كتاب وادباء

بقيةُ موتٍ يحيا

بقيةُ موتٍ يحيا

بقلم الأديب الكاتب

 أحمد الحارون

أحمد الحارون
………..
ما أعجبَ الدنياحين تجملُ شيخاً بظرفٍ كظرفِ الأطفال!فقد سكبَ اللهُ في قلبِ أبي معاني الرِّقةِ والحنانِ سكباً لا مثيل له، حتى شعرنا جميعاً أنه أصغرنا، وقد رأيتُ أبي من الذين أنعم اللهُ عليهم بأن جعل لهمأبناءَ قرَّتْ بهم عينه، وتلك من حقائق السعادة الكبرى في حياة الرجل، فلم يشعر أبي في حياته قط بأنه غنيٌّ إلا بنا، ولم يعاني فقراً في عِزِّ فقرهِ ونحن حوله، وكانيردد أبنائي ــ عزوتي تركتي  ميراثي ــ  فيعظم ُالفرحُ في نفسهِ ونفوسنا فيكبر وإنْ بدا ضئيلاً، ويتضاعفُ لديه الأملُ ولدينا وإن كان بعيد المنال، فكنا منه نستدينُ الإرادةَ ويستمدها منا في أغلب الأحايين، ومعه يصغرُ الهمُّ ويتلاشى، ويتضاءلُ الفقرُ حين نتقاسمه فيبدو تافهاً نهزأُ به، وكانت حياتنا في جواره تمثلُ كل القوةوالأمان، فعاد موته يمثلُ لنا الضعفُ والحرمان، وكنا نتحسسُ أدرانَ الحياةِ وهويهزأُ بها بنصفِ ابتسامةٍ ساخرةٍ، فنراها مخففةً أو كأنها دعابة أو لا هموم، فعادتْ هموم الدنيا بدونه ثقيلة مضاعفة لا طاقةَ لنا بها، وكنتُ ألمحُ في جواره كوةً مننور الجنةِ يفيضُ علينا صباح مساء،فحرمنا موتُهُ إياها.
قبل وفاته بأسبوعين تركغرفته التي كانت مأواه طيلة حياته قائلاً:دعني أموت عندك لتلقنني شهادةً ألقى بها ربي، فلم نأخذ كلامه بمحمل الجدِّ، لكن بسرعة البرق أنفذناه، وهيأتُ له غرفته بجواري، ومنحني الله القدرة على القيام بشئونه، وشعرتُ أن الحياةَ في جوار وطاعة الأبِ يكسوها عبق وأريج الجنان، لكنه صار على غير عادته، طلباته تقلُّ يوماً بعد يومٍ، وكأنه قد فرغ من الدنيا وارتدى ثوباً من أسرارالموت وهيبته، فرغت عنده معظم الدنيا من معانيها، وبدا الجسم يتخلى عن مكانه للروح تظهر وتأبي نوماً، وكأنه أراد أن يملأ ُعينه من كلِّ أحبابه، أو يقول في صمتٍ وبلا آهٍ وداعاً.
فقد عاش أبي بقلوبنا لا قلبه، وبحناننا لا حنانه، وبحبنا الذي غرس نبتته بيده، وحين اقترب أبي من ساعات احتضاره … شعرتُ أنه يطرقُ برفق بابَ آخرته، يريد أن ينسلَّ من بيننا خفيفاً ليناً، وحين أسمعُ الآذانَ أقول له: أتريد الصلاةَ في المسجد يا أبي؟ يهزُّ رأسه ويطبقُ جفونه موافقاً، لكن هيهات هيهات، فقد خارت القوى، وصرنا حوله كمن يمسكُ بظلٍّ يتحرك ليمنعه ألا يذهب، وأنى لنا هذا؟
فما أعظم الفارق! وشتان شتان، فلو أنكل َّكتبِ الدنيا التي تتحدث عن الموت قد أفرغتها في عقلي…. ما كادت لتترك أثراًواحداً من ألوف المعاني التي علمنيه احتضار أبي، فحين يموت الأبُ الحنون بين يديابن يجتهدُ أن يكون باراً …. هنا وهنا فقط، يحفرُ الموت أخاديد في النفس لا تمحوهاالسنون، آهٍ حين يغطى الوجه في سويعاتٍ قليلة آلام عمر كاملٍ ليشهدَ هيبة الموتوجلاله، وآهٍ حينَ تحين ساعة ما لا يُفهم، ساعة اللاشيء عند من يحيا، وساعة كل شيء عند من يودع الحياة، فحين تحين ساعة الرحيل يتوقف الزمن .. يتلاشى.. يذوب، يموت كل كذبالدنيا وزينتها داخلك، حين تُخْتزلُ سنوات أعمارنا في كلمة واحدة هي ــأعمالنا ــ .
انقطعت الدنيا لديَّ من جلِّ معانيها وشعرتُ بثقل ما ألقى أبي على كاهليأنْ ألقنه الشهادة، فكان يردد بصوتٍ خفي منقطع لا يكاد يُبينُ، يا رب..وتضمُّ شفتاه الحرفين كمن يعانقهما عناقاً، فليرحمك الله يا أبي، ويا لحرقة دمعة الموت ولسعتها لمن يشاهدها، كانت دمعته تناجينا قائلة:لا تبكوا..لا تحزنوا، مشفقٌ علينا حين موته نفس إشفاقه علينا في حياته، زفرات الرحيل علتْ ابتسامته التي رسمها علىوجهه طيلة حياته، آهٍ حين يتكلم المحتضرُ بعجزه عن الكلام، سلمت علينا دمعته وشهقته الأخيرة مودعة في صمت وهدوء، وحين سكن الحيُّ الذي كان في أبي تحرك في داخلي كلُّ تاريخه وقت كان يضيقُ على نفسه ليوسعَ لنا، وحين كان يخلعُ الثوب ويتقي البردبجلده لتدفئتنا به جميعاً، امتد لسانُ الموتِ وكبر، وحقرت الدنيا وقلَّتْ، وتحاقرتالحياةُ وتجمعت في حفرة واحدة هي قبر أبي.
لقد خُيلَ إلىَّ ملك الموت في غرفتيوأنا أمسك بأنامل أبي أتحسسُ حرارتها، يا إلهي كأنني أنا الذي أموتُ، تنظر عيني فيفضاءات الغرفة ،أحسُّ أن أبي يملاُ الجو من حولي، جعل موته أعضائي مختلةً أو فقدتتوازنها مما ألم  بي من الحزن والوجد، صارت أفكاري تنحدر من رأسي إلى حلقي، ولايفرجُ عني إلا عبراتٌ تُسكبُ سكباً، كان جميع من حولي في عالم الدنيا، وكنت معأبي في عالم الموتى، الناس من حولي يمشون لينتهوا إلى القبر، وأنا امشي لأبدأَ جديدعهدي بمصيبة فقد أبي في دنيا من الحب والخوف والقلق، ولى عقل جديد لم أعهده.
آهٍ من هذا المكان الذي تأتيه كل العيون بعبراتها، وتمشي إليه النفوسُ ثقيلةبأحزانها وهمومها، وتحضر فيه القلوبُ إلى بعضها أو بقاياها، فالحب الغائبُ في جوف القبور لا يتغير عليه الزمان ولا المكان في قلب من يحبه، فحين تمتزجُ الروح بالروح تترك فيها من الأشياء التي لا تُمْحى، لأن الروح خالدة لا تُمْحى.
وبدا ليَّ القبرُ كغير عادته، وبغير ما كنت أعهده، فكنت أرجوه داعيا الله أن يحنو على أبي ويرفق به ويتسع له، ورأيتُ القبرَ في داخله يشرحُ ويُفسرُّ جلياً كلمة الموت، وارتفع صوتُ القبر معلسان أبي الساكن بلا حراك في جوفه، وتداخلت الأصوات في رأسي وكلاهمايقول:أسرعوا واصرفوا الحياة كلها في الخير فإنها لا تكفي، أصلحوا من شأنكم مافسد وأسقطوا من أيامكم الشر والضعف والخيلاء والأنا، أميتوا في نفوسكم شهواتها وأدرانها، فليس فيالدنيا أعظم موعظة من الموت،وحين عدتُ أدراجي متخاذلاً للبيتِ شعرتُ أنه قد تغير حاله وتبدل مآله، فقد طالته هو الآخر أنياب الموت، ونشب فيه بأظافره، وقد كانت غرفة أبي هي الأخرى تنتحب، سلمتُ على أمي، نظرت إليها وقلتُ لها:إنك بقيةُ موتٍ يحيا.
………………………

 

تعليق واحد

  1. سرنى أن أقرا للكاتب االرقيق الذى يتميز باسلوب دافىء أضفى عليه جو القرية واصالتها هالة رقيقة من الوجدان وزينه بالعاطفة لكل شيىء يتصل به كانها جزء منه لا يستطيع التفريط فيه .
    نعم كلنا كذلك ولا نملك إلا أن نقول اجره الله فى مصيبته ويبقى دائما رشفة حنان من ذكريات سعيدة ألقن ظلالها على المشهد وبقى الود بين الراحل العزيز وبين مشيعيه الى مثواه الأخير وتظل الدنيا فراغ يخبو معها ذكراه شيئا فشيئا فلا نتذكر فى خضم الحياة إلا صورا باهتة مغموسة بالمرارة لكنها شديدة الصلة بنا وهكذا تدور الحياة لنودع عزيزا ونجد من يودعنا كاعزاء عليه والموت نعمة من الله لا يدرك مقداره إلا من طالت به السنون فالذى رق عظمه وذبل جسده وجار البلى على عقله فإنه ينظر إلى الدنيا نظرة من يود الفراق ليتحرر من الثوب البالى الذى إلتحفت به الروح وهى تريد أن تنطلق الى عالم اللامتناهى وتسبح فى فضاء الله الواسع دون ما قيود او خوف ولذلك يقولون يظل ابن آدم سجينا لا يتحرر إلا بموته ويتظر إلى عالم الكون فيرى بدون حدود لقد إنطلق من سجنه الذى كان فيه وكل شيىء يراه فبصره اليوم حديد ويفكر فكرمن كان نائما فيستيقظ ولذلك يقولون يظل ابن آدم نائما حتى اذا مات استيقظ ز ولا يعرف هذا إلا من عرف خصائص الروح إنها شيىء لطيف لا يتلاشى لكنها تحجب عن الابصار وتنظر من عل و لا يمكن أن يكون بعدها إلا السموات العلى وهى فى عالم البرزخ جمال يضفى عليه الكون سحرا ويغلفه بالرقة فتاخذ الروح مكانها فى عالم الأبرار اوعالم الفجار ويجد الصحبة ممن سبقوه فيلتقى بأحباب غابوا عنه فى دنياه كما غاب هو عن احبابه عتد إنتقاله إلى عالم البرزخ والخلود ولكنه ينظر إلى أحبابه الذين فارقهم ويدعوا لهم قائلا اللهم يامالك الأمركله عجل بهم إلىَّ فيقولون له هل إشتقت لهم فيقول لهم لا فإنى أراهم امامى ولكن من شدة حبى لهم أود ان يعيشوا فى هذا النعيم الذى أتا فيه فلا هم ولا نكد ولا مرض ولا مشاكل إنى انظر اليهم فأرسى لحالهم فيقولون له هكذا وأنت فى البرزخ فما بال الجنة فيقول آه ………. أة يالشدة شوقى إليها فهل سيطول بى الشوق يقولون له الله اعلم فبيده الأمر كله آه لوكنت شهيدا لكنت الآن فى مكانك فى الجنة فيقول واحسرتاه ياليتنى مت شهيدا أما من سبيل للعودة فاحارب وأقتِل فيقولوت له هكذا قضى ربك أن لا عودة إلى مزبلة ومع ذلك تنازعتم عليها واديتم فيها ايام إمتحاناتكم ودونوا لكم درجاتكم فإما على درجة المحسنين أو على درجة المسيئين فاقنع بما آتاك الله من فضله وعظيم كرمه وقل الحمد لله أنك توفيتتى وأنت راض عنى الحمد لله إنى من المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى