تقارير وملفات إضافية

امتد من النفط إلى ليبيا ومصر.. هل ينهي فيروس كورونا التحالف الروسي السعودي الصاعد؟

أصبح فيروس كورونا يمثل تحدياً أمام التحالف السعودي الروسي العامل على دعم استقرار أسعار النفط على مدار الأعوام الثلاثة الماضية.

فالبلدان المنتجان الرئيسان للنفط لم يكن التوافق بينهما في أفضل أحواله هذا الأسبوع، إذ يسعى البلدان لإعادة ضبط حصص الإنتاج لمواجهة انخفاض الطلب على النفط من الصين التي أخذ اقتصادها يعاني تعثراً من جرّاء انتشار فيروس كورونا، حسبما ورد في صحيفة The New York Times الأمريكية.

وفي حين أراد وزير النفط السعودي، عبدالعزيز بن سلمان، اتخاذ القرار بسرعة خلال اجتماعٍ للنظر في تخفيضات الإنتاج الجديدة، فإنه اضطر إلى بذل مجهود كبير لإقناع موسكو، حتى بعد المباحثات الهاتفية التي عقدها والده، الملك سلمان، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الإثنين.

وقد ظلت «منظمة البلدان المصدرة للبترول» (أوبك) في اجتماعات عقدتها مجموعات فنية على مدار ثلاثة أيام طويلة هذا الأسبوع لتصدر توصيةً بخفض الإنتاج بمقدار 600 ألف برميل، وهو ما يمثل تقييداً جديداً بنحو 30% أخرى مُضافة إلى التقييدات التي سبق الاتفاق عليها في ديسمبر/كانون الأول.

ولكن ربما تكون تلك التقييدات أقل مما يريده السعوديون، وفقاً لبعض المحللين.

ومع ذلك، فإن ممثلي روسيا قالوا للمجموعة الفنية إنهم رغم أنهم وجدوا التوصيات معقولة، فإنهم يحتاجون إلى مزيد من الوقت للنظر فيها، وفقاً لما نقله شخص مطّلع على الموضوع.

وتحتّم أن تثير عدم قدرة الطرفين على الوصول إلى إجماع سريع مخاوفَ بشأن ما إذا كانت السعودية، التي تعد الزعيم الفعلي لأوبك، وروسيا ما زالتا قادرتين على العمل معاً لتنسيق السياسات المتعلقة بالنفط.

وتقول حليمة كروفت، الرئيس العالمي لاستراتيجية السلع الأساسية في شركة «آر بي سي لأسواق المال»، والتي تابعت الاجتماع من غرف منظمة أوبك، إن «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الروس والسعوديون على نفس الرأي فيما يتعلق بضرورة العمل الجماعي».

وتخمّن كروفت أن روسيا ربما تكون «متمهلة» فيما يتعلق بتخفيضات الإنتاج، رغم أنها تتوقع أن موسكو ستعمد إلى إنجاز الأمر في الوقت المناسب.

لكن وبصرف النظر عن ذلك، فإن حقيقة انعقاد هذه الاجتماعات، واحتمال حدوث مزيد من التخفيضات على الطريق، كانت كافية على الأقل لوقف الانخفاض الحاد الذي أخذت تشهده أسعار النفط منذ تفشي فيروس كورونا الجديد، والذي قتل أكثر من 600 شخص في الصين. ومن ثم شهد خام برنت، وهو المؤشر الدولي الذي كان قد تجاوز 70 دولاراً للبرميل في أوائل يناير/كانون الثاني، انخفاضاً ليجري التداول عند مستوى 55 دولاراً للبرميل يوم الجمعة.

وقال بيورنار تونهوجن، رئيس أبحاث سوق النفط في شركة «ريستاد إنرجي» الدولية لاستشارات الطاقة، في مقابلة أجريت معه، إن الخفض البالغ 600 ألف برميل يومياً والذي جرت مناقشته يعد «خفضاً معقولاً للغاية».

وفي الوقت الذي تتساءل أوبك عما يجب فعله، فإنها تواجه حسبة صعبة. إذ لم تُعرف بعد درجة تأثير تفشي فيروس كورونا في الطلب على النفط، رغم أنه من المتوقع أن يكون تأثيراً كبيراً، وذلك في أعقاب فرض الحظر على عديد من المدن الصينية، وتوقف مصانعها عن العمل وإلغاء الرحلات الجوية منها وإليها.

ويتوقع أن يفضي تقلص النشاط الاقتصادي إلى انخفاض كبير في استهلاك الطاقة، وهو ما يمثل مصدر قلق كبير لدى أوبك، لأن الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم وعميل رئيس. وتشير تقديرات شركة «وود ماكنزي» لأبحاث الطاقة، إلى أن الطلب على النفط خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام سيجري خفضه بنحو 900 ألف برميل يومياً، أو ما يقرب من 1% من الاستهلاك العالمي.

ويمكن رؤية آثار انخفاض استهلاك الطاقة بالفعل في سوق الغاز الطبيعي المسال، وهو وقود مبرد يستخدم في الصناعة وتوليد الطاقة.

تقدر شركة «ريستاد إنرجي» أن الواردات الصينية من الغاز الطبيعي المسال قد انخفضت بنسبة 10% في يناير/كانون الثاني مقارنةً بالعام الماضي. ويقول المحللون إنه في ظل تناقص احتياجات العملاء إلى الوقود عما كان مقرراً، فإن المشترين الصينيين عمدوا إلى إيقاف أو جدولة الشحنات، وقد ذهب بعضهم إلى الخيار المتطرف المتمثل في استخدام بند «القوة القاهرة» في العقود، وهو مصطلح قانوني يشير إلى الظروف غير المتوقعة التي تتيح لأحد أطراف العقد إبطال التعاقد.

وقالت شركة النفط الفرنسية «توتال» إنها كانت قد رفضت مؤخراً استخدام أحد العملاء الصينيين لبند القوة القاهرة في تعاقده معها. ويقول المحللون إن الوضع من المحتمل أن يزداد سوءاً، إذ تُجبر السفن المحملة بالغاز على العودة أو الذهاب إلى أي ميناء آخر، كل ذلك إلى جانب أن سوق الغاز الطبيعي المسال متشبع بالفعل بكميات كبيرة، والأسعار في حضيضها.

ويقول فرانك هاريس، رئيس استشارات الغاز الطبيعي المسال في شركة «وود ماكنزي» لأبحاث الطاقة، «من الواضح أن هناك معضلة رئيسة وهي حصة الصين الكبيرة من واردات الغاز الطبيعي المسال».

أمَّا سوق النفط، فبه عوامل موازنة أخرى تقلل من آثار تراجع الطلب الصيني جراء أزمة كورونا.

فقد انخفض إنتاج النفط الليبي بنحو مليون برميل يومياً، أو قرابة 1% من الطلب العالمي، على إثر الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد. وعلى الرغم من أنه يُفترض على نطاق واسع أن النفط الليبي سيعود إلى السوق قريباً، فليس ثمة أحد متأكد من ذلك.

وفي حين أن الإنتاج النفطي قد بدأ للتو في التعامل مع تداعيات فيروس كورونا، فإن هناك رأياً يذهب إلى أنه يجب الانتظار حتى اجتماع أوبك المقبل، المقرر عقده في أوائل مارس/آذار، قبل اتخاذ قرارات.

ويقول بيل فارن برايس، مدير الاستشارات والأبحاث في مجموعة «آر إس إنرجي» لاستشارات أسواق الطاقة، «لا أعرف لم العجلة. يبدو لي أن الأمر ناجم عن الذعر بالأساس».

علينا الانتظار بعض الوقت ليتضح ما إذا كان الانقسام بين روسيا والسعوديين سيتعمق أم لا، لكن بعض المحللين يقولون إن روسيا لديها سبب وجيه للاستمرار في تنسيق سياسات إنتاج النفط مع أوبك.

إذ يقول المحللون إن بوتين يستفيد من التعاون مع السعوديين. فالعمل مع أوبك يمنح روسيا مقعداً إلى الطاولة التي تشهد التفاوض بين العديد من أكبر منتجي النفط في العالم على قرارات الإنتاج التي لها تأثير كبير في أسعار النفط.

تتوافق العلاقات مع السعوديين أيضاً مع جهود بوتين لتوسيع نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، في بلدان مثل سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا. وهناك شبكة من العلاقات التجارية بين شركات روسية والرياض وحلفائها مثل أبو ظبي آخذة في التشكل، وقد أصبحت شركة «لوك أويل» مؤخراً أول شركة روسية تحصل على حصة في إنتاج الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط (كما أن للبلدين موقفاً متقارباً التطورات التي حدث في مصر خلال السنوات الماضية وأفضت إلى تولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السلطة).

ويقول فارن برايس: «يبدو أن الروس راضون عن كونهم جزءاً من هذا التحالف، وأنهم يعتزمون الحفاظ على هذا الدور السياسي حتى وإن كانت تخفيضاتهم للإنتاج النفطي حتى الآن محدودة للغاية».

التحالف السعودي الروسي العامل على دعم استقرار أسعار النفط

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى