بطل قومي أم قاتل للرُّسل؟ طومان باي بين الروايتين المصرية والعثمانية

منذ أن أعلنت شبكة نتفلكس وMBC عن مسلسل «ممالك النار»، أصبح اسم طومان باي يتصدر مؤشرات البحث في العالم العربي على موقع جوجل. وطومان باي الذي يجسد دوره بطل المسلسل خالد النبوي ليس مجرد آخر السلاطين المماليك، بل هو شخصية مثيرة للجدل، يحبُّه المصريون ويعتبرونه بطلاً، رغم أنه لم يكن مصرياً، في حين يرى العثمانيون أنه قاتل استحق القتل. فمن هو طومان باي؟

اسمه الأشرف أبو النصر طومان باي، وتعني كلمة «طومان» عشرة آلاف باللغة التركية القديمة، بينما تعني «باي» أو «بيه» سيّد باللغة التركية أيضاً، أي أن معنى اسم «طومان باي» هو سيّد العشر آلاف.

ينحدر طومان باي من المماليك الشراكسة الذين حكموا مصر والشام لفترات متفاوتة بين عامي 1250 و1517، وكان بطل قصتنا آخر سلاطينهم في مصر، وهو الحاكم المصري الوحيد الذي شنَّق وعلَّق على باب زويلة (أحد أبواب القاهرة القديمة).

في عام 1516، خسر المماليك معركة «مرج دابق» الشهيرة بقيادة السلطان قنصوة الغوري (عمّ طومان باي) في مواجهة العثمانيين الذين سيطروا على كامل الشام واتجهوا إلى مصر. وقبل أن يخرج الغوري عيَّن طومان باي خلفاً له، قُتل الغوري وانتهت المعركة بانتصار السلطان العثماني سليم الأول.

كان الخلاف المذهبي والسياسي على أشدّه بين العثمانيين السنة من ناحية والصفويين الشيعة الذين حكموا مناطق شاسعة في العراق وفارس وجنوب الأناضول وأذربيجان من ناحية أخرى

وأثناء الصراع، كانت هناك محاولة من الدولة الصفوية في إيران لمساندة المماليك، فبحسب كتاب «العلاقة بين القاهرة وطهران.. تنافس أم تعاون؟ للكاتب سعيد الصباغ، فإن الشاه إسماعيل الصفوي بعث إلى برسالة يستحثه فيها على مجابة الخطر العثمانى، وأنه مستعد لمساندته، إلا أن التحالف لم ينجح خاصة بعد مقتل قنصورة الغوري في مرج دابق رغم محاولة الصفويين مساندة طومان باي من بعده.

جمع طومان باي المماليك، وقرر الخروج لمواجهة الجيش العثماني الزاحف إلى القاهرة، وبينما قرر السلطان المملوكي المواجهة، كان المماليك من حوله يتقهقرون ويعيدون حساباتهم في القتال. في هذه الأثناء كان السلطان العثماني سليم الأول يرسل رسالة إلى طومان باي يعرض عليه الاستسلام، مقابل أن يُبقيه حاكماً على مصر وغزة، ومقابل أن يدفع الخراج السنوي لمصر، وحذره من مصير عمّه الغوري.

وحسب كتاب «طومان باي.. آخر سلاطين المماليك» لأسامة حسن، بدا السلطان المملوكي كأنه قبِل العرض؛ فجيش المماليك خسر كثيراً في معركة «مرج دابق»، لكنَّ أتباعه قتلوا الرُّسل والمرسَلين من قِبل السلطان العثماني، فأُجبر على الحرب.

خرج طومان باي إلى منطقة الريدانية – منطقة العباسية حالياً بالقاهرة -، وهناك حفر خندقاً وقرر القتال، وحين علِم العثمانيون بخطته غيَّروا اتجاههم وحاصروا القاهرة، وهناك دارت معركة طاحنة، لم يتمكن المماليك فيها من وقف زحف العثمانيين، خاصة أن كثيراً من المماليك رفضوا الخروج مع طومان باي للدفاع عن القاهرة.

حارب طومان باي ولم ييأس، وبعد يومين من دخول سليم الأول القاهرة بدأ ما يشبه بحرب الشوارع المنظمة لإنهاك القوات العثمانية، فعند ميناء بولاق النيلي باغت العثمانيين بهجوم أحرز فيه انتصاراً كبيراً، خرج كثير من المصريين لمساندته ورأوا فيه مخلصهم.

وفي كل ليلة كانت تخرج فرق من المماليك بقيادة لتغير على القوات العثمانية المتواجدة وسط القاهرة، لكنه أُجبر على التراجع بعدما استخدم العثمانيون البنادق، فلم يكن أمامهم سبل للصمود أمام الرصاص.

وفق ما جاء في كتاب «دراسات في تاريخ العرب في العهد العثماني» لفاضل بيات، انهزم الجيش وهرب طومان باي إلى الإسكندرية في الشمال، وهناك اختبأ لدى واحد من رؤساء القبائل والذي أبدى حسن استقباله، لكنه وشى به في النهاية وأرسل إلى السلطان سليم الأول يخبره بمكان السلطان المملوكي.

أرسل السلطان قوة للقبض عليه، وحين أتت به إليه أبدى له إعجابه بشجاعته، لكنه اتهمه بقتل رُسله الذين أرسلهم للتفاوض معه، حينها شرح طومان باي موقفه، وذكر أنه لم يأمر بقتلهم وإنما كان الأمر قراراً من أعوانه. يقول العثمانيون إن سليم كاد أن يعفو عن السلطان من شدة إعجابه به، لكنه تراجع بعدما أقنعه أتباعه بأن بقاءه على قيد الحياة يقلل من سيطرته على حكم مصر.

فيما رأى المصريون أن السلطان سليم لم يرحم بطلهم، ونكل به وعلق جثمانه لثلاثة أيام على باب زويلة إمعاناً في التنكيل.

وعلى باب زويلة «أحد أبواب القاهرة»، انتهى الفصل الأخير من حكاية المماليك الطويلة، وفي الـ15 من أبريل/نيسان من عام 1517، أُخرج طومان باي من سجنه وسار وسط جنود العثمانيين إلى باب زويلة، وهناك أُقيمت له مشنقة، وأُعدم وسط صراخ أنصاره ومحبيه من المصريين، وأصبحت مصر رسمياً ولاية عثمانية، وظلت جثته معلَّقة 3 ليالٍ، قبل أن يُدفن إلى جوار عمّه السلطان الغوري.

على الرغم من أن طومان باي لم يحكم مصر إلا 3 أشهر و14 يوماً فقط، فإن مكانته في قلوب المصريين كانت كبيرة مصدر، إذ رأوه بطلاً، لأنه أصر على حماية القاهرة، وحارب لمنعها من السقوط في أيدي العثمانيين، أحبَّ المصريون طومان باي الشركسي، وتدرَّس حكايته في كتب التاريخ على أنه بطل، رغم أنه ليس مصرياً.

ومع نظرة الامتنان تلك، فإن العثمانيين رأوا فيه وجهاً آخر، إذ إنه وقف في طريقهم أمام إحكام سيطرتهم على مصر وضمّها إلى أراضي الخلافة العثمانية، بالإضافة إلى أنه قتل رسلهم ونكَّل بهم، لذلك شنقوه وجعلوا منه عبرة ومن قصته نهاية لوجود المماليك على أرض مصر، ولاتزال هناك رواية عثمانية تقول إنه كان ظالماً، وأنا أهالي مصر استنجدوا بالسلطان سليم لتخليصهم من طومان باي.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى