ثقافة وادب

بريء من حريق روما لكنه قتل والدته وزوجته وأشاع القتل والاغتصاب، نيرون الذي لا تعرفه

“نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل”.. لا بد أن الشاعر الفلسطيني محمود درويش كان يتخيل الطاغية نيرون -كما تخيلناه جميعاً- واقفاً على قمة تلة عالية، وهو يشاهد روما تحترق، يغني ويشرب منتشياً كلما تصاعدت ألسنة اللهب وأكلت مساحات أكبر من المدينة!

يؤسفني أن أخبركم بأنه لا وجود لدلائل تاريخية دامغة تدعم صحة تورط نيرون في هذه الحادثة التي ارتبطت عبر التاريخ ارتباطاً وثيقاً باسمه، لكن في حين أن أسوأ الرجال سمعة في التاريخ قد يكون بريئاً حقاً من هذه التهمة، إلا أنه ارتكب شنائع أخرى استحق بسببها لقب طاغية.

فقد قتل الرجل أمه وزوجته الأولى، وعذَّب المسيحيين ونكَّل بهم، حتى إنه كان يحرق أجسادهم ليلاً لتكون بمثابة مصابيح مضيئة بعد انقضاء النهار، وأراق الدماء في أنحاء الإمبراطورية الرومانية كافة.

فلنتعرف على قصة نيرون، كما وردت في موقع Live Science الأمريكي. 

لم يكن نيرون ليصل إلى عرش روما لولا والدته أغريبينا الصغرى، التي أغوت عمها الإمبراطور ليتزوجها ويجعل من ابنها خليفة له.

في إيطاليا وتحديداً في مدينة أنتيوم ( المعروفة باسم: مدينة أنسيو)، وُلد نيرون في العام 37م، وقد كان والده قنصلاً رومانياً سابقاً، توفي عندما كان نيرون يبلغ من العمر 3 أعوام فقط.

آنذاك كان كاليغولا إمبراطور روما، وقد أمر بنفي والدة نيرون وتركه في رعاية عمةٍ له، لكن بعد مقتل كاليغولا خلفه الإمبراطور كلوديوس، وهو عم أغريبينا والدة نيرون.   

لم تكتفِ أغريبينا بإقناع كلوديوس بإعادتها إلى روما فحسب؛ بل أوقعته أيضاً في شِباك هواها حتى تزوجها في عام 49م، وحرصت على أن يتبنى ابنَها “نيرون” ويفضله على ابنه البيولوجي “بريتانيكوس”، ويعينه ولياً للعهد.

بعد وفاة كلوديوس (مسموماً بالغالب)، أصبح نيرون إمبراطور روما في العام 54م، بدعم من الحرس البريتوري (الحرس الذي اعتاد حماية الإمبراطور)، وقد كان عمره حينها قرابة 17 عاماً.

في البداية كانت والدة نيرون هي القوة الحقيقية التي تدير الإمبراطورية، وقد ظهر وجهها جنباً إلى جنب مع وجه نيرون على العملات المعدنية.

وعلى الرغم من الحكايات الشائعة عن قسوة نيرون، التي يتفق عليها المؤرخون، فإن إمبراطور روما كان رحيماً في بدايات عهده، على ما يبدو.

وهناك عديد من الأدلة التاريخية التي توضح الدعم الشعبي الذي حظي به نيرون حتى بعد وفاته بفترة طويلة.

كان نيرون شغوفاً بالموسيقى والفنون، كما اهتم بالأعمال الخيرية، بحسب ما أورده عديد من المؤرخين، فقد كتب سويتونيوس، أحد المؤرخين المهمين في القرن الثاني الميلادي، عن نيرون: “لم يفوِّت أي فرصة لأعمال الكرم والرحمة، أو حتى لإظهار مدى دماثة خلقه”.

لكن يبدو أن دماثة الخلق لم تكن الصفة الطاغية لدى نيرون، فقد قتل الرجل أمه وزوجته، ووُجهت إليه عديد من الاتهامات التي تدل على قسوته ووحشيته في بعض الأحيان.

يبدو أن خلافاً وقع بين نيرون ووالدته خلال أول عامين من توليه الحكم.

فقد اختفى وجهها من على العملات المعدنية الرومانية بعد عام 55م، ويبدو أنها فقدت قوتها لصالح كبار مستشاري نيرون، ومنهم الفيلسوف سينيكا، الذي كان يقدم له النصح والمشورة في شؤون الحكم، وبورس قائد الحرس البريتوري الذي قدم له المشورة في الشؤون العسكرية.

كانت حجة نيرون في التخلص من والدته في عام 59م، أنها كانت تخطط لقتله، ورغم إدراك نيرون للمشاكل التي قد تسببها له جريمة كهذه، فقد كانت الأم الأكثرَ قداسة بين رموز الأسرة الرومانية، إلا أنه مضى في مخططه بكل الأحوال.

في البداية أمر نيرون قواته البحرية بإغراق قارب كانت والدته تبحر فيه، ولما استطاعت أغريبينا أن تنجو بنفسها وتسبح إلى الشاطئ، أمر نيرون حراسه بقتلها بشكل مباشر.  

وقد ذكر أحد المؤرخين، أنه عندما جاء الجنود لقتل والدة نيرون، أخبرتهم: “إن جئتم لتطمئنوا عليَّ، فاعلموا أنني تعافيت (من حادث الغرق)، ولكن إن جئتم لارتكاب جريمة، فأنا لا أصدق أي شيء عن ابني، فهو لن يأمر بقتل والدته”.

بعد قتل والدته، استطاع نيرون أن يكسب تأييد أعضاء مجلس الشيوخ، الذين اعتبروا قتلها ضرورة؛ لكونها كانت تخطط لقتل الإمبراطور، وذلك بعد مساعدة من الفيلسوف والمستشار سينيكا، الذي استطاع أن يلمع صورة نيرون بعد هذا الفعل الشنيع.

قتلُ أغريبينا لم يكن تجربة نيرون الوحيدة في التخلص من أقاربه، فقد قتل نيرون أيضاً زوجته أوكتيفيا ابنة والده بالتبني وعم أمه والإمبراطور السابق كلوديوس.

لم يكن زواجه بأوكتيفيا سعيداً، فلم تنجب له ابنةُ الإمبراطور الأسبق وريثاً للعرش، فأبعدها عنه بحلول عام 62م ، ثم طلقها بعد ذلك.

لسبب لا يعرفه المؤرخون، لم يكتفِ نيرون بذلك فقد حاول نيرون عبثاً خنق زوجته عدة مرات قبل تطليقها، وبعد أن طلقها خسر جزءاً من شعبيته؛ لإقدامه على تطليق ابنة الإمبراطور الراحل، فاتهمها زوراً بالزنا، وحكم عليها بالإعدام بشكل مُخزٍ أمام جماهير من سكان روما، وعمد إلى سجن وتعذيب كل من دافع عن شرفها وبراءتها.

يرجح المؤرخون، أن نيرون كان يدافع عن مكانته كإمبراطور مستقل بهذه الخطوة، فشرعيته في تولي عرش روما بنظر العامة لم تكن مستمدة فقط من كونه نجل كلوديوس بالتبني؛ بل من كونه زوجاً لأوكتيفيا ابنة كلوديوس كذلك.

في العام نفسه، يقرر نيرون أن يتزوج بوبايا سابينا، التي حملت منه بالفعل، وأنجبت له ابنة لم تُكتب لها الحياة سوى ثلاثة أشهر فقط.

حزن نيرون على وفاة ابنته وآلمه فراقها، ووصل به الأمر إلى أن نادى بتأليهها.

حملت بوبايا ثانية، لكنها توفيت قبل أن تلد، ويقول بعض المؤرخين القدماء إن نيرون قتلها كذلك بركلةٍ بالبطن، لكن هذه الرواية موضع شك، فقد كان من الواضح في عديد من النصوص التاريخية مدى حب الزوجين لبعضهما، وتأليه نيرون لزوجته الثانية كذلك.

على الرغم من الاتهامات العديدة التي وجهها المؤرخون القدماء إلى نيرون بأنه المسؤول عن حريق روما، وأنه كان يغني ويشرب منتشياً وهو يشاهد ألسنة اللهب تتطاير من المدينة، فإنه لا توجد دلائل تاريخية تدعم هذه الاتهامات.

ففي ليلة 18 يوليو/تموز من عام 64م، اندلع حريق في سيرك مكسيموس وخرج عن نطاق السيطرة، وامتد ليشمل أرجاء المدينة كافة.  

وفي الوقت الذي حدث فيه ذلك، كان نيرون في أنتيوم، لكنه عاد فوراً إلى روما؛ للإشراف على عملية إغاثة المتضررين من الحريق. 

وفي حين أن المؤرخين القدماء يميلون إلى إلقاء اللوم على نيرون في إشعال الحريق، إلا أنه احتمال غير وارد، فقد شُيِّدَت كثير من مباني روما بمواد قابلة للاحتراق، وكانت المدينة شديدة الاكتظاظ.

وعلى الرغم من أنه من غير المعروف ما إذا كان نيرون قد أشعل الحريق، فقد استغل المساحة التي خلّفها الحريق بعد أن أصبحت المدينة أكواماً  من الرماد.

وبدأ بتشييد قصر جديد سمي Domus Aurea (القصر الذهبي)، ويحتوي بداخله على تمثال لنيرون.

بعد أن خمدت النيران في روما، اتهم نيرون المسيحيين بإشعال الحريق، وقد كانوا في ذلك الوقت مجرد طائفة صغيرة إلى حد ما.

وبحسب ما أورده المؤرخون القدماء، فقد اضطهد نيرون المسيحيين وعذَّبهم بشتى الأشكال، على خلفية اتهامهم بذلك الحريق.

فقد تعرَّضوا لكل أشكال التعذيب والسخرية، مثل تغطيتهم بملابس غريبة، وإطلاق الكلاب عليهم لتمزيقهم، أو صلبهم، أو الحكم بحرقهم، ليكونوا بمثابة إضاءة ليلية بعد انقضاء وقت النهار.

أراق نيرون في فترة حكمه كثيراً من الدماء في أنحاء إمبراطوريته كافة.

ففي بريطانيا مثلاً، عقد الملك براسوتاغوس صفقةً مع إمبراطور روما السابق كلوديوس، تنص على تركه في الحكم ملكاً تابعاً للإمبراطورية الرومانية.

لكن بعد وفاة الملك براسوتاغوس وتولي نيرون السلطة، تجاهل تلك الصفقة وأمر بالاستيلاء على أرض الإيسينيين، هناك حيث جلد الجنودُ الرومان الملكة الإيسينية بوديكا زوجة الملك براسوتاغوس، واغتصبوا بناتها أمام عينيها؛ وهو ما دفعها إلى قيادة تمرد ضد نيرون في عام 60م.

في البداية، نجحت بوديكا في اجتياح عددٍ من المستوطنات والوحدات العسكرية الرومانية.

لكن، ما لبث القائد الروماني في غايوس، سويتونيوس بولينوس، أن حَشَدَ قوةً قوامها 10 آلاف رجل، وهزم بوديكا في معركة واتلينغ ستريت.

ولم تكن بريطانيا المكان الوحيد حيث واجهت روما المتاعب العسكرية في عهد نيرون.

ففي الشرق، خاضت روما حرباً مع بارثيا، واضطرت على أثرها إلى التخلي عن خطط لضم مملكة أرمينيا، التي كانت تمثل حاجزاً بين القوتين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تمرداً في يهودا عام 67م، مع اقتراب عهد نيرون من نهايته، أدى في النهاية إلى حصار القدس عام 70م وتدمير الهيكل الثاني.

على الرغم من أن العنف كان الأسلوبَ المفضل لدى نيرون في التعامل مع أقربائه وأعدائه على حد سواء، فإن إنساناً مُحباً للفن والجمال كان يقبع بداخله، بحسب بعض المؤرخين.

ففي عام 66م، بدأ نيرون، المُحب للثقافة اليونانية، رحلته إلى اليونان، التي كانت تحت السيطرة الرومانية منذ نحو قرنين من الزمان في ذلك الوقت.

وقد شارك الإمبراطور بنفسه في عديد من المهرجانات اليونانية، حيث حصل على ألف و808 جوائز أولى عن عروضه الفنية.

ووافق اليونانيون أيضاً على تأجيل الألعاب الأولمبية عاماً واحداً، حتى يتمكن نيرون من المنافسة فيها.

كما أضافوا إلى المسابقات الرياضية مسابقات فنية للمرة الأولى، شملت الغناء والتمثيل، وذلك من أجل نيرون.

ويشير المؤرخون إلى أن نيرون كان سعيداً جداً برحلته إلى اليونان، لدرجة أنه كافأ الإغريق بإعطائهم “حريتهم”، التي تتمثل بإعفائهم بشكل تام من الضرائب.  

بحلول عام 68م، كان نيرون قد ارتكب عديداً من الفظائع المتراكمة، فإضافة إلى قتله لزوجته وأمه واضطهاده للمسيحيين، أراق نيرون كثيراً من الدماء في أنحاء إمبراطوريته، وجرَّ البلاد إلى حروب كانت في غنى عنها.

فضلاً عن ذلك، فقد فرض بذخه ضغوطاً مالية كبيرة على الإمبراطورية، وهو ما أجبره على رفع الضرائب والاستيلاء على الكنوز الدينية كافة في الإمبراطورية.  

فقد أخذ نيرون معروضات نذرية من معابد في روما وإيطاليا، فضلاً عن مئات التماثيل الدينية من المعابد في اليونان وآسيا.

وعلى أثر ذلك كله بدأ الدعم الذي يتلقاه نيرون في الانهيار، فتخلى عنه أتباعه وداعموه، وتخلى الحرس البريتوري عن تقديم الحماية له، وأعلن مجلس الشيوخ أن الإمبراطور بات منذ اليوم “عدواً للشعب”.

وبعد هذا الإعلان بيوم واحد، انتحر نيرون في عام 68م، وقيل إن آخر كلماته كانت: “واحسرتاه على الفنان الذي يموت بموتي!”.

بعد وفاة نيرون، سقطت الإمبراطورية الرومانية في حالة من الفوضى، مع محاولة سلسلة من الأباطرة الذين لم يستمروا طويلاً، السيطرة على الإمبراطورية.

ويشير بعض المؤرخين إلى أن نيرون كان لا يزال لديه قدر من الدعم الشعبي، حتى إن أحد هؤلاء الأباطرة، وهو أوثو، أعاد تسمية نفسه باسم “نيرون أوثو” على شرف نيرون الراحل.

كما أن بعض الناس رفضوا أيضاً اعتقاد أن نيرون قد مات بالفعل، إذ اعتقد كثيرون أن نيرون لم يقتل نفسه كما أشيع.  

حتى إن العقود التي تلت وفاة نيرون شهدت ظهور عدد من المحتالين في الشرق ممن ادعوا أنهم نيرون.

ويعتقد المؤرخون أن هذه علامة على أن البعض في الإمبراطورية الرومانية كانوا لا يزالون يستحسنون الرجل، الذي نعرفه اليوم بسمعته السيئة. 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى