تقارير وملفات إضافية

بعد انقلاب عمران خان عليهم.. هل تتحرر باكستان من سطوة تجار السكر لتسقط في قبضة العسكر؟

كان إعلان عمران خان الحرب على بارونات السكر الباكستانيين عملاً جريئاً من بطل العالم في الاسكواش السابق، ولكن قد يكون غير محسوب العواقب.

إذ إن بارونات السكر الباكستانيين هم الذين أوصلو خان إلى الحكم، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Financial Times البريطانية.

فحين انتُخِب عمران خان رئيساً لوزراء باكستان في يوليو/تموز عام 2018، كلّف كبير مُستشاريه جهانكير تارين بتجنيد أعضاء البرلمان المستقلين من أجل دعمه بعد فشله في الفوز بأغلبيةٍ صريحة.

تارين الذي أعلن عليه خان الحرب يعد بمثابة ملك السكر غير المتوج وزعيم بارونات السكر الباكستانيين.

فلكي يوصل عمران للحكم اجتاز بارون السكر باكستان داخل طائرته الخاصة ليصطاد الساسة واحداً تلو الآخر، ويخرج بابتسامة نصر إبان ترحيبه بهم إلى الحزب بجانب خان. 

#FallOfNoonInLodhran When its about trusting a leader, Lodhran has no option except Jahangir Khan Tareen.. pic.twitter.com/mpLA3qIkqv

وخُلّدت مهمته في جلب الدعم لعمران خان في الميمات الساخرة، التي صورته وهو يخرج من سيارته الرياضية الفاخرة ليصطاد المُرشّحين ويُجنّدهم بنجاح.

وسلّط تشكيل الأغلبية البرلمانية لحزب حركة الإنصاف الضوء بشكلٍ مثالي على الدور الذي لا غنى عنه لبارونات السكر الباكستانيين في الحكومة، الذين يُهيمنون على سياسات البلاد إلى جانب الجيش والجماعات الإسلامية. 

في غياب نظام تبرعات عامة منظم لتمويل الحملات، يُموّل البارونات كافة أحزاب باكستان ويشغلون مقاعد في البرلمان، ناهيك عن منصب رئيس الوزراء في حالة نواز شريف.

لكن تلك العلاقة المُقرّبة انقلبت في أبريل/نيسان، حين نشر خان النتائج الأولية للتحقيق في ارتفاع سعر السلعة بنسبة 20% خلال العام الماضي، وهو ما أثار انتقادات شديدة لصناعة السكر.

والحسابات واضحةٌ هنا، إذ تعرّض خان لضغوط شديدة من الجيش، ما قوّض سلطته خلال أزمة فيروس كورونا مع تعدّي المؤسسة العسكرية على حكومته المدنية. وفي محاولةٍ لإعادة تثبيت مكانته السياسية أمام الشعب قرّر الدخول في معركةٍ مع بارونات السكر.

وزعم التحقيق أنّ تارين تواطأ مع غيره من المُقرّبين للحزب الحاكم من أجل التأثير على السياسة التي سمحت لهم بمواصلة تصدير السكر رغم انخفاض المخزونات، والاستفادة من دعم الصادرات بقيمة 15 مليون دولار. ومن ثم تربّحوا من الارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة نقص السكر على أرض الوطن، بحسب تقرير مبدئي حول مكافحة الفساد.

ومن المنتظر أن يصدر التقرير النهائي -الذي سيُمهّد الطريق أمام توجيه الاتهامات الجنائية- في وقتٍ لاحق من شهر مايو/أيار.

وقرّر خان إقالة تارين من منصبه في رئاسة فريق العمل المعني بالزراعة، وأعاد تشكيل حكومته ليُعلن أنّه “ليست هناك جماعة ضغط قوية قادرة على التربُّح على حساب الجمهور”.

وبعزل تارين، يأمل خان في إخماد الاضطرابات داخل حزبه مُتعدّد الفصائل وصقل أوراق اعتماده المُناهضة للفساد في خِضَم سعيه لبناء “باكستان الجديدة”، وذلك بعد انتقاده لفشله في التصرّف بحزم من أجل مواجهة أزمة ميزان المدفوعات وسوء إدارة الاستجابة لجائحة كوفيد-19.

ولكن في حال أتت مناورة خان بنتائج عكسية، فسوف يكون قد استعدى متبرعاً حاسماً يحظى بقدرٍ كبير من النفوذ على مركز السلطة في بنجاب. وبدون ذلك الدعم سيكون خان عرضةً لخطر جماعات المعارضة والجيش القوي، الذي دفعه جانباً للسيطرة على تفشي فيروس كورونا في البلاد.

وفي حال فشل خان، فإنّ أسوأ السيناريوهات سيتمثّل في عودة باكستان النووية إلى الحكم العسكري في ضربةٍ قوية لديمقراطية البلاد الهشة. كما يُحذّر الخبراء من أنّ عدم الاستقرار السياسي والدمار الاقتصادي في باكستان -الدولة التي تضُم 200 مليون نسمة في مزيجٍ مُتقلّب من التشدّد الإسلامي والفقر المدقع- يُمثّلان خطراً كبيراً على المصالح الأمنية الغربية في المنطقة.

لكن تارين لن يسقط دون قتال؛ إذ خرج خلال الـ48 ساعة الأولى بعد صدور التقرير ليُنكر ارتكابه أيّ خطأ، وهدّد بفضح أسرار الانتخابات حول كيفية تجنيده لمُرشّحي بنجاب الفائزين.

السكر هو شريان حياة السياسة الباكستانية، حيث ترتبط الكثير من مصانع السكر الـ80 في باكستان بالعائلات السياسية التي تتمتّع بنفوذٍ قوي على الناخبين الريفيين، الضروريين من أجل الفوز بالانتخابات.

واليوم يترشّح البارونات للمناصب السياسية مباشرةً أو يُموّلون الحملات السياسية في مقابل الامتيازات التي تشمل دعم الشحن في تصدير السكر، وهي منظومة تأتي في قلب تقرير الفساد، وتعرّضت للانتقادات لأنّها تُفيد أغنى عائلات البلاد.

وقال حسين حقاني، السفير الباكستاني الأسبق إلى الولايات المتحدة والزميل البارز حالياً في مؤسسة Hudson Institute بواشنطن: “عمران خان هو نتاج الزواج السياسي بين الجيش وبين بارونات السكر. إذ يُمثّل بارونات السكر جزءاً لا يتجزّأ من الفساد المُتجذّر في أعماق باكستان، إلى جانب الجيش”.

ومع تصاعُد الغضب الشعبي حول أسعار السكر باهظة الثمن، يقول المُحلّلون إنّ خان كان مضطراً للتصرّف. إذ صارت العلاقة بتارين تُمثّل عبئاً بالنسبة لسياسي مثل خان رسّخ صورته في الأذهان بوصفه شخصيةً من خارج المنظومة، ووعد بتطهير باكستان من الكسب غير المشروع المستوطن في البلاد وإنهاء عهد النخب الفاسدة.

“ربما ينجح عمران في احتواء جماعات ضغط السكر في الوقت الحالي بتحركاته الأخيرة، ولكن ذلك لن يستمر للأبد. ويجب أن يتحمّلوا مسؤولية أفعالهم”، حسبما قال محمود دوراني، اللواء المتقاعد ومستشار الأمن القومي السابق:

لكن خان لم يُقرّر إقالة أي عضو في الحكومة له علاقة بالمستفيدين من ارتفاع أسعار السكر حتى الآن، وهو ما يُسلّط الضوء على قيود حربه على الفساد.

على غرار أجزاء أخرى من العالم، بدأت باكستان في الخروج تدريجياً من حالة إغلاق فيروس كورونا، مع إعادة فتح البرلمان وبعض قطاعات الاقتصاد الأسبوع الماضي؛ إذ أصاب الفيروس نحو 42 ألف شخص وقتل نحو 900 داخل باكستان، بحسب جامعة جونز هوبكنز، لكن الخبراء حذّروا من أنّ قلة إجراء الاختبارات ربما تُخفي الحجم الحقيقي للأزمة.

لكن التأثير الاقتصادي كان خطيراً؛ إذ يتوقّع البنك المركزي الباكستاني تقلُّص إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1.5% في عام 2020 بعد زيادته بنسبة 3.3% العام الماضي.

وقبل الجائحة، كانت إسلام آباد تُكافح من أجل تنفيذ برنامج الستة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وهو برنامجها الـ13 من الثمانينيات. وكانت الحكومة ترفض فرض ضرائب وتعريفات كهرباء إضافية على الشعب الذي يُعاني بالفعل من زيادة تضخُّم سعر المستهلك، التي بلغت 14% في يناير/كانون الثاني.

لكن الجائحة غيّرت ذلك السيناريو تماماً. إذ جرى تعليق البرنامج ووافق صندوق النقد الدولي على منح باكستان قرضاً منفصلاً بقيمة 1.4 مليار دولار وبدون فوائد، لمساعدتها في مواجهة الآثار الاقتصادية. كما تقدّمت باكستان بطلبٍ من أجل إعادة جدولة دين الـ1.8 مليار دولار بموجب مبادرة من مجموعة العشرين. وفي الوقت ذاته، خفض مصرف دولة باكستان سعر الفائدة من 13.25% إلى 8% في أربعة قرارت تخفيض مُتتالية.

إذ قال وليد سايغول، الرئيس التنفيذي لشركة Maple Leaf Capital الاستثمارية: “من المفارقات أنّ دخول فيروس كورونا البلاد منح باكستان فسحةً للتنفّس. كانت الشركات تُعاني بسبب ارتفاع سعر الفائدة، كما فرض برنامج صندوق النقد الدولي قبضةً مُحكمة على الاقتصاد. لكن كل ذلك خفّف الآن”.

من شأن ما سبق أن يمنح خان وقتاً لإعادة التركيز على أزمة فيروس كورونا، وإعادة تأهيل علاقته المتوتّرة مع المؤسسة، وهو الاسم الحركي للجيش داخل باكستان، التي دعمت ترشّحه للمنصب بعد اصطدامها بحكومة شريف.

وطيلة عقود، قاد خان حملاته الانتخابية تحت وعود بإنهاء عهد السلالات السياسية وجنرالات الأربع نجوم. وباستخدام الخطاب المُسكر الذي يتسم به الزعماء الشعبويون، وصل خان للحكم عبر خطاب مناهض للنظامٍ الذي خيّب آمال الباكستانيين العاديين وشهد تراجع البلاد أكثر وراء عدوها اللدود الهند، بالتزامن مع اهتزاز الاقتصاد وشنِّ الإسلاميين الراديكاليين هجمات دامية.

ولم يكتفِ خان بالحفاظ على الوضع الراهن في عهده؛ إذ يقول بعض المحللين إنّ الجيش بات أكثر انخراطاً في السياسة الآن أكثر من أيّ وقت مضى، منذ نهاية ديكتاتورية برويز مشرف عام 2008.

وقال حسن جاويد، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة لاهور: “يُمكنك وصف الأمر بالانقلاب الزاحف. إذ يُمارس الجيش سلطةً ونفوذاً كبيرين في المجالات المُهمة. وإذا كُنت من المهتمين بترسيخ الديمقراطية في باكستان، فيجب أن تقلق حيال أنّ التدخّلات الأخيرة ربما أخّرت تلك العملية”.

ولن يحدث تغييرٌ في النظام على الأرجح في ظل سير حكومة خان والجيش بنفس الإيقاع، رغم أنّ تغيير النظام يظل احتمالاً دائماً في باكستان، حيث لم يخدم رئيس وزراء فترته كاملةً من قبل.

وفي الوقت الحالي، لا بديل عن حزب حركة الإنصاف؛ إذ إنّ المعارضة متفرّقة في ظل القبض على شريف عام 2018 بتهم فساد، ومواجهة ابنته مريم لتهم غسيل الأموال بسبب معاملات مالية مشبوهة، لكنّ كلاهما أنكر مخالفة القانون.

ولكن في حال بدأ الضغط على الحكومة في الارتفاع من جديد، يُحذّر المحلّلون من أنّ خلاف خان مع تارين قد يُضعِف موقفه في حال احتاج إلى حشد الدعم ضد منافسيه السياسيين والجيش.

إذ قال أسفانديار مير، مُحلّل شؤون جنوب آسيا في جامعة ستانفورد: “دمّر خان تلك العلاقة وهو لا يملك بديلاً لتارين. وسيشعر بذلك حين يُقرّر الجيش قلب الطاولة عليه”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى