الأرشيفكتاب وادباء

المواطن المسكين الذي حفر قبره فى ” العلمين ! “

من روائع الأديب الكاتب
السعيد الخميسى
* نشرت بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعى صورة مأساوية موجعة تذيب الجليد وتصهر الحديد وتؤلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . هذا المواطن المصري يعمل موجها بالتربية والتعليم وقد استوطن مدينة العلمين بمحافظة مرسى مطروح منذ خمسة عشر عاما وهو أسرته بحثا عن حياة حرة كريمة . استيقظ هذا المواطن  ذات صباح مشؤوم فوجد الحكومة وقد هدمت بيته فوق رأسه وهو وأفراد عائلته بلا سابق إنذار أو طلب ضبط وإحضار. لم يجد هذا المواطن المسكين  مخرجا إلا أن يحفر  قبورا له ولأفراد أسرته ونام كل فرد على شفير قبره   انتظارا للموت . وهى صورة  جديرة بان تستنفر همم المسؤولين  وتحرك نبض قلوب العالمين وتستنفر مشاعر من كان فى قلبه مثقال ذرة من الرحمة والشفقة واللين  تجاه هذا الموقف المأسوي الذى لايقره شرع ولا دين  . وكأنى بهذا الموجه المسكين وهو مستلقى على ظهره على شفير قبره انتظارا للموت وهو يتذكر لحظة وقوفه فى طابور الصباح طيلة حياته الوظيفية وهو يردد بلسانه وقلبه بين تلاميذه تحية الصباح شعار ” تحيا جمهورية مصر العربية ” . تذكر تلك اللحظات المهيبة التى بذل فيها كل غال ورخيص فى رحلة تعليمية شاقة  من أجل تهذيب وتعليم جيل بعد جيل , يغرس فى نفوس وقلوب أبنائه وتلاميذه حب الوطن . تذكر تلك اللحظات وهو ينظر إلى شفير قبره بجوار بيته المهدوم الذى صار فى لحظة واحدة كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف  دون مراعاة لأى معنى من معانى الإنسانية , ولا مراعاة لأى مفهوم من مفاهيم الكرامة والعزة والعيش بحرية .

* ياسادة : إن حب الوطن ليس شعارات جوفاء ولاكلمات بلهاء ولاصكوك غفران يمنحها من يشاء لمن يشاء . وإنما حب الوطن فى المقام الأول والأخير هو انتماء . وهذا الانتماء  مثل الشجرة تقوى وتضرب بجذورها فى باطن الأرض إن وجدت من يتعهدها بالماء حتى تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها . وتذبل تلك الشجرة وتتساقط أوراقها وتنكسر فروعها وينخر السوس فى جذعها إن لم تجد من يرعاها ويتعهدها ويحافظ على تربتها بمستلزمات وجودها . ماشعورك أنت وقد أنفقت كل ماتملكه فى شراء قطعة أرض وأقمت عليها بيتا  منذ سنين ولم يعد لأسرتك مأوى ولاملجأ غيرها  , ثم يكتشف السادة المسؤولون فجأة وهم نائمون تحت أجهزة التكييف الباردة فى حر الصيف أن البلد بلدهم والأرض أرضهم ولا عزاء للمواطنين عبيد الحبشة الذين لاحق لهم حتى فى رفع شكواهم إلى من يهمه الأمر . إن أقل حقوق المواطن أن يجد من يصغى إلى بلواه وينصت إلى شكواه . ياسادة : إن الحرية سماء , والكرامة سماء , والعزة سماء ,  والعدالة سماء  , والسماء وطن للجميع وليس لفئة على حساب فئة ولا لطائفة على حساب طائفة  ولا لفصيلة على حساب فصيلة أخرى .. من فضلكم تخلوا عن شعار بوش الأب والابن : من لم يكن معنا فهو ضدنا . لان الشعوب منذ خلق الله الأرض ومن عليها قد تختلف مع الأنظمة والحكومات ولكنها لا تختلف على الوطن ولا تساوم عليه ولا تضعه فى كفة وهى فى كفة أخرى , فذلكم أضغاث أحلام وما أنتم بتأويل الأحلام بعالمين  ! . قال الغزالي: ” والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص ” .

* نريد أن ننتقل من مرحلة الشعارات الجوفاء إلى مرحلة العمل والصدق والإخاء . نريد أن ننتقل بالوطن من مرحلة الانقسام والانشقاقات والخلافات والصراعات إلى مرحلة الاتفاق والاصطفاف على كلمة سواء نريد بها وجه الله وليس وجه الذين يأكلون على كل الموائد ويسيرون فى كل الموالد ينعقون وراء كل ناعق  , لاتحركهم غير المصلحة الشخصية والمآرب الذاتية غير عابئين بمصلحة الوطن ولا بمستقبل المواطن . إنما يهمهم فى المقام الأول ما يدخل جيوبهم وما يلقى فى جوفهم وما يستقر فى قاع بطونهم من حلال كان أو من حرام . إن أي وطن على هذه المعمورة إذا انقسم إلى أسياد وعبيد فأقم عليه مأتما وعويلا وصل عليه أربع تكبيرات لا ركوع فيها ولا سجود . لأن المواطنين أمام القانون والدستور سواء لافرق بين كبير وصغير , ولا وزير ولا غفير , ولا شريف ولا حقير , ولاحاكم ولامحكوم الا بالتقوى والعمل الصالح وما يقدمه للوطن من أعمال وتضحيات وإسهامات تفيد البلاد والعباد . يقول أحد  الكتاب المفكرين : ”  إن الملايين ممن ينوون الهجرة يكونون قد هاجروا نفسيا لحظة تقديم الطلب و هجروا الوطن على المستوى الشعورى.و يظل حالهم على هذا حتى لو ظلوا سنوات ينتظرون الإشارة بالرحيل.فتكون النتيجة الفعلية أننا نعيش فى بلد فيه الملايين من المهاحرين بالنية أو الذين رحلوا من هنا بأرواحهم و لا تزال أبدانهم تتحرك وسط الجموع كأنها أبدان الموتى الذين فقدوا أرواحهم ولم يبق لديهم إلا الحلم الباهت بالرحيل النهائى.  ”

* إننا كمصريين لا يمكن أن ينافسنا أحد أو يساومنا على حب وطننا والانتماء إليه . ويجب على كل مسؤول صغيرا كان أم كبيرا أن يغذى ويروى هذا الانتماء بالمحافظة على مصالح المواطن وعلى  شرفه وكرامته وحريته . فلا ينتهك عرض المواطن ولا يسلب منه ماله ولا يهدم بيته فوق رأسه ولا تلفق له الاتهامات الباطلة , ولايعتدى عليه , ولايتهم بأى اتهامات عشوائية باطلة  دون سند من قانون أو دستور وبلا أى براهين عملية وقرائن واقعية   . فهل مثل هذا المواطن نربيه على حب وطنه أم على شئ آخر استحى أن اذكره  ! . إن احترام المواطن والمحافظة على حقوقه مسألة أمن قومى وليست مسالة ترفيهية عبثية يعبث بها من يشاء حين يشاء . فكرامة المواطن وعزته هى من كرامة الوطن وعزته . والوطن يقوم على كاهل الأحرار الأقوياء وليس على كاهل العبيد الضعفاء . لقد تعلمنا حب الوطن من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ليلةِ هجرتِه إلى المدينة ، وعلى مشارف مكّة وقف يودع أرضها وبيوتها وأهلها، وهو يستعيد المواقف والذكريات  , مخاطبا لها بكلمات تكشف عن حبه العميق لاهل مكة المكرمة قائلا : ” والله إني أعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ ” وفي رواية أخرى: ( ما أطيبَك من بلدٍ! وما أحبَّك إليَّ!، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنْتُ غيرك ” رواه الترمذي، وفي ذلك دلالة واضحة على حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشديد لبلده ووطنه مكة، كما تدلُ علَى شدةِ حزنِه لمفارقته له، إِلا أَنه اضطُرَ للخروج منها تحت ظلم المشركين أعداء الدين .

* إن صورة المواطن الذى حفر قبورا له ولأفراد أسرته ستظل عالقة فى عقول المصريين دلالة على الظلم البين  حتى يسترد هذا المواطن حقه , بل وستظل عارا يلاحق كل مسؤول لايتقى الله فى هذا الوطن ولا فى هؤلاء المواطنين البسطاء ,  وحتى أكون منصفا عادلا موضوعيا  , ولست فى كل ماسبق ذكره أنكر حق الدولة  , بل الدولة لها حق وعليها أن تأخذ حقها ولكن دون إلحاق أى ضرر أو أذى أو خسارة بالمواطن . فهناك مثلا عملية التقنين التى تحدث عنها المسؤولون وهى تضمن المنفعة المتبادلة بين المواطن والدولة . فلا إفراط هنا ولاتفريط هناك بل المسالة تقدر بقدرها .  يجب على المسؤولين أن يعلموا أننا أبناء هذا الوطن ولسنا أعداءه أبدا , وإنما فقط نطالب بحقوقنا , نؤدي ماعلينا ونأخذ مالنا . فكما يقولون : حراثة الأرض في الوطن خير من عد النقود في الخارج  . فهل يسمح لنا السادة المسؤولون أن نزرع فى بلادنا ونحرث أرضنا ونعمر بلادنا  ؟ أم أنهم يتركونا نفعل ذلك ثم فجأة ينقضون علينا كما ينقض الذئب على فريسته فيمص دمها ويأكل لحمها وكله بالقانون , قانون الغاب الذى البقاء فيه للأقوى وليس للأصلح ..!  .

* يقول أحد الحكماء :” إن أغلى ما يملك المرء الدين والوطن، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه؛ لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفا ده… حتى الحيوانات لا ترضى بغير وطنها بديلاً، ومن أجله تضحي بكل غالٍ ونفيس، والطيور تعيش في عشها في سعادة ولا ترضى بغيره ولو كان من حرير، والسمك يقطع آلاف الأميال متنقلاً عبر البحار والمحيطات ثم يعود إلى وطنه، وهذه النملة الصغيرة تخرج من بيتها ووطنها فتقطع الفيافي والقفار وتصعد على الصخور وتمشي على الرمال تبحث عن رزقها ثم تعود إلى بيتها، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت.”: نحن المصريين جميعا فى مركب واحد إن غرقنا غرقنا جميعا وان نجونا نجونا جميعا  . فرفقا بالمواطنين البسطاء الذين لا ناصر لهم غير الله أيها السادة المسؤولون وراجعوا أنفسكم وحاسبوها فى طريقة معاملتكم بشعبكم قبل أن يحاسبكم الله فرادى مسؤول بعد مسؤول فى يوم كالف سنة مما تعدون , يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . ا اللهم احفظ البلاد والعباد من كل مكروه وسوء .اللهم بلغت .. اللهم فاشهد . والله من وراء القصد والنية .

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى