ثقافة وادب

بدأت بالحماية ضد القرصنة الأوروبية.. أهم محطات التاريخ بين الجزائر وتركيا على مدار 5 قرون

منذ أيام قليلة لبى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعوة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في زيارة رسمية، تهدف لبحث سبل تعزيز روابط التعاون بين البلدين، والتشاور حول المسائل الدولية ذات الاهتمام المشترك.

وبينما قد ينظر البعض الآن إلى التقارب التركي الجزائري على أنه أمر مستجدّ تفرضه الأوضاع السياسية الإقليمية في الشرق الأوسط، لكن في الحقيقة أن التاريخ بين الجزائر وتركيا يعود إلى ما هو أبعد من التعاون؛ فهناك جذور تاريخية عميقة. فلنلقِ نظرة على أهم محطات التاريخ المشترك بين البلدين على مدار الـ5 قرون الماضية.

يشهد التاريخ الجزائري بداية من القرن الـ16، التقارب بين الجزائر كواحدة من أكبر وأهم المحطات الجغرافية في شمال إفريقيا، وبين الدولة العثمانية، وبحسب ما تخبرنا مصادر التاريخ الجزائري أن العلاقة أو التاريخ بين الجزائر وتركيا بدأت تحديداً في 1519م، وهو تاريخ الفتح العثماني للجزائر، بالتزامن مع حملات التوسع الأوروبي -الإسباني بالتحديد- في حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا.

فبحسب كتاب (موجز في تاريخ الجزائر) للمؤرخ عمورة عمار؛ فإنه بعد انهيار وتفكك الدولة الزيانية في الجزائر -عرفت باسم المغرب الأوسط آنذاك- تصارع أمراء الدولة على المقاطعات وبدأت الفوضى تنتشر، في الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تفرض سطوتها بالقوة على بعض موانئ الجزائر الرئيسية مثل ميناء المرسى الكبير واحتُل في عام 1505م،  وميناء مدينة وهران 1509، وميناء بجاية 1510، وميناء مركز مستغانم 1511م.

بعد أن دخلت كُل من مصر وسوريا ولبنان تحت الحماية العثمانية على يد السلطان سليم الأول بين عامي 1517 و1518، كان صيت الدولة العثمانية في البحر المتوسط قد بلغ الجزائريين بعدما عانوا من القمع والقرصنة الأوروبية بعد سيطرة إسبانيا على موانئ الجزائر.

ومن بين القادة الذين اشتهروا بقوتهم وخبرتهم الكبيرة في المعارك البحرية هما القائدان البحريان خير الدين بربروس وشقيقه عروج الدين بربروس، واللذين كانا يعملان بأوامر السلطان سليم الأول بتأمين عمق البحر المتوسط من خلال الأسطول البحري العثماني.

هنا لم يكن لدى الجزائريين سوى اللجوء إلى الأخوين بربروس وطلب الحماية منهما، وهو ما كان السلطان سليم الأول مستعداً له تماماً، وفي عام 1519 انضمت الجزائر رسمياً للدولة العثمانية.

تلى هذا الامتزاج ذيوع صيت خير الدين بربروس الذي  تمكن من جعل الجزائر قوة بحرية في المنطقة المتوسطية، هزت إسبانيا وأرعبت العديد من الطامحين للتوسع الغربي المسيحي في أوروبا، واستحقت موانئ الجزائر أن يطلق عليها لقب «الموانئ المحروسة» وعلى أساطيلها العسكرية لقب أكبر مدارس الإسلام البحرية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ذيوع اسم خير الدين بربروس وشقيقه عروج الدين في الثقافة الغربية دائماً ما اقترن بالقرصنة؛ وهو ما يقول عنه أستاذ التاريخ الجزائري (شوادر مبارك):

(ومما تجدر الإشارة اليه أن معظم المؤرخين الغربيين قد وصفوا عروج وخير الدين ودرغوث وعلج علي بالقراصنة، وكان مدلول هذا المصطلح محتقراً جداً وهو يعني الشخص الذي لا يشتغل إلا بالاستيلاء على الغنائم  والانقضاض على السفن وتدمير السواحل وفرض العبودية على الأسرى.

والواقع أن هذا الوصف من طرف المدرسة التاريخية الغربية له أهدافه ومبرراته، إذ تهدف من ورائه لإزالة الصبغة الدينية عن النشاط الإسلامي الجزائري، ومحاولة إضفاء طابع اقتصادي عليه، بغية تشويه صورة البحرية الجزائرية وتحويلها من طرف مدافع عن أرضه وعقيدته إلى طرف معتد يمارس أعمال السلب والنهب من أجل غايات اقتصادية بالدرجة الاولى).

نظراً لبعد الجزائر عن مركز الحكم العثماني آنذاك كانت تُدار مثل أغلب الولايات العثمانية عن طريق نائب أو وال يمُثل السلطنة في البلد، وجاءت أهم مراحل الحكم العثماني كالتالي:

البايلرباي هو مصطلح يعني أمير الأمراء، واعتُبر هذا العصر من أزهى مراحل الحكم العثماني في الجزائر، إذ امتلكت الجزائر فيه قوة بحرية رادعة مكّنتها من مجابهة مشاريع السيطرة الأوروبية؛ خاصة الإسبانية، والتصدي لها بكل قوة وهو ما انعكس على المجالين الاقتصادي والسياسي.

وكانت من أبرز مظاهر قوة هذه الفترة؛ تحرير مقاطعة «صخرة البنيون» على يد  خير الدين بربروس عام 1529م، وتحرير «بجاية» على يد القائد صالح رايس عام 1555م. ثم جاءت مساهمة الجزائر في تحرير كل من طرابلس الغرب عام 1551م وتونس عام 1574م، وغيرها من الوقائع التاريخية التي أثبتت فيها الجزائر حضورها المتميز في الساحة الإقليمية والدولية.

في هذه الفترة انتقلت الجزائر العثمانية، تحديداً عام سنة 1587م، لوضع سياسي جديد استبدل النظام السابق بنظام جديد أطلق عليه عصر الباشوات، وأصبح هذا النظام الجديد يشهد حكم الشخص المنوط بالحكم تحت لقب «باشا» ولمدة ثلاث سنوات.

ولهذا انكب الباشا على الاهتمام بجمع الثروة قبل نهاية فترة حكمه، مما انعكس سلباً على العلاقة بين جنود البحرية والباشوات من ناحية وعلى الوضع العام للبلاد من ناحية أخرى.

تلى هذه المراحل من الأعوام  1659 إلى 1830، تغيير لقب الحاكم العثماني من «آغا» إلى لقب «داي»؛  شكل عصر الدايات مرحلة قوة عسكرية وملامح سيادة وطنية، إذ كان الداي يعقد المعاهدات باسم الجزائر ويبعث القناصل إلى الدول الكبرى، وكان أبرز دايات الجزائر خلال هذه المرحلة الداي «مصطفى باشا» و»الداي عمر» و»الداي علي خوجة» و»الداي حسين».

كما أنه في نهاية هذه المرحلة أصبح الداي يُختار من ضباط الانكشارية، وهو ما أعطى للولاية الجزائرية -كانت تسمى أيضاً إيالة الجزائر- طابعاً حكومياً شبيهاً بالحكم الجمهوري الحديث.

وبحسب المؤرخ الجزائري أبوالقاسم سعد الله في كتابه (تاريخ الجزائر الثقافي) أن الوضع الثقافي عامة والحياة الفكرية خاصة في الجزائر العثمانية ارتبط بالمؤسسات التعليمية، والتثقيفية مثل المساجد والمدارس التي انتشرت بنهاية الحكم العثماني وأثرت الحياة الدينية والعلمية آنذاك.

الإجابة بالطبع هي: لا. فقد خاضت القوات العثمانية أشرس معاركها البحرية بالاشتراك مع الأساطيل الجزائرية، والمصرية من أجل الدفاع عن ولاياتها في شمال إفريقيا؛ وهي معركة (نافارين) البحرية عام 1827 في مواجهة كُل من بريطانيا وفرنسا وروسيا؛ والتي كانت نتيجتها المؤسفة هي هزيمة للأساطيل الإسلامية المشتركة للعثمانيين والمصريين والجزائريين.

وكانت نتيجة هذه الهزيمة؛ هي ضعف الحماية البحرية على الجزائر؛ والتي مهدت إلى وصول الاستعمار الفرنسي الذي استمر ما يقرب من 130 عاماً، بعد أن وهنت الدولة العثمانية وتكالبت عليها القوى الغربية.

ولم تضعف العلاقات بين الدولتين؛ إلا عندما انضمت الدولة العثمانية إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وخاصمت فرنسا رسمياً؛ وكانت آنذاك على الطرف الآخر الجزائر كونها مستعمرة فرنسية؛ إلا أن المصادر التاريخية لم تذكر أي صراع مباشر بين البلدين أثناء الحرب.

بعدما انتهت الدولة العثمانية بشكل رسمي عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، صارت تركيا الوريث الوحيد للتاريخ العثماني؛ وبرغم تحول النظام فيها من الخلافة الإسلامية إلى الدولة المدنية؛ إلا أن تركيا لم تتخل عن قضية استعمار الجزائر؛ وكان لها في هذا الشأن مواقف بعينها.

فبحسب ما نشر الدكتور مقلاتي عبدالله أستاذ التاريخ بجامعة المسيلة أن العلاقات بين تركيا وقضية تحرير الجزائر كانت غير قوية في بدايتها نتيجة لسياسات مصطفى كمال أتاتورك بعد انتهاء الخلافة؛ ولكن بعد منتصف الخمسينيات تغير موقف الحكومة التركية الداعم للثورة، وخاصةً بعد صعود عدنان مندريس رئيساً للحكومة التركية عام 1957.

ويضيف عبدالله أن موقف تركيا الداعم للثورة كان أساس بناء العلاقات التركية الجزائرية المعاصرة، وخاصة الدعم السري سواء كان سياسياً أو عسكرياً؛ أو من خلال الإدانات القوية التي بدأت تركيا في توجيهها لفرنسا أمام العالم، ثم موافقة تركيا على افتتاح مكتب جبهة التحرير الجزائرية في أنقرة كان نقطة فاصلة في الدعم التركي لاستقلال الجزائر؛ والذي قام بدور كبير في نشر الوعي وجلب الدعم للقضية الجزائرية.

شهدت العلاقات التركية الجزائرية المعاصرة مرحلة من التقارب والتعاون بعد حصول الجزائر على استقلالها عام 1962؛ وافتتحت السفارة التركية في الجزائر رسمياً بعدها بعام؛ 1963، ثم زيارة شهيرة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2006 والتي فتحت الباب لأوجه كثيرة من التعاون بين البلدين؛ وخاصة التجاري الذي شهد نمواً كبيراً للاستثمارات التركية في الجزائر بلغ ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار في قطاع الطاقة والوقود.

وبعدها أصبحت تركيا من أكبر مستوردي الغاز المسال من الجزائر بحصة تصل إلى 6 مليارات لتر غاز سنوياً؛ بخلاف مجموعة كبيرة من الاستثمارات المحلية الجزائرية التي أسستها مجموعة من رجال الأعمال الأتراك خلال الأعوام من 2006 إلى 2013؛ بخلاف كون تركيا واحدة من أكثر المقاصد السياحية شعبيةّ بالنسبة للجزائريين، إذ وصل عدد السياح الجزائريين من 38 ألف سائح في عام 2006 إلى 213 ألف سائح جزائري في عام 2017، بحسب آخر تحديث لموقع Statista.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى