رفض القاضي طلبها،
حافظت ماتيلدا على رباطة جأشها وقالت: “لست بحاجة لأكثر مما أملك”،
لكنها أرادت بمسيرتها أن تسجل موقفاً جريئاً يتجانس مع روحها الثائرة التي ورّثتها
الأحفاد.

عام 1937، انتقت ماتيلدا
إلى مدينة Selma مع حفيدتها إيما، وفي 1
يناير/كانون الثاني من عام 1940، تعرضت لنوبة قلبية، وكما في حياتها قاومت في
مماتها حتى 13 يناير/كانون الثاني، حين توفيت أخيراً.

ماتيلدا لم تكن الضحية
الوحيدة، ولكن قصتها تروي مئات الآلاف من القصص عن الأمهات من أصول إفريقية،
اللواتي عانين كثيراً كي يعيش أولادهن وأحفادهن بِحرية وكبرياء.

هي قصة إفريقية أمريكية
بامتياز، كتبت سطورها الروح الثائرة والروابط العائلية والتصميم والنضال من أجل
الحرية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى