الأرشيفتقارير وملفات

الوجه… عندما يتحول إلى قطعة نقود.ّ.!

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

*  قالوا :  عندما يكون الإنسان  مثل قطعة النقود بوجهين , فإنه يعيش حياته متنقلا بين جيوب الناس . جاء فى الحديث الشريفملعون ذو الوجهين , ملعون ذو اللسانينخلق الله الإنسان بوجه واحد ولسان واحد . لكن هناك صنفا من الناس يأبوا إلا أن يعيشوا بعدة أوجه وعدة ألسن . فهم يقابلون هولاء بوجه , وهولاء بوجه , وهولاء من أشر الناس خلقا وسلوكا . إن ضعف العقيدة وهشاشة الشخصية , وخواء العقل , وفراغ القلب , من أهم أسباب تلون الأوجه وتعدد الألسن لدى الفرد الواحد فى موقف واحد وقضية واحدة . أنا منافق , إذا أنا موجود . هذا حالهم اليوم وغدا وربما بعد غد . لكن مهما ارتفعوا وتسلقوا جبال القمة على أكتاف الآخرين , حتما سيبقون كالافاعى  تحت الأرض  , تستبيح النور فقط لمداهمة فريستها . سأل رجل صاحبه : لماذا هواء الفجر نقى ..؟ قال : لأنه يخلو من أنفاس المنافقين .

* ذو الوجهين ليس له شخصية ثابتة , وليس له مبادئ أو قيما يدافع عنها , بل هو صاحب مصلحة يتلون كالحرباء ليلا ونهارا حسب ظروف الطقس والمناخ . فهو فى المساء اسلامى متشدد , وفى الصباح علمانى مفرط , ولامانع أن يكون وسط النهار خليط بين هذا وذاك . ذو الوجهين يغير راية أسرع مما يغير أحدنا حذاءه. إن الأرض تأسن وتفسد كلما كثرت فى باطنها جراثيم النفاق , ولاسيما السياسي والدينى منها . لأن السياسة مرتبطة بالمصلحة . وصاحب الحاجة أرعن لا يرى فى الكون غير مصلحته , فهو دائما وأبدا يدور فى فلك مصلحته حيث كانت وحيثما تدور . أعرف أفرادا نسميهم نحن اليوم بالنخبة , يمسون فى حزب ما , ويصبحون فى حزب آخر مختلف عنه فى الأهداف والوسائل والأيدلوجية . فماذا حدث , ولماذا تغير ..؟  إنها المصلحة وحب الذات والقدرة على التلون والتغير والتعدد حسب الأهواء وحسب ما تقتضيه المصلحة . إن مثل هولاء أخطر على المجتمع من الأمراض المعدية التى يمكن القضاء عليها بالأدوية المضادة , أما هولاء… فلا…!.

 قطعة النقود12

* استمعت وشاهدت إعلاميين وخبراء ومحللين وساسة فى قضية جز ” تيران وصنافير ” والتي اعترفت مصر حساب بيان الحكومة بأحقية السعودية لهما . شاهدت كل هولاء والكثير منهم يجزم ويؤكد أنهما أرض مصرية خالصة . وفى لا اليوم التالي , لا أدرى ماذا حدث وجرى..؟ فإذ بنفس الوجوه , ونفس الألسنة تؤكد بل وتنفى ما قالته بالأمس, وتبرهن على أنهما سعوديتان خالصتان شحما ولحما وهنيئا مريئا لها بجزرها التى عادت إلى حضنها , وكأن مصر كانت وطنا محتلا لتلك الجزر . أليست هذه النخبة عار على مجتمعنا..؟ أليس هولاء الإعلاميون وصمة عار يلاحق جبين الوطن..؟ أليس كل هولاء الخبراء والمحللين يشبهون قطعة النقود , يتقبلون فى أرائهم كما تتقلب قطعة النقود فى جيوب الخلائق شرقا وغربا ..؟ هل كل هولاء يصلحون من الأساس لتصدر أى مشهد..؟ هل من الممكن أن يتقدم الوطن فى اى مجال وهولاء فى مقدمة المشهد السياسي والاجتماعي والاعلامى ..؟ لا أراهم إلا عملة مزيفة لاقيمة لها فى عيون الناس.

* إن هولاء الذين يتقلبون فى أرائهم من خبراء وعلماء وكتاب ومحلليين وساسة , ويغيرون مواقفهم بسرعة البرق , ويتلونون بلون كل نظام , ويرتعون فى حظيرة كل حكومة قائمة بالحق والباطل , ليسوا أقل خطرا على تماسك بنية المجتمع وسلامة أراضية , وبقاء حدوده آمنة مستقرة , من هولاء المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تفريقا وكفرا بين المؤمنين , بل ودعوا الرسول حتى يصلى معهم فيه . وهم فى الأصل بنوه على شفا جرف هار , ولم يؤسس على التقوى من أول يوم . وعندما انكشف أمرهم , وانفضح موقفهم قالوا : إن أردنا إلا الحسنى..! . إن التبرير جاهز فى علب معلبة لتفريغه وتقديمه للناس بأى شكل وعلى أى صورة . المهم أن تظل وجوههم بيضاء أمام الناس , وفى الحقيقة فإن وجوههم أشبه بقطع الليل المظلم , لو دققت النظر فيها , لما وجدت لها ملامح ولا معالم . مصيبتنا الحقيقية فى نخبتنا السياسية التى لا لون لها ولا رائحة ولاطعم . ليس لها موقفا واضحا يذكر فى أى قضية يمكن أن تبنى عليه بعد ذلك. عندما يتحرر مجتمعنا من تلك النخبة , ساعتها سينجو المجتمع من الغرق اليقين فى بحور الكذب والزور والبهتان .

* يقول أحد الدعاة المصلحينإن فى الأمم خيرا وشرا , وفسادا وصلاحا , ومصلحين ومفسدين , فإن رفعت للخير راية ,  انضوى إليها الأخيار فى كل طائفة , وغلب بها الخير فى الأنفس التى يغلب خيرها شرها  , ونبت خير فى نفوس لاخير فيها , فإن الإنسان لايخلوا , وإن غلب عظم شره , واستشرى داؤه , من نزعة للحق كامنة , وعاطفة للخير مستسرة . وكثير من أهل الخير والصلاح رأوا ضخامة الفساد فى بلادهم  , وتغير الموازين والمقاييس  , وتسلط الأشرار . فظنوا أن الأمر قد فلت واستحكم الشر . فاختاروا إما السكوت  , وإما الهجرة إلى بلد أخف شرا  . ” هذا الكلام فيه من الوجاهة الصواب والحق الكثير . لأن وطنا مثل مصر لا يمكن أن يقود عقول الناس فيه ذو الوجوه المتعددة والألسن المختلفة . إن فى مصر  من أهل الخير والصلاح ومحاربة الرذائل والفساد , ومن الذين يعملون لوجه الله , ثم لمصلحة هذا الوطن , ولمصلحة الأجيال القادمة الكثير والكثير . فإن صمتوا وسكتوا  , فمن يتقدم لمواجهة رذائل التضليل ونقائص الغش والتزوير ..؟ الحكمة تقول : إذا تقدم الأراذل , تقهقر الأفاضل . الخير فى هذه الأمة باق إلى يوم القيامة . فلا تيأسوا من الإصلاح . ” يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا , وفى الآخرة . ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء . “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى