الأرشيفتقارير وملفات

المصريون بين السخرة والحفرة..!.

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* بادئ ذى بدء , فإن السخرة فى أبسط معانيها هى أن يؤدى المرء عملا شاقا مجهدا بدون مقابل مادي, والاكتفاء بالحد الأدنى من الغذاء والكساء والدواء لضمان بقاء الأجير الفقير المضطهد على قيد الحياة تحت سياط الجلادين فى لهيب الحر وزمهرير البرد . ولك أن تعجب أشد العجب إذا علمت أن فرنسا التى يسمونها عاصمة الحضارة والنور أول من  رضخ شعبها لأعمال السخرة فى القرن السادس عشر أيام الملكية حيث أن الملك “لويس السادس عشر” كان يأمر الفلاحين بإسكات نقيق الضفادع في نهرالسينحيث يقع قصره كي يستطيع أن ينام . جلالته وفخامته يريد أن ينام ويستريح , فيأمر شعبه بأن يظل مستيقظا لإسكات صوت الضفادع الذي يؤرق مضجعه طوال الليل..!؟  أرأيتم سخرة واستهانة واهانة واستخفاف وازدراء بالبشر أكثر من هذا ..؟ ولك أن تعلم أن تعداد سكان مصر سنة 1860 أى أيام حفر قناة السويس , كان أربعة ملايين نسمة , وعدد العمال الذين عملوا بالإكراه فى شق قناة السويس كان مليون عامل , أى ربع سكان مصر , مات منهم مائة وعشرون ألف عامل جوعا وعطشا ومرضا تحت الردم أو تحت مياه القناة أو فى الصحراء هربا من سعير الجحيم .

*

قناة السويس

يذكر المؤرخون أن المصريين تعرضوا لأقصى أنواع السخرة والاستعباد فى حفر قناة السويس عشر سنوات كاملة . ففي يوم الخامس والعشرين من ابريل عام 1859، بدأ المصريون تحت سياط الجلادين وفرقعة الكرابيج فى حفر قناة السويس،  والتى بلغ طولها 193 كيلومترا .  وقد حصل  ديليسبس الملحق الفرنسي بمصر والمقرب من سعيد باشا حاكم مصر فى ذلك الوقت على فرمان عقد امتياز قناة السويس الأول . ويذكر المؤرخون أن مليون عامل مصرى حفروا قناة السويس , وقد استشهد منهم 125 ألف مصرى نتيجة الجوع والعطش والمرض والعمل بالإكراه . في ذلك الوقت نشرت جريدة     Standard البريطانية مقالا قالت فيهإن العمال التعسين كانوا يسحبون سيرا على الأٌقدام إلى بورسعيد، وقد ربط بعضهم إلى بعض كالجمال، أو كقطعان العبيد في أفريقيا، والتي يسوقها تجار الرقيق من الأقاليم الداخلية إلى الساحل حيث تكون السفن في انتظارهم لنقل هذه السلع الآدمية“. وكان عدد العمال الذين يساقون زمرا إلى ساحات الحفر يتراوح بين 20-22 ألف عامل في الشهر الواحد، في رحلات وصل طول بعضها إلى عشرين يوما، بينهم أربعة أيام من المشي على الأقدام، حتى بدا طريق التل الكبير وكأنه مغطى بالآدميين من كثرة عمال السخرة.

*

الخديوى

إن قمة أعمال السخرة أن يتم إكراه وإجبار ربع الشعب على حفر القناة بالقوة الجبرية .  كان الموت عطشا يحصد العمال حصدا، فقد كانوا يموتون كالذباب . تجمعت على العمال المصريين الكوارث من كل نوع وصوب، فإلى جانب أهوال أزمة ماء الشرب ومجانية العمل والإرهاق فيه والضرب بالكرباج والزج بهم في السجون، جاءت الأوبئة، بلا هوادة وعصفت بهم التيفود، والجدري والكوليرا والحمي الراجعة. تلك نبذة مختصرة عن شتى صنوف التعذيب الذى تعرض لها المصريون فى شق قناة السويس . والجدير بالذكر أن أجور العاملين كانت بحسب اللائحة التى وضعها ديليسبس  والتى كانت تتراوح مابين قرش ونصف قرش وثلاثة قروش فى اليوم . وإذا كان العامل دون الثانية عشر من عمره , فانه كان يتقاضى قرشا واحدا . لقد أكرهت الشركة المصريين على العمل بالإكراه فى ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم النحيفة  وعلى الفأس والقفة .


* نترك قناة السويس ونغوص فى أعماق المجتمع المصرى  كى نعرف أن ميزانية وزارة الصحة حسب التقارير الواردة أن مصر من أقل الدول إنفاقاً على الصحة، حيث يقتصر نصيبها في موازنة
 الوزارة على 4.9% ، رغم أن المعدل الدولي الذي تم إقراره في قمة الألفية بالأمم المتحدة هو 15 %. وتشير آخر بعض التقارير أن أعداد المصابين بمرضى السكري إلى 11 مليون مواطن خلال  السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى الزيادة المستمرة في أعداد المصابين بفيروس التهاب الكبد الوبائي التي بلغت نسبتها 22% من المصريين، أي بمعدل إصابة وصل إلى مليون مواطن، ونسبة مرض الفشل الكلوي 10% وضعف جهاز المناعة 40% وأمراض الصدر 15% والمرضى النفسيين 14% والسرطان 11 % . كما وصل عدد  المصابين من المصريين بالأورام سنويا إلى حوالي مائتي ألف مصاب . إن نسبة الإصابة بالفيروس الكبدي C في مصر تبلغ نحو 14 في المائة وهي أعلى نسبة في العالم .   وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 26% من المصريين البالغين مصابون بمرض ضغط الدم. وتشير أحدث تقرير للتنمية البشرية في مصر أن عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر يتجاوز 14 مليوناً و400 ألف مصري بما نسبته 20.2% من السكان.  ناهيك عن طوابير البطالة ونسبة الأمية العالية  وانحدار مستوى التعليم بشكل عام .

*

تستطيع القول وأنت مستريح البال والضمير أننا انتقلنا من عصر السخرة إلى عصر الحفرة . حيث الفقر والمرض والأمية والبطالة والعشوائيات والعنوسة وظاهرة التسكع والتحرش والبلطجة وقطع الطرق على عباد الله الآمنين , فضلا عن تدهور الاقتصاد وكثرة الديون وارتفاع الأسعار والدولار والتضخم والبطالة وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المصرية . والسؤال المحير هو : ماذا كانت تفعل السلطات الحاكمة والحكومات فى السنوات العجاف الخالية..؟ ماهو دور البرلمانات المتعددة والمتوالية والتى كانت منوطة بمراقبة الحكومة..؟ ومادور الحكومات التى توالت على حكم مصر ..؟ وأين كان هذا الشعب البائس الفقير ..؟ أسئلة كثيرة وكبيرة ومحيرة تطل برأسها علينا ولانجد لها جوابا شافيا أو ردا كافيا . كل ماكنا نسمعه من الأنظمة السابقة التى حكمتنا بحديد عز ونار رجال الأعمال الجشعين أننا مازلنا وسنظل فى عنق الزجاجة..! وانكسرت الزجاجة , وتبعثرت أجزاؤها , ولكننا مازلنا محشورين إلى يومنا هذا فى عنقها وتقبع أجسادنا فى قاعها. ولست فيما سبق ذكره أدعو إلى اليأس والقنوط من روح الله لاسمح الله , بقدر ما أنا استعرض واقعا مريرا عشناه ومازلنا نتجرع مرارته .

*

وخلاصة القول أننا اليوم فى حاجة إلى عقد جمعية عمومية للشعب المصري دون إقصاء لأحد لكى يضع الشعب فى أجواء صحية من الحرية والديمقراطية روشتة الخروج من هذه الحالة البائسة والتى إن استمرت فلن تجد لاقدر الله لا وطن ولامواطن . نحن لن نأكل ولن نشرب ولن نتداوى ونتعلم ونسكن من أنشودة سبعة آلاف سنة حضارة , فليس الفتى من يقول كان أبى , ولكن الفتى من يقول ها أنا ذا..! فأين نحن اليوم من أمم ودول كانت تتسول من مصر فى يوم ما . نحن اليوم فى مرحلة إما نكون أو لانكون . ولن تجدى القبضة الحديدية فى خروج مصر من الخطر . ولكن الذى يجدى وينفع هو رد المظالم إلى أهلها , وسيادة القانون والدستور , ونشر روح العدل فى هذا الوطن المكلوم , ومعاقبة كل من أساء لهذا الوطن محاكمة عادلة لاغش فيها ولاتزوير ولا محاباة , وفتح نوافذ الحرية لكى نستنشق هواء نقيا خاليا من جراثيم الديكتاتورية . بغير ذلك فسنظل نعيش بين السخرة والحفرة إلى يوم الدين . إن أزمتنا ومصيبتنا اليوم هى أزمة سياسية فى المقام الأول قبل أن تكون أزمة اقتصادية . فلنعالج جذع الشجرة المائل قبل أن تسقط على الأرض , حتى تعتدل كل الفروع . فهل إلى ذلك من سبيل..؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى