بسبب تفاحة حوصرت طروادة.. قصة تحكيها “الإلياذة والأوديسا” لترسم ملامح الشعر العالمي

الإلياذة والأوديسا اسمان اقترنا ببعضهما على مدار تاريخ الإغريق، كاثنتين من أهم الملاحم الشعرية التي شكلت ثقافتهم لقرون تَلَت.

يعتبرها الإغريق مرجعهم، ويعتبرون شاعرهم “هوميروس” أبا
الشعر الغربي ومؤسسه، إذ سجلت الملحمتان حقباً تاريخية مهمة خاضوها، ودونت تفاصيل
حصار طروادة.

في هذا التقرير نسرد لكم قصة أشهر ملحمتين شعريتين في التاريخ، تعودان إلى القرن التاسع قبل الميلاد، تألفتا من أكثر من 25 ألف بيت، وموزعة على 24 كتاباً.

تبدأ القصة بخدعة يقوم بها الإله زيوس “كبير الآلهة” لدى
الإغريق، وكان لدى الإغريق إله لكل شيء، فتجد إلهاً للحب والحرب، والسلم، والجمال،
والخصوبة. 

وفي عرس جمعهم ألقى زيوس تفاحة مكتوباً عليها “للأجمل”،
لتثير النزاع بين 3 من الحضور، وهم هيرا “زوجة زيوس”، وأثينا “إله
الحرب”، وأفروديت “إله الجمال”.

يقول هوميروس إن غرض زيوس كان إشعال حرب، كان يريد أن ينقص عدد البشر
على الأرض، فقرر الخلاص من بعضهم بالقتال.

وبالفعل، اختصمت النساء، وقرر زيوس الاحتكام لأحد ليفض بينهن النزاع،
فاختار “باريس”، وباريس هو ابن ملك طروادة، الذي يعيش فوق جبال أيدا
حينها “جزيرة كريت جنوب اليونان الآن”، وكان مشهوراً عنه أنه أجمل رجال
الأرض آنذاك، وبالفعل شد الجميع الرحال إليه ليحكم بينهن لمن تكون التفاحة، ومن هي
الأجمل.

كان على النساء أن يقدمن لباريس ما يغريه للحكم لهن، فقدمت كل واحدة
وعداً بما تملكه، هيرا وعدته بالملك العظيم والعظمة الملكية، أثينا وعدته بألا
يخسر حرباً يدخلها، وأفروديت وعدته بأن يتزوج أجمل نساء الأرض، وعليه كان الحكم
لأفروديت التي أقنعه عرضها.

حكم باريس بالتفاحة لأفروديت، وأخذت لقب الأجمل، لكن تلك التفاحة
أشعلت حرباً طال أمدها، لأنه استعدى الإلهتين الأخريين.

وقع الاختيار على “هيلين” للزواج من باريس، وهيلين زوجة
ملك يدعى مينيلاوس، ملك مدينة إسبرطة اليونانية، ويشار إليها في الملحمة أنها كانت
قصة حب أسطورية حدثت بفضل تأثير إله الحب أفروديت.

ويقال عن أفروديت إن تأثيرها كان ساحراً، فهي من أذهبت عقل
“هرقل”، واحد من أشهر الشخصيات الإغريقية، وأجبرته على قتل أولاده، رغم
ما عُرف عنه من مغامراته الأسطورية وتحقيقه المعجزات.

وقع الغرام بين باريس وهيلين، وكانت النتيجة أن حاصر جيش إسبرطة
مدينة طروادة، بقيادة أجاممنون، وهو شقيق مينيلاوس، ومعهم بطل أسطوري في الحرب وهو
من أشهر الأبطال آنذاك، اسمه “أخيل”. 

قامت الحرب، وانقسم آلهة الإغريق، بعضهم يساند بني جلدته اليونانيين،
وبعضهم انساق وراء قصة الحب بين باريس وهيلين، فأصبح يدعم أهل طروادة.

أُعلنت الحرب وبدأ الحصار، حصار استمر 10 أعوام، والأصل في سببه
تفاحة! حاصر اليونانيون المدينة وأسوارها وكبّدوهم خسائر فادحة.

تحكي الإلياذة كلّ هذه التفاصيل، وتصل ذروة أحداثها حين يأسر
أجاممنون سيدة تدعى “كريزيس”، وهي ابنة أحد القساوسة العاملين لدى الإله
الإغريقي “أبوللو”، إله الحكمة، ما يُغضب أخيل، لما يجد فيه من إهانة
لأحد رموز الإغريق، وتدور مفاوضات حول إعادتها واستبدالها بعدما تفشى الطاعون في
جيش اليونان.

يقرر أخيل الانسحاب، وتتوالى هزائم الإغريق إلى أن انضم قائد إليهم اسمه باتروكلوس، استأذن أخيل في أن يأخذ سلاحه، وبالفعل كان السلاح الفتاك الذي أسقط طروادة، وبعدها قُتل إبان المعركة على يد قائد عسكري اسمه”هيكتور”.

تحكي الإلياذة والأدويسة قصة الانتقام، كيف قرّر أخيل استكمال الحرب
لينقم لصديقه من قاتله “هيكتور”، فيخدع “بريام”، ملك طروادة،
بأنه يريد المصالحة، ليصل إلى هيكتور ويقتله ويمثل بجثته.

مناظر رائعة صوّرتها الملحمة، كيف ودّع هيكتور زوجته قبل الخروج
للحرب، والحوار الذي دار بينه وبين طفله، ووالده العجوز الأعمى، وبماذا أوصاه.

التفاصيل التي سردها “هوميروس”، والمشاهد التي صوّرها كانت
من أبدع ما يكون، فلكل مشهد من هذه القصة ذات الخطوط العريضة مشاهد تالية وتفاصيل،
وحوارات دارت بين أبطال القصص، وأبطال ثانويين، حكاها وسطرها، جعلت نصوصه واحدة من
أهم نصوص التأريخ لهذه الحقبة في تاريخ الإغريق، وطروادة في آن معاً.

تنتهي الإلياذة بأن تم تمزيق جثمان هيكتور بطل
طروادة، وتبدأ الأوديسا بما بعد هيكتور، مستعرضة الحصار كله مجدداً، لكنها تركز
على ما بعد الحصار، كيف عاد المحاربون إلى أوطانهم، وكيف كانت رحلة العودة محملة
بالمشاكل والأزمات.

يشخصن هوميروس القصة في بطلها أويس ليكون محور
القصة، وأوليس هو أحد المحاربين في الحصار، تسرد الأوديسا قصته هو وزوجته بينلوب،
فبعدما انتهى الحصار عاد كل الجنود إلى أسرهم إلا أوليس.

كان أوليس متخوفاً من قراصنة البحر، والرحلة
المليئة بالمخاطر، وبعد أعوام عاد لزوجته التي انتظرته طويلاً على أمل العودة،
لكنها أثناء ذلك تعرّضت للابتزاز من رجال أرادوا إقامة علاقات معها.

كيف انتقم أوليس لحبيبته من كل هؤلاء الذين
ابتزوها، وكيف حاول رأب صدع ما أصابها بعد 10 أعوام من الفراق مثله مثل كل هؤلاء
الذين تركوا زوجاتهم ليشاركوا في الحرب.

تعتبر الإلياذة والأدويسا هما الثمرة التي اكتسب منها معظم الشعراء
في العالم القديم لاحقاً فكرة الشعر القصصي، وكانتا بمثابة الأب الروحي الذي
استلهم منه شعراء مهمون مثل “دانتي” الذي كتب باللغة الإيطالية،
و”فيرجيل” باللغة اللاتينية، و”جون” ميلتون الذي كتب
بالإنجليزية أشعارهم.

حاكى بعض الشعراء الإلياذة، بينهم أحمد محرم، الذي كتب “الإلياذة
الإسلامية”، صوّر فيها البطولات الإسلامية من خلال استعراض سيرة النبي محمد
صلى الله عليه وسلم، نظمها في 3 آلاف بيت.

رسم هوميروس الأحداث وسردها بأسلوب رائع ومتميز، بالإضافة إلى التنبؤ
والتحليل بالملحمة، إذ قدم تصوراً بأن تلك الحرب لم تشمل تقلبات المجتمع الإغريقي
وحده، لكن تقلبات النفس البشرية التي تتعرض لضغوطات متعددة، وتغير سلوكها وفق ما
تتعرض له.

لم تخلّد الملحمة الشعرية لهوميروس حرب طروادة وحدها، بل خلّدت نوعاً
أدبياً متميزاً كان له كبير الأثر في الأدب العالمي، وتمتعت بجمال السرد الأدبي
والأحداث التاريخية التي تمثّلت من خلالها أخلاقيات الشجاعة والشرف.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى