الأرشيفكتاب وادباء

الناس مصالح والبحر مالح ..!

من روائع الأديب الكاتب
السعيد الخميسى

*  لو أن أمامك كأسين من الماء  أحدهما ملح أجاج والآخر عذب فرات، هل يمكنك أن تفرق بينهما دون أن تشرب منهما  لتعرف أيهما صالح للشرب  ؟ هكذا صنف البشر لايمكن أن تفرق بين الغث والثمين ، والأصيل والعميل ، والخائن والأمين ، وصاحب المصلحة الحربائى المتلون وصاحب المبدأ الثابت عليه ثبوت الجبال الراسيات إلا من خلال المواقف العملية والتعامل المباشر حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتميز الطيب الشاكر من الخبيث الماكر .إن بحر الحياة صار مالحا وعلت فيه أمواج المصالح حتى سألت وفاضت . هناك من يخادع ويغش ويكذب باسم الدين والدين منه براء. وهناك من يغش ويخادع ويتلون باسم المصلحة .وهناك من يغير وجهته ويغش ويبدل رداءه السياسي صباحا ومساء .هناك من يسئ إذا أساء الناس . وهناك من يحسن إذا أحسن الناس، مجرد إمعات لا موقف لهم ولا كلمة ولا لون ولا رائحة. هناك بعض الإعلاميين والمفكرين والصحفيين والكتاب والخبراء والمشايخ والدعاة الذين غيروا جلدهم الديني والسياسي بأسرع مما يغير أحدنا قميصه , وان شئت فقل بلا خجل حذاءه.قرأوا الواقع وفهموه فمالوا حيث تميل المصلحة , وسبحوا فى اتجاه الموج حتى يصلوا إلى بر الأمان وشاطئ السلامة بصرف النظر عن مواقفهم السابقة المسجلة بالصوت والصورة. نسوا الحكمة التي تقول  : إن لم تستح فافعل ماشئت .
* هناك شريحة من الناس وكأنهم بلسان الحال قبل لسان المقال يقولون نحن مع اتجاه هبوب الريح  ,  فحيثما كانت كانوا. هم إخوان إذا وصل الإخوان للحكم.وهم سلفيون إذا وصل السلفيون للحكم.وهم ليبراليون إذا وصل الليبراليون للحكم.وهم ماركسيون إذا وصل الشيوعيون للحكم. وهم عبيد إذا وصل الأسياد للحكم. هم مع من غلب وحكم .هم مع مصالحهم ولتذهب المبادئ إلى سواء الجحيم.فهل مثل هؤلاء المتحولين يبنى على كاهلهم وطن؟ أو ترفع على سواعدهم راية؟ أو تتحقق على خطاهم تنمية أو تقدم.؟ الإجابة بالطبع كلا وألف كلا.إنهم على استعداد أن يبيعوا أوطانهم للمحتل إذا وفر لهم الطعام والشراب والكلأ والمرعى لأنهم  كما تقول الحكمة كحمار السوء إذا شبع رمح الناس وإذا جاع نهق وأزعج المجتمع. لا تخشى من إنسان ثابت على مبادئه حتى ولو خالفك أو كانت حتى مبادئه غير ذى نفع.لأنه يفكر وسيعود يوما ما للحق.ولكن عليك أن تخشى وتقلق من صاحب المصلحة الذي يبيع كل شي بثمن بخس مقابل منافع وقتية. يبيع دينه ووطنه وشرفه وعرضه. الأمر جد خطير لأن المياه العكرة ملأت البحار والأنهار وهناك من يجيد الاصطياد فى الماء العكر. واشتدت الريح العاصفة فحطمت أعالى الأشجار وانكرست الفروع ومالت الجذوع وسقطت الأوراق وانتشر الجراد ليأكل الأخضر واليابس.
* هؤلاء القوم فضحهم القرآن الكريم وكشف سريرتهم فقال فى حقهم : “﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ” إذا جلسوا مع المؤمنين , فهم مؤمنون خاشعون , وإذا جلسوا مع المنافقين , فهم منافقون مخلصون . فهم ذو وجوه متعددة , وجه الليل غير وجه النهار . وجه للحق مع أهل الحق , وجه للباطل مع أهل الباطل . هم إمعات  يمكن شراؤهم بأبخس الأثمان فى أى مكان وفى أى زمان .  ليسوا أصحاب مبدأ ثابت لان صاحب المبدأ لا يشترى و لا يباع ، لا تؤثر فيه سبائك الذهب اللامعة و لا سياط الجلادين اللاذعة . أرأيتم كيف ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم على مبدئه ليعلم البشرية هذا الخلق الرفيع ؟ لقد ضغطت قريش على عمه أبى طالب كى يضغط بدوره على ابن أخيه ليتنازل عن دعوته مقابل المال والمنصب والزعامة والرياسة , لكنه أبى ورفض وقال قولته الشهيرة التى تكتب بماء الذهب حتى يوم القيامة . قال فى ثبات ويقين وصمود وثقة واطمئنان : “و الله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته ” أرأيتم يقينا وثباتا أعظم من ذلك ؟ أرأيتم قوة يقين أكبر من هذا ؟ أرأيتم خلقا رفيعا  وهو فى قمة الظلم والاضطهاد من قومه  أعمق من هذا ؟ أين الساسة والخبراء والكتاب والمفكرون والمشايخ والدعاة من هذا الموقف القوى الواضح اليوم ؟ لا أقول أن لاخير فى هذه الأمة كلية , لكن أقول الثابتون قلة والمتحولون كثرة كغثاء السيل لا  قيمة ولا وزن لهم .

* لذلك من الصعب جدا بل من المستحيل أن تشتري إنسانا صاحب مبدأ ، لا يلين ، و لا يقبل بأنصاف الحلول ، و لا يباع  و لا يشترى ، رجل المبدأ إنسان عظيم قوى الإيمان عظيم الشأن . و رجل المصلحة إنسان تافه حقير يعبد مصلحته من دون الله ، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ، مذبذب الفكر , مشوش العقيدة , ضبابى النظرة . هو مع مصلحته الحقيقية وإن تعارضت والمصلحة العليا  للعباد والبلاد . لذلك  فهو منحط أخلاقيا وسياسيا واجتماعيا . إن من أخطر الأمراض النفسية والاجتماعية والسياسية أن يشيع  النفاق وعبادة الذات في المجتمع. أصحاب المصلحة لايرون غير أنفسهم ومصالحهم فقط . هل تتذكرون الشاعر ” البحتري ؟” تروي سيرته أنه مدح عشرات الخلفاء ، و ذمهم جميعاً ، يأتي هذا  فيمدحه ، وينصرف هذا فيذمه . هذا شأن الإمعة  ذو الوجوه المتعددة والألسنة المتنوعة . هل نسينا ما جاء فى الحديث الشريف: ”   لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنا ، و إن ظلموا ظلمنا ، و لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، و إن أساؤوا فلا تظلموا ؟ أين نحن اليوم من هذه الأخلاقيات النبوية الرفيعة التى افتقدناها فى شتى مجالات الحياة اليوم ؟ يقول الفضيل بن عياض رحمه الله قال :  ” اتبع طريق الهدى و لا يضرك قلة السالكين ، و إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين ” .

*  إن الإمعة وصاحب المصلحة يشكل خطرا داهما وعاجلا على المجتمع . ولقد دفع الوطن ثمنا باهظا  بسبب نفاق ومداهنة هؤلاء القوم لكل الأنظمة التى حكمت سواء أصابت أو أخطات , أفسدت أو أصلحت , لايهم كل ذلك , لكن الأهم أن يكونوا مرضيا عنهم .  لذلك فالإمعة ضعيف الشخصية والعقل والدين . يعيش طيلة عمره تابعا ذليلا يقيل الأحذية قبل الأيادي . هو منبوذ من الله ومن الناس والمجتمع . يدفن رأسه فى الرمال كالنعامة لكى لا يراه الناس ولا يعلم أن عورته مكشوفة للجميع .  صاحب المصلحة قد يقع في مهاوي الضلالة . فهو ضعيف الفكر والثقافة

لا يملك القدرة على اتخاذ القرار الرشيد الذي هو أساس التفوق النجاح، لأنه لا يملك قرارا ثابتاً بل قراره متغير حسب تغير مصلحته الذاتية . هم يموتون من أجل مصلحتهم لا من أجل مبادئهم  . وأتذكر هنا قصة  ” أبي الطيب المتنبي ” لما هاجمه رجال من بني أسد وكان قد هجاهم بقصيدة مشهورة ، فترصدوا له في الطريق ، وكان معه غلامه ، فلما واجههم وأيقن أن الموت يتربص به . فكر في الفرار  , فذكره غلامه وقال له : كيف تفر وأنت القائل : الخيل والليل والبيداء تعرفنى.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم .؟فالتفت إلى غلامه وقال له : قتلتني قتلك الله ,  وقاتل حتى قتل . مات من أجل كلمة قالها وهكذا الرجال العظام يموتون على مبادئهم وإن كلفهم هذا حياتهم عن طيب خاطر .

* المبادئ والمصالح كالماء والهواء , إذا دخل أحدهما خرج الآخر , فهم نقيضان مختلفان لا يلتقيان أبدا كقضبان السكة الحديد . إن أخطر ما يهدد الوطن اليوم هو تسلل أصحاب المصالح بين أصحاب المبادئ كنوع من التمويه الاأخلاقى  حتى يحققوا غايتهم وينفذوا أجندة أسيادهم . وكم شاهدنا وسمعنا عن قادة وزعماء وصلوا إلى مراكز اتخاذ القرار فى جماعات دينية وأحزاب سياسية وجمعيات خيرية ونقابات مهنية , لا من أجل الدين أو الوطن أو السياسة أو المهنة  أو فعل الخير, لكن من أجل مصالحهم الشخصية . فلما انكشف أمرهم وافتضح شأنهم , انقلبوا على أعقابهم , وراحوا يسبون ويشتمون وينتقدون مناهج وأفكارا ووسائل وأهدافا عاشوا من أجلها ردحا من الزمن . فكيف نصدقهم اليوم ؟ إن العام الجديد المقبل علينا بعد ساعات معدودات يجب أن يكون عام المكاشفة , عام فضح الأقنعة المزيفة , عام الحق والحقيقة , عام المبادئ الواضحة حتى يستقر الوطن ويطمئن المجتمع . الحقيقة كراكب الجمل , لايمكن إخفاؤها أبدا . والأقنعة المزيفة تسقط مع أول  عاصفة .وورقة التوت الصفراء لاتخفى العورات المكشوفة . فاستتروا بالمبادئ وتحصنوا بالحق , والتزموا بمصلحة الدين والوطن والبلاد والعباد يرحمكم الله . والله من وراء القصد والنية .

 
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى