آخر الأخباركتاب وادباء

بيت الأميرة شهرزاد (البيت الحنون)

#من ذاكرة اسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس / محمود صقر

05/04/2021
بيت الأميرة “شهرزاد راتب” الذي يحمل رقم 33 شارع باب الكراستة، يقع على تقاطع (ناصية أو “إِمَّة” باللهجة الإسكندراني) شارع باب الكراستة مع شارع الجزائر (إنسطاسي سابقا)، والأميرة “شهرزاد” مالكة البيت هي الأميرة “شهرزاد راتب” ابنة “إسماعيل باشا راتب” ووالدتها الأميرة “أمينة بهروز”، وسوق راتب بالمنشية اتخذ اسمه من اسم “أبو بكر راتب” والد “إسماعيل”، عاشت الأميرة “شهرزاد” في إسكندرية، وتوفيت في حادث تصادم طائرة في روما عام 1947 .
باب المدخل من شارع باب الكراستة باب خشبي ضخم دقيق الصنعة من ضلفتين يعلوه قوس، والدخول منه يفضي إلى ممر عريض يؤدي إلى حوش مربع فسيح مكشوف تطل عليه شبابيك ثلاث شقق من كل طابق من ضمن خمس شقق في الطابق الواحد، أو في (الكات) الواحد باللهجة الإسكندراني، وهي كلمة تركية (kat)، في نهاية الممر وبداية الحوش يوجد سلم على يمين المدخل يؤدي إلى إحدى كتلتي البناء المكون من ثلاثة طوابق فوق الدور الأرضي وغرف السطح، وبهذه الكتلة شقتان في الدور، وعلى يسار المدخل سلم ثانٍ يؤدي إلى الكتلة الكبرى – التي نسكن فيها- والتي تتكون من ثلاث شقق في الطابق، وفراغ السلم كبير مساحته نحو خمسة وثلاثين مترا مربعا، ويعلوه فتحة سماوية (شخشيخة) مغطاة بالزجاج بحيث ينفذ منها الضوء وتحمي من الغبار والمطر، والسلم من الرخام المرمر الأبيض يحيطه درابزين من الحديد المشغول تعلوه كوبستة من الخشب المشغول.
هذا الفراغ الداخلي للسلم الذي تطل عليه أبواب الشقق كان ملتقى السمر واللعب لأبناء البيت من الجنسين على مختلف أعمارهم، وعلى بسطة السلم كانت جلسات لعب الكوتشينة والشطرنج والطاولة، في حين كان الحوش مكان لعب الكرة والسيجة.
كانت بيوت حي اللبان في عمومها مبنية بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ لأن هذا الحي العريق تم تدمير أجزاء كبيرة منه بالقصف المدفعي من البوارج البريطانية في أثناء ضرب إسكندرية عام 1882 والذي بدأ منه الاحتلال البريطاني لمصر؛ حيث انطلقت شرارته في الأصل من حي اللبان حيث تشاجر أحد المالطيين المقيمين في إسكندرية مع عربجي مصري وقام بطعنه حتى الموت، وعلى إثرها انطلقت معركة بين أهالي الحي وأفراد الجاليات الأجنبية الذين انحازوا للقاتل المالطي، فاتخذ الإنجليز هذه الحادثة الأهلية ذريعة للتدخل واحتلال مصر والقضاء على الثورة العرابية.
ويظل مبنى المحكمة في بداية شارع السبع بنات جهة المنشية شاهدا بتاريخ بنائه عام 1886 الذي ما زال محفورا على واجهته دليلا على تاريخ معظم أبنية الحي.
كانت تلك البنايات مبنية من الحجر والخشب، الجدران من الحجر الأبيض ويصل سمك الجدار إلى ستين سنتيمترا أو أكثر، والأسقف من عروق الخشب يعلوها ألواح من الخشب تشكل أرضية الغرف، والسقف من ألواح خشب رقيق يغطى خلفه منظر عروق الخشب ويتم دهانه من نفس دهان جدران البيت.
وفي نهاية السبعينات غزت أسراب النمل الأبيض مدينة الإسكندرية وكان لحي اللبان منها النصيب الأكبر حيث تتركز في المنطقة وما يجاورها في مينا البصل والمنشية تجارة الأخشاب، بخلاف استيراد وتصدير الخشب من باب الجمرك، كانت أسراب النمل الأبيض تبدأ بالظهور في الأفق بجناحين طائرتين ثم تخلع عنها الجناحين وتتحول لنمل يتغذى على الخشب، وقد كان لهذه الحشرة أبلغ الضرر بمباني الحي، وبدأت كثير من الشقق باستبدال الأرضيات الخشبية بأرضيات من السيراميك والبلاط، كما تم استبدال دهانات الحوائط التي كان دهانها بالجير إلى دهانات بالزيت.


كان للطفل ذكريات غريبة جدا مع دهانات الجير، وكانت هي المادة السائدة في دهان الحوائط الداخلية للبيوت القديمة، ومع الزمن كانت تتساقط بعض أجزاء الجير من الحوائط، وتتسلل بقع الرطوبة إلى أجزاء منها، ومع انعكاس الأنوار الخافتة سواء في الليل أم مع بداية شروق الشمس، وتسلل أشعتها بين الأضلع الخشبية التي يتشكل منها الشيش، تتشكل على الحائط في نظر الطفل أشكال غريبة، ومن تحت اللحاف يصوب الطفل بصره نحو الحائط ويهيم في عالم غريب من الأوهام والخيالات، عالم تشكيلي في لوحة سريالية تبدو عبثية من خطوط وبقع وألوان لا رابط بينها، لكنها تخطف بصر الطفل وتتحول في خياله إلى أشكال عجيبة غريبة تتغير وتتبدل مع تكرار النظر والتأمل، أحيانا تظهر على صورة وجوه حسنة فتعلو الابتسامة وجه الطفل، وأحيانا تظهر على هيئة صور مرعبة فيسحب الطفل الغطاء إلى فوق رأسه،ويتكور تحت الغطاء ضاما ساقيه إلى صدره دافنا رأسه بين ركبتيه، وأحيانا يرى فيها صورة روميو وجوليت المنقوشة على تنجيد مقاعد الصالون المذهبة، وأحيانا يرى صورة الطفل الباكي المرسومة على التقويم المعلق على الحائط والتي  انتشرت في كل بيت ودكان.

كان الطفل يتهم نفسه بالجنون والجنوح، وبرغم ما أباحه من أسراره الخاصة لأصدقائه، فإنه ظل يخفي سر أوهام الحائط بين جوانحه خشية اتهامه بالجنون، يكفي أن أصدقاءه وعجائز جيرانه يتهمونه دائما بأنه “طيب”!، فكان يرى أن ملامحه البريئة وخياله الجامح جزء من مشكلات تواصله مع البشر؛ فلماذا يضيف على نفسه عبء الاتهام بالجنون والجنوح؟
وحين امتلك جرأة البوح بسره بعد عشرات السنين، وجد كثيرا من أبناء جيله الذين أدركوا زمان ما قبل التليفزيون يشاركونه مروياتهم؛ فمنهم من رأى تلك الخيالات في الحوائط ومنهم من رآها في تشكيلات السحب في السماء أو أشكال على رمال البحر أو طين الحقول أو لحاء الأشجار.
وكما يمحو الموج قصور الرمال التي كنا نبنيها على شاطئ “الأنفوشي”، محت الأصباغ الحديثة خيالات الحوائط، ومحت الأضواء الاصطناعية الساطعة نجوم السماء، ومحت أبراج البنيان العالية فضاء النظر إلى السماء، ومحى تعاقب الليل والنهار تلك الخيالات من سطوح الذاكرة، ولكنها ظلت في الأعماق تنتظر لحظات الغوص في قاع الذاكرة لتنجلي سحب الزمان، وتظهر نجوم الذكريات المختبئة خلف غيوم السنين.
سميته “البيت الحنون”؛ لأن تصميمه كان فريدا، فقد تم تصميمه ليوفر بيئة داخلية دافئة تحتوي سكانه بعدد شققه البالغ ثماني عشرة شقة، وتشكلت البيئة الداخلية من حوش مكشوف وسط البناء، وفراغ السلم الكبير المسقوف بالزجاج، وهذا التصميم هو تطوير عصري للبيت العربي القديم المعروف بالبيت الدمشقي الذي يعتمد على الحوش الداخلي، والذي ما زال معروفا في دمشق وله أمثلة مشابهة في بعض البلاد العربية وبقايا بيوت العرب في قرطبة، وقد اقتبسه بعض الغربيين وطوروه، وقد وجدت نفس التصميم لبيت الأميرة شهرزاد في بعض بيوت العاصمة الإيطالية “روما” في الشوارع المتفرعة من شارع “كورسو”، ولا أستبعد أن يكون مصمم بيت الأميرة شهرزاد معماريا إيطاليا، وهم قد تركوا بصمتهم المعمارية على بيوت إسكندرية.
كان هذا جزءا من حكاية البيت الحنون، بدأته بالحديث عن فرادة التصميم الذي كان بمثابة الحضن الذي يضم ثماني عشرة أسرة، وحكاية الحجر الحنون الذي كان يحتوينا بجدرانه وسقفه، وسيتلوها إن شاء الله حديث يطول يمتزج فيه حنان الحجر بحنان وجمال البشر داخل هذا البيت الحنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى