كتاب وادباء

الهجرة النبوية والانتقال من حال إلى حال .

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* الهجرة النبوية الشريفة كانت فى ظاهرها الانتقال من مكان إلى مكان , لكن الحقيقة الغائبة أنها كانت تعنى فى جوهرها الانتقال من حال إلى حال . من الضيق إلى السعة , ومن آفاق محلية إلى آفاق عالمية أرحب وأوسع لان دين الله عز وجل لايمكن أن يفرض عليه أحد الحصار لأن الله يغرس لهذا الدين بكلتا يديه .

نحتاج جميعا إلى تجديد إيماننا بالله فى ذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم . لابد أن نهاجر جميعا من الباطل إلى الحق , ومن الظلام إلى النور , ومن الرجس إلى الطهر , ومن الشقاق إلى الاتفاق , ومن المعصية إلى الطاعة , ومن الضعف إلى القوة , ومن الفرقة إلى الوحدة , ومن الخوف إلى الاطمئنان , ومن الشك إلى اليقين , ومن التذبذب والاضطراب إلى اليقين والثبات , ومن الضغينة والكراهية إلى الحب وسلامة الصدر , ومن حالة الترنح والاختلال إلى الصمود والاتزان .

ومن حب الذات والشهرة إلى التجرد لوجه الله عز وجل . أصبحت معانى الهجرة تلح علينا إلحاحا , أن نكون أكثر يقينا بالله وأكثر تمسكا بأهدافنا , وأكثر صبرا على بلائنا .

  • * فلقد سئل الإمام الشافعي : أيكون الابتلاء أولا أم التمكين..؟ قال : الابتلاء . ليس لنا أهداف خاصة غير أن نعيش فى وطن حر كريم يعطى لكل ذى حق حقه , وطن ليس فيه عبيد وأسياد , وطن غير منقسم إلى أبناء البطة السوداء وأبناء البطة البيضاء . وطن يسمو ويعلو فوق الضغائن والأحقاد . وطن تعلو فيه رايه العدل والمساواة يكون شعاره الخالد ” والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ” فهل إلى تحقيق هذا الوطن من سبيل ..؟ وهل سيأتى اليوم ونحن أحياء لنرى تلك اللحظة بأعيننا وقد هرمنا تشوقا إليها ..؟ أم أنه حلم فى ليل طويل وخيال مبالغ فيه..؟ الوطن بكل أطيافه فى حاجة إلى تحقيق معانى الهجرة الشريفة حتى يتطهر مما علق به من معاصي وآثام وانسداد رأسي وافقي فى سياسته وخططه وبرامجه وتطلعه للمستقبل .

    لابد أن يهاجر مجتمعنا من حالة الانسداد السياسي المحكم التى أصابت شرايينه حتى أصيب المجتمع كله بحالة من التصلب الوريدي الكامل , فلم يعد أحد يستمع لأحد, وكل يبكى على ليلاه , وليلة لاتقر لهم بوصل كما يقولون .

    الهجرة

    * الهجرة تعنى التضحية بكل معانى الكلمةلتضحية بالنفس والمال لنصرة الحق ورفع رايته , إن الحق لايمكن إن ينتصر وأهله نائمون كسالى . ومن يعجز عن نصرة الحق فلا أقل من أن يمتنع عن نصرة الباطل والتخندق فى خندقه من أجل مكاسب دنيوية رخيصة . فالصحابة رضى الله عنهم ضحوا بكل غال وثمين من أجل أن يصل إلينا هذا الدين ليعبر الزمان والمكان ليكون دينا عالميا ورسالة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

    والمؤسف أن هناك اليوم ممن ينتسبون لهذا الدين , من يشوهه ويلوثه ويحط من قدره , عندما يصفون هذا الدين بالإرهاب وكذا كل المنتسبين إليه ظلما وبهتانا وزورا .

    التضحية تعنى تقديم الحق على الباطل , ورضي الله على رضي الناس , وتقديم مصلحة الوطن العليا على المصالح الفردية والنزوات الشخصية الذاتية . التضحية تعنى أن نضحي جميعا بالابتعاد عن الشر , حتى يعم الخير وتعلو رايته كل جوانب المجتمع .

    * الهجرة تعنى أن قيادة المجتمع ورأس سلطته كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم , يجب أن تكون قدوة حسنة للجميع . ففي قدرة الله عز وجل كان يمكن أن ينتقل بنبيه من مكة إلى المدينة دون تعب أو تهديد من أحد أو إرهاق مادي وبدني . لكن الرسول صلى الله عليه وسلم علم المجتمع كله إن القيادة آخر من تشبع , وأول من تجوع , آخر من تستريح , وأول من تتعب , آخر من تنام , وأول من تسهر , آخر من تأخذ وأول من تعطى .

    ليست القيادة وجاهة ومكاسب , بل متاعب ومشاق وتضحية من أجل رفع راية الحق , وإعطاء كل ذى حق حقه .

    كذلك لابد أن تكون بطانة الحاكم بطانة صالحة تدله على الخير وتحذره من الشر وعواقبه , والرسول صلى الله عليه وسلم اصطحب معه الصديق أبو بكر , فكان نعم الرفيق والصديق الذى بذل ماله ونفسه رخيصة من أجل نصرة الحق .

    وهذا درس عظيم وكبير .

    * كذلك من معاني الهجرة العظيمة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله بعد ذلك حتى تنجح الخطة وتؤتى ثمارها المرجوة . فهل الحكومات التى تعاقبت على حكم مصر أخذت بأسباب الرقى لهذا الوطن وعلاج مشاكله وبحث مواضع الضعف فيه وتقويته , ووضعت من الخطط والبرامج مايستحق الإشادة بها …؟ أعتقد أن كل السلطات السابقة ومعها كل الحكومات لم تقم بدورها تجاه هذا الشعب على الإطلاق . وإلا ماكنا رأينا وشاهدنا غول الفقر الذى يلتهم الجميع , والأمراض المزمنة المستوطنة فى أجساد هذا الشعب , وما كانت نسبة الأمية الأبجدية وصلت لهذا الرقم المخيف , وما كانت هذا البطالة المخيفة , وما هاجر أبناء الشعب خارج الوطن بحثا عن لقمة العيش .

    لم يكن هناك تخطيطا لمستقبل هذا الوطن حتى وصل الحال إلى مانحن عليه من تخلف وفقر ومرض ومعاناة فى كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والتعليمية .

    * كذلك من معانى الهجرة الثقة بنصر الله وعدم اليأس وإن طال الطريق . وكان هذا واضحا فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع ” سراقة بن مالك ” عندما غاصت أقدام فرسه فى باطن الأرض وهو يريد اقتحام أسوار القدرة الإلهية لقتل النبي وصاحبه حتى يفوز بالجائزة الكبرى التي أعدها له كفار قريش .

    قال له صلى الله عليه وسلم وهو مطاردكيف بك إذا لبست سواري كسرى ..؟” قالها لها واثقا بنصر الله ليس فى لحظة انتصار بل قالها وهو مطارد بدعوته .

    وعندها يطلب منه “سراقة ” الأمان فيعطيه ما أراد . إنها الثقة العظيمة أن هذا الدين لابد له أن ينتصر مادام له رجالا يدافعون عنه ويضحون فى سبيله .

    دروس الهجرة كثيرة ولابد لنا ونحن نحتفل بها أن نراجع أنفسنا , ماذا تعلمنا منها لرفعة ديننا وتقدم وطننا . الله أسال أن يبصرنا بعواقب الأمور وأان ينصر ديننا العظيم وأن يحقق وطننا الاستقرار السياسي والاقتصادي حتى تحيا الأجيال آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى